الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 153 الرجوع إلى "الرسالة"

أشهر كتب الخلاصات الحديثة.،

Share

كان مؤلفو العرب يعنون عناية فائقة بوضع كتب الخلاصات  للعلوم والفنون والآداب؛ وكانت كتبهم تكبر وتكبر حتى  تغدو موسوعات ضخمة تسعف القارئ بما يحتاج إليه من المعارف  العامة والنبذ الخاطفة من كل علم وفن؛ ولعل كتاب الأغاني  هو أول موسوعة عربية من نوعها. ومن الموسوعات العربية  أيضاً كتاب نهاية الأرب للنويري، وصبح الأعشى للقلقشندي  ولسان العرب لابن منظور المصري، والعقد الفريد لابن عبد ربه  ومسالك الأمصار، وتاريخ بغداد. . . الخ، وقد أقتبس الغرب  هذه الطريقة الموسوعية عن أسلافنا العرب، فوضع ديدرو  موسوعته الفرنسية، ثم كان للإنجليز موسوعتهم كذلك،  ونحسب أن الموسوعة الإيطالية الحديثة التي اشترك في وضعها  الطاغية موسوليني هي أكبر موسوعات العالم قاطبة، وإن تكن  لا تفضل الموسوعة البريطانية في الدقة وتوخي الحقيقة فيما حفلت  به من سائر المعارف العالمية، ولكن هذه الموسوعات غالية الثمن  غالباً؛ ولا يستطيع الأفراد إلا الأقلون منهم اقتناءها لهذا  السبب، فثمن الموسوعة البريطانية الرخيصة مثلاً   (الطبعة  الرابعة عشرة)  خمسة وعشرون جنيهاً أو أكثر، إذا دفع الثمن  على أقساط؛ وثمن الطبعة الغالية أكثر من خمسة وسبعين جنيهاً  مصرياً. وقد وضعت شركة الكتب الإنجليزية دائرة  معارف للأعلام على طريقة وفيات الأعيان لابن خلكان وجعلت  ثمنها أربع جنيهات.

لذلك راجت كتب الخلاصات في أوربا عامة،  وإنجلترا خاصة، وكان الأديب الإنجليزي الكبير هـ. ج. ولز  هو المبتدع لهذه الطريقة الطريفة، وذلك حين وضع كتابه الجميل    (خلاصة تأريخ العالم) ، يستعرض فيه تأريخ الحياة في هذه  الدنيا منذ بدء الخليقة إلى اليوم، فأنت تقرأ فيه لمحة من كل علم،  

وطرفة من كل فن، وخطفة من كل أدب، وينتقل وتر من  الجيولوجيا إلى الانثروبولوجيا، إلى البيولوجيا، إلى التأريخ، إلى  الآداب، إلى الفنون، إلى العلوم، إلى الحركات الفعالة التي  تناولت الأمم بالهدم والبناء. . . . وكل ذلك بأسلوب طلي، وروح  وثاب، وعبارة مشرقة غير مملولة. ولا يكاد القارئ يلتمس  شيئا في خلاصة ولز هذه إلا وجدها، وهذه مهارة تحمد للمؤلف،  والخلاصة على نفاستها رخيصة الثمن جدا بحيث يستطيع القارئ  العادي اقتناءها دون أن يرهق حبيبه.

وقد وضع ولز خلاصه ثانية لا تقل عن قيمتها عن خلاصته  الأولى، ولا تزيد في ثمنها عليها، تلك هي كتابة القيم   (الإنسان،  عمله، ثروته، سعادته) ، ويعرض فيه لطائفة رائعة من فنون  العمل والحياة لا تكمل ثقافة الإنسان إلا إذا وعاها. وقد ألف الكاتب الشاعر الإنجليزي   (جون درنكووتر)   خلاصته في آداب العالم، وهي برغم ما فيها من الشوائب، وما  يعتور بحوثها من القصور المعيب أحياناً، خلاصة قيمة بما حفلت  به من تأريخ الأدب العالمي منذ فجر التاريخ إلى اليوم في كل أمة. . .  إلا الشرق! وإن يكن قد تناول آداب الشرق القديمة بفصول  مشوهة مبتورة، وإن يكن أيضاً قد خص الأدب الإنجليزي  بأكبر نصيب من خلاصته!

أما الخلاصة الأدبية القيمة حقاً فهي تلك التي كتبها الأديب  المؤرخ الأمريكي الشهير برتن راسكو والتي سماها   (جبابرة الأدب  أو - أعاظم كتاب العالم) ، وقد أختار لها برتن راسكو أربعين  أديباً وشاعراً من أكبر أدباء التأريخ وشعرائه، بدأهم بهوميروس  وختمهم بجورج مور، ثم ختم الخلاصة بلمحة عن الأدب العالمي  في الخمسين سنة الأخيرة. وبرغم هؤلاء الأربعين أديباً، فأنك  لا تكاد تذكر أديباً أو كاتباً في كل عصور التأريخ إلا وجدت  المؤلف حام حوله، وأعطاك لمحة عما يهمك جداً من فنه وطريقته  

وأشهر مؤلفاته، ومع ذاك فثمن كتابه زهيد جداً.

لذلك أنصرف الناس عن الموسوعات لغلائها ولاشتمالها على  موضوعات لا تهم غالبيتهم إلى الخلاصات لرخص ثمنها ولتركزها  في باب بعينه كما في خلاصة الفن وخلاصة الموسيقى.

اشترك في نشرتنا البريدية