الاجتهاد أساس التطور
قال السيد الرئيس فى خطاب المولد النبوى الشريف بالقيروان :
." . . . واذا كان احتفالنا الليلة قد اكتسى فى الانظار حلة زائدة من النور والبهجة بهذا اللألاء الكهربائى الذى سرى فى الثريا الجديدة المالئة لبهو هذا الجامع جمالا وجلالا وهى الثريا التى كنت سعيدا بأن أتحف بها هذا البيت ثم كنت سعيدا بأن توليت الآن بيدى تنويرها لاول مرة فان لهذا العمل فى نفسى من الحقيقة المعنوية أضعاف ما له فى الابصار من المظهر السنى .
ذلك أنى أتمثل فى هذا الهيكل الدينى العتيق ما شادته المعارف والافكار فى هيكل الدين الاسلامى من الآداب العالية والتشاريع الحكيمة المبنية على أركان الدين وقواعده والمرتكزة على أساسين : أساس الوحى الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأساس العقل الذى ارتقى به النوع الانسانى على البهائم والسوائم حتى أتى بعجائب الاكتشافات التى نشاهد منها كل يوم ما هو أعجب مما شاهدنا فى اليوم الذى قبله حتى انتهينا الى حدث الساعة العظيم المتجلى فى تسلط البشر على القمر وارسال الكواكب الصناعية تسبح فى الافلاك . وان النفس لتمتلئ اعجابا بمبلغ الحرية العقلية التى منحها الاسلام لمتبعيه حيث مكنهم من التصرف فى أحكام الدين وأوكل اليهم مراعاة مصالحهم الحيوية وحياطتها بسياج من التشاريع الدينية مبناه الاجتهاد مصيبا كان أم مخطئا وغايته المصلحة التى تدور الاحكام بدورانها وتتطور بتطورها ، ولقد كانت الحياة التشريعية لوطننا التونسى كغيره من أوطان اسلامية أخرى مظهرا رائعا لهذه المعانى من التطور الحر وميدانا واسعا برز فيه اعلام من المشرعين المجتهدين لم يزل هذا الجامع بالخصوص بردد صدى حكمتهم التشريعية الدينية ناهيك بأمثال أسد ابن الفرات وسحنون وابن أبي زيد واللخمى والمازرى وعبد الحميد الصائغ وابن عرفة والبرزلى وابن ناجى ، فلقد كان كل واحد من هؤلاء الاعلام يمثل من حاجات عصره وتطلباته ما بنيت عليه تقاريره الفقهية ، فكان الذى يتقرر فى عصر قد يتقرر خلافه فى عصر بعده وبذلك اختلفت الانظار باختلاف طرائق الاجتهاد وتقادير مقتضيات الاعصار والاقطار .
ثم كان الركود الذى اعترى الفقه منذ القرن التاسع مقارنا لشيوع البدع
والتفسخ الخلقى والانحلال الاجتماعى حتى عزلت الحياة المدنية عن الحياة الدينية .
واتخذت الدول الاسلامية فى نظمها وأحكامها شرائع أجنبية ما أنزل الله بها من سلطان ، فسادت الفوضى وعم الجور حتى اذا طلع فجر النهضة الحديثة فى أواخر القرن الماضى انبعثت الدعوة الى العود الى المبادىء الاسلامية بتحرير الفكر ومقاومة البدع الضالة وفتح باب الاجتهاد .
وعلى تلك الدعوة الاصلاحية السلفية نحن سائرون فى تخطيط عملنا لاصلاح الهيكل التشريعى لجمهوريتنا فلا نعرض عن مبادئ الاسلام كما وقع الاعراض عنها فى الماضى ولا ندعى انها لا تفى بحاجات العصر ولكن نتفهمها حق التفهم ونفكك جوهرها عما اتصل بها من آثار الاعتبارات العرضية المسندة الى أعراف منقرضة أو أفكار ينبو الواقع عنها وبذلك يشرق فى حنايا هيكل التراث الفقهى الاسلامى من كهرباء العصر وتقدمه الصناعى مثل ما أشرق فى حنايا هذا الجامع الليلة وزانه من حسن تناسق الصناعة العصرية مع معالم البناء الاصلية الخالدة .
ولنا يقين بأن من بين علماء الدين فى هذه البلاد من هو بمنزلة سامية من سعة العلم واصالة الفكر ورسوخ القدم فى العمل الاصلاحى تمكنه من أن يعين الدولة فى مقاصدها الاصلاحية التقدمية فى نطاق المحافظة على مبادى الدين وحسن البصر فى تفهمها بالنظر الحر كما أن لنا رجاء شديدا فى أن التعليم الدينى بالجامعة الزيتونية يخرج لنا جيلا جديرا بأداء هذه الرسالة الهامة . . . " .
. ما يقال عن " الفكر " :
ننقل فى ما يلى بعض ما كتبته زميلاتنا الشرقية حول نشاطنا وأعدادنا الخاصة من دون أن نعلق عليه حتى يحكم القراء بكل حرية . .
صحيفة العلم المغربية :
استطاعت تونس حقا ، أن تسير مع القافلة بثقة كبيرة ، وبمزيد من الاطمئنان أيضا ، وأن تفتح لكتابها وأدبائها آفاق واسعة خارج الجمهورية ، واستمع العالم الى صوت هؤلاء الكتاب وهؤلاء الادباء ، وقال رأيه فيهم , واستمع الى آرائهم فيه ، ومن خلال كل ذلك توجد الحياة ، لان مجال الانفعال يوجد أيضا . . .
وفى تونس . . تصدر مجلة شهرية مشرفة ، هى مجلة " الفكر " التى تناقش التطورات الادبية ، وتحلل القضايا الفكرية فى كثير من الوضوح .. وكثير من " الذاتية " التى نتجت عن ثقة بنفس أولا وأخيرا .
وقد أصدرت مجلة " الفكر " عددا خاصا بمناسبة الدورة الرابعة لمؤتمر الادباء الذى انعقد فى الجمهورية ، وأصدرت عددا آخر عن " قصة القصة فى تونس " .
وان من شأن هذه الاعداد الخاصة أن توضح الحركة الادبية أكثر ، وأن تبلورها للقراء ، وأن تبين الى أى مدى وصل الانتاج فى هذا الميدان أو ذاك .
واذا كنا فى المغرب نأسف ونتساءل أيضا لعدم وصول المجلة الى السوق رغم ما يربط تونس والمغرب ، فاننا نتقدم باقتراح . .
ان فى المغرب مجلة " دعوة الحق " وهى مجلة تشرف المغرب حقا ، وتأخذ طابعا فكريا خاصا يتيح لها أن تمثلنا تمثيلا كاملا ، كما أنها تحقق فى كل عدد مزيدا من النضوج الفكرى ، أما توزيع أبوابها فهو على مستوى عال . .
ماذا لو أن مجلة " دعوة الحق " أصدرت بدورها أعدادا خاصة عن القصة ، والشعر ، والابحاث الدينية ، والمقالة . . فى المغرب طبعا ؟
وماذا لو صدر كل نصف سنة أو كل سنة عدد خاص من مجلة الفكر فى تونس ، ومجلة دعوة الحق فى المغرب ، فيه مزيج من الاستنتاجات المأخوذة من العددين الخاصين عن الشعر أو المقالة أو غيرهما ؟
ان ذلك سيتيح لنا أن نتقارب فى الميدان الادبى بصورة كبيرة ، وبالتالى أن نخرج من عزلتنا الفكرية .
صحيفة النهار :
توالى مجلة " الفكر " الثقافية الشهرية صدورها فى تونس حاملة بين دفتيها نتاج أهل القلم فى تونس وخارج تونس ، من شعر الى قصة ومسرحية ودراسة .
ففى عدد أذار السادس كتب سيد قطب ملاحظات تحت عنوان "أضواء من بعيد " ونشر الصادق مازيغ قصيدة طويلة بعنوان " أيها الشعر " ، ورأينا الى جنبها قصائد لمحمد الشعبونى وأحمد مختار الوزير ومحسن بن حميدة وأنطوان رعد ونور الدين صمود وصالح الخرفى والشاذلى عطاء الله . . . مع دراسة لفتحى سلطان بعنوان " بين الاقتباس والتأليف " والخ . .
وخصص العدد السابع ب " قضية القصة التونسية " والقصة على وجه العموم ، واشترك بالاستفتاء فيه عثمان الكعاك ، والدكتور الطاهر الخميرى ، وناجية ثامر ، والدكتور محمد فريد غازى ، ومحمد الفاضل ابن عاشور ، والمستشرق " بارك " . ونشرت فيه قصص لمحمد العربى عبد الرزاق ، والطاهر وطار ، ووليام سارويان ، وجواد صيداوى ، وتيبورديرى ، والجندى خليفة , ومحمد منصور ، ورضا معاوية . ونشرت دراسات فى القصة لمصطفى الفارسى , ومحمد المرزوقى ، وعمر فضة ، ورضا معاوية . . . ويعد هذا الجزء من " الفكر " مرجعا فى القصة لا غنى عنه لكل باحث فى هذا الباب وكل مثقف .
وأخيرا جاء عدد نوار من المجلة وفيه كالمعتاد طائفة من المباحث الى القصائد الى القصص مع باب خاص أفرد للحركة الادبية فى العالم وكانت حصة لبنان منه كبيرة .
مؤسس المجلة ومديرها محمد مزالى . وهى الآن فى سنتها الرابعة .
والصفاء الذى يتجلى من هذه المجلة ، والاخلاص الذى لا تفتأ تسير عليه ، كفيلان بجعلها فى القريب احدى منارات الفكر لا فى تونس وحدها بل وفى العالم العربى بأسره .
بيروت المساء :
مع الفكر فى قضية القصة التونسية القصة التونسية جنين يخشى أن يولد زنيما
بين يدى مجلة أدبية راقية تصدر فى تونس هى مجلة " الفكر " ولقد درجت هذه المحلة الفكرية على اعداد بعض مجلداتها ، لقضايا أدبية خاصة بالاضافة إلى مجلداتها الدورية الممتازة .
وفى هذا المجلد تعرض مجلة - الفكر - قضية القصة التونسية على بعض الادباء كالاساتذة عثمان الكعاك ، والدكتور الطاهر الخميرى ، والاستاذة ناجية ثامر ، والدكتور محمد فريد غازى ، والاستاذ محمد الفاضل بن عاشور وغيرهم . . .
ولقد سألت المجلة عن أسباب افتقار الادب التونسي الى فن القصة وعن مشكلة اللغة القصصية والوسائل الناجعة للنهوض بالقصة التونسية .
نحن لو تعرضنا لاجابات الادباء التونسيين الكرام لوجدناها كلها تزيد
الطين بلة . . وتمعن فى تشخيص الداء دون محاولة ايجاد الدواء الشافى لهذا الداء المخيف .
والحقيقة ان القصة بدأت فى مطلع هذا القرن تأخذ طابعا جديدا فى جميع ديار العروبة . بحيث انها لم تعد وجدانية حميمة وحسب . . بل صارت موجهة ذات صبغة سياسية معينة تدعو الى التحرر وتنادى بالكرامة الوطنية والاستقلال الذاتى . .
ونحن لو قابلنا بين ما كان يجرى فى لبنان قبل ان نال استقلاله التام الناجز وبين ما كان يجرى فى تونس قبل استقلالها أيضا . . لرأينا الشبه الكبير ولأدركنا أن القضية الموجهة لم تكن قبل نيل السيادة الوطنية ممكنة التحقيق .
أما اليوم - وقد سارت القصة فى لبنان والعالم العربى شوطا بعيدا فاننا نرجو من الادباء التونسيين أن لا يخافوا على مصير القصة عندهم طالما أنهم يتخلصون شيئا فشيئا من الثقافة الاجنبية ومن التوجيه السياسى الدخيل ويعملون على بناء وطنهم على أساس تقدمى .
ليعلم الادباء التونسيون . . . . جديد . . وخاصة المساهمون فى مجلة الفكر الزاهرة ان البقاء لن يكتب للقصة الريفية أو المحلية وحدها بل هو وقف على مقدار التوجيه الذى تحمله القصة بين دفتيها . .
واذ ذاك فلا تعود مشكلة العامية تبرز الى الوجود ولا يعود هناك مجال للخوف على مصير القصة العربية فى تونس الشقيقة
عن بيروت المساء فى تموز " جويلية " 1959
. السياسة وحدها ! . .
تعرض الاديب رجاء النفاس فى جريدة الجماهير الدمشقية التى وصلنا نبأ اختفائها أخيرا الى هؤلاء المتأدبين المتكاثر عددهم فى العالم العربى اليوم الذين يخلطون بين الادب والسياسة ويظنون أن الادب مجرد ترديد لشعارات سياسية معروفة قائلا بالخصوص :
" . . هذا نوع من الادب يدل على العجز والقصور ، وهو نوع من الادب زائف ، لا يخدم القضية السياسية وانما يشوهها . ولا ضرب لذلك مثلين ؛ ذلك الشعر الذي سمعناه فى مهرجان دمشق : وقف عدد من الشعراء يتحدث عن القضية العربية وعن الكفاح العربى . . . لقد كان عدد كبير من القصائد التى ألقيت عن هذه الموضوعات نوعا من " النظم السياسى " لا هو من الادب ولا هو من
السياسية . ومثال آخر : جاءتنى فتاة ناشئة تهوى كتابة الادب والقصة خاصة وقدمت إلى بعض قصصها ، وقبل أن أقرأ من هذه القصص شيئا تحدثت مع عن ثقافتها وسألتها بعض الاسئلة العامة عن حياتها وعرفت منها أنها لا تقرأ الا وبعض المحلات السطحية التافهة . . ثم بدأت أقرأ قصصها ، فوجدتها كلها تدور حول موضوعات سياسية فاقعة ، وعرفت بعد ذلك ان هذا هو المعنى الوحيد للفن كما تفهمه !
السياسة أولا ، أو السياسة وحدها . . . مرض من الامراض التى يعانيها أدبنا المعاصر . فخدمة السياسة وخدمة القضية القومية تكون بخلق أدب يصور النفس فى المجتمع ويعرض للمشاكل الاجتماعية والانسانية الكثيرة فى هذا المجتمع . لا نريد أن تكون السياسة - كما يقول أحد الكتاب الاوروبيين -: " غنيمة طيبة للنفوس الخاوية التى تبرأ من كل قراءة بعد أن تنفد الجريدة ! " وقد سبق أن تعرضنا لهذه الظاهرة عند الحديث عن مؤتمرى الادباء العرب الثالث والرابع ونبهنا الى هذا الخطر.
. أثر الترجمة :
وكتب نفس الكاتب بنفس الجريدة بعض خواطر حول الترجمة وأثرها فى " الادباء" العرب لا يعدم قرائنا الفائدة اذا هو طالعها . يقول رجاء النقاش :
كثرت الترجمات عن الادب الانسانى العالمى . . ترجمة النصوص الادبية وترجمة الافكار الحضارية المتصلة بالثقافة ثم النظرية الاشتراكية والنظرية الوجودية . . وأقبل عدد كبير من كتابنا الجدد على قراءة هذه الترجمات . . ولكن شئا غريبا خطيرا حدث . . لقد فقد بعض كتابنا شخصياتهم تماما أمام المدارس الاوروبية الوافدة . . . حتى أنك لتقرأ لبعض الكتاب وخاصة فى ميدان النقد الادبى وميدان القصة القصيرة فتلمح أثر سارتر أو جوركى أو هذا الكاتب أو ذاك بصورة مشوهة مؤلمة . . تبحث عن شخصية الكاتب فلا نجدها . . تبحث عن جذورها فلا تجد هذه الجذور . . هل هذا كاتب عربى , أو نسخة مترحمة باختصار وتشويه من كاتب أوروبى ؟ . . انك لا تستطيع أن تجد اليقين على الاطلاق .
ان الثقافة الاوروبية التى يكتسبها الكاتب العربى عن طريق الترجمة أو عن طريق القراءة المباشرة ينبغى أن تكون غذاء ينمى شخصيته الاساسية ويطورها , ولن تكون هناك فائدة من هذه الثقافة اذا وقف أمامها الكاتب العربى ضعيفا فاقد الثقة باستقلاله ، وحدد وظيفته بالتقليد . . والانتساب الى مدرسة ثقافة كالوجودية أو الاشتراكية أو غيرهما . . . انه فى النهاية سيصبح نسخة مشوهة من أصول أجنبية كما نرى فى عدد من كتابنا .
علينا أن نهضم الثقافة الغربية هضما جيدا حتى نستفيد منها ونتأثر بها تأثيرا حقيقيا مثمرا .

