قال الأستاذ أحمد زكى وليدى فى الباب الرابع من كتابه : إن استيطان الجماعات الغزية الكثيفة الشرق الأوسط بدأ بهجرة السلاجقة . وكان تزوحهم إلى هذه الجهات فى شكل الانتشار فى بادئ الأمر . فقد شهد أبو الفضل البيهقى المؤرخ بأنهم كانوا فى حالة يرثى لها حينما اجتازوا جيحون فى خوارزم العليا إلى خراسان مطرودين من قبل أعدائهم المنتصرين عليهم فى شرق بحيرة خوارزم . ولكنهم استطاعوا فيما بعد أن يلموا شعثهم واستوطنوا مناطق معينة ، ثم شرعوا فى الفتوح وأنشأوا لهم وطنا جديدا فى الشرق الأوسط واستقروا فيه نهائيا بمساعدة الأتراك الجدد الذين قدموا فى العصر المغولى ، حتى أسسوا أخيرا الإمبراطورية العثمانية العظيمة . وينبغى أن ألخص هنا الأحداث العظيمة التى تمت فى نحو ثلاثة قرون من القرن الخامس إلى الثامن الهجرى ( ١١-١٤ م ) .
كان السلاجقة ينتمون إلى غز الخزر القاطنين بين بحيرة خوارزم وبحر الخزر وبين جبال أورال الجنوبية ، وخاصة إلى أسرة قائمة بزعامة ال (( قنق )) التى هى قبيلتهم . وقد وصف حياة هؤلاء الغز ابن فضلان الذى زارهم عام ٣١٠ ه ( ٩٢١ ) ومؤلف مجهول لكتاب ((حدود العالم )) الجغرافى المؤلف سنة ٣٥٤ ه . كانت نظمهم السياسية حين زارهم ابن فضلان النظم نفسها التى وصفها بعض المؤلفين من قبله . فكان رئيسهم يسمى « بسيفو » ويدعى مساعده « كمذركين » . وتتركز إدارتهم العسكرية بيد قائد يطلق عليه (( سوباشى )) . ولهم عظماء يدعون بأسماء نحو (( إينال )) و (( إينال الصغير)) و ((طرخان )) . ولرئيسهم الدينى الشامانى المدعو (( قام )) نفوذ عظيم ، وسوباشى هو الذى قام بإدارة العلاقات بينهم وبين حكومة بغداد . استقبل أعضاء البعثة ورد عليهم . ومع ذلك فقد عد رجال البعثة أنفسهم ضيوفا على (( كذركين )) . ذكر اسم السوباشى بأنه « أترك » بن ألقطفان . ويمكن أن ينطق هذا الاسم بحسب حركات الحروف العربية ال (( قطفان )) أو (( أترك أو أترل بن القطفان )) . وكان سلجوق جد
السلاجقة قائدا أيضا أى سوباشيا ، وقد سماه محمود الكاشغرى فى كتابه ديوان لغات الترك ، سلجوق السوباشى . وكانت شئون الغز الإدارية فى زمان سلجوق بيد قائد الجيش أى بيده أكثر من أن تكون بيد ال (( يبغو )) فيحتمل أن يكون سلجوق الذى اندفع فى ميدان السياسة بعد نحو نصف قرن من أترك الذى قابله ابن فضلان ، حفيدا لذلك الرجل . ومن عادة الأتراك الموروثة أن يعرف كل امرئ سمية من أجداده . وهاك أسماه أجداد طغرل بك السلجوقى كما ورد فى (( كتاب الغز )) رواية عن السيد لقمان : طغرل بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق بن أرطغرل ابن لقمان بن طفسر مش ألجى بن كراكوجى خوجه . وكان دقاق أبو سلجوق على رواية الذهبى مسلما حديث العهد بالإسلام . طلبت حكومة بغداد إلى (( أترك )) أن يسلم فلم يرد بل وعد رجال البعثة بأن يجيبهم حين عودتهم من البلغار . وكان إينال الصغير من علماء المغول قد أسلم فعلا . فمن المحتمل جدا أن يكون (( دقاق )) جد سلالة السلاجقة هو ابن أترك وأن يكون (( أترك )) هو أرطغرل .
نظرا إلى رواية نقلها ابن النديم ومير خوئد عن كتاب « مليكامه » المؤلف للأمير (( إنائع ملك )) من أمراء طغرل بك ، أنه حدث خلاف بين (( دقاق )) وهو أمير تابع للخزر وبين اليبثو ملك الخزر ، فاكتسب دقاق بهذا الخلاف مكانة عظيمة بين الغز . ولما مات دقاق صار لابنه سلجوق نفوذ عظيم ؛ فأراد اليبثو الحد من هذا النفوذ إغراء من زوجته ، فجلا سلجوق وأعوانه المؤلفة من مائة فارس ومعهم ١٥٠٠ بعير ونحو ٥٠ ألف رأس من الأغنام إلى جهة مدينة « جند » المسكونة بالمسلمين . وكتب ابن حسول وهو وزير طغرل بك ، اسم سلجوق فى صورة (( سر جق )) مبدلا اللام بالراء ، وقال إنه ضرب ملك الخزر بسيفه أثناء قتال أو نزاع عادى فأوقعه من فوق جواده ضاربا بدبوس كان يحمله . ويكون على هذا
قد ذكر شخص واحد بلقب ال (( بسفو )) أى حاكم الغز فى مرجع ويلقب ملك الخزر فى مرجع آخر . ومهما يكن من شئ فليس الشخص المذكور بلقب ملك الخزر هو خانهم ، بل هو نائب الخان الذى ورد اسمه فى كافة المراجع بلقب (( ملك الخزر )) . وكما كان نائب الخاقان عند الأتراك الخاقابين بلقب ب (( بقروش )) و (( بسفو )) فإن نائب خاقان الخزر كان من رؤساء القبائل الملقبين بلقب (( خاقان بى )) و (( بسفو )) .
يفهم من هذا أن سلجوق وأباه دقاق كانا (( بيسفو )) الغز فى زمانهما ، وفى الوقت نفسه نائبى خاقان الخزر . ومن هذا نشأ أن نعد ابن طقطقى مؤلف كتاب الفخرى ، سلجوق من أتراك الغز وأن نعد ابن خلدون الخزر من الأتراك . ووجود الأسماء كإسرائيل وميكائيل وداود ويونس وموسى فى أسرة السلاجقة دليل على انتشار الثقافة الخزرية اليهودية فى الطبقة الأرستقراطية الغزية فى القرن الرابع الهجرى ( العاشر الميلادى ) . وكان كثير من الغز أثناء مرور ابن فضلان ببلادهم أسرى فى يد خاقان الخزر أى رهينة ( أمانة على العادة المعروفة عند أتراك آسيا الوسطى والروس ) . حتى إن بعض رؤساء الغز فكروا فى تسليم أعضاء البعثة العربية إلى خاقان الخزر لإنقاذ أنفسهم من الأسر . ولما كانت صلة أترك الوثيقة ببغداد والبلغار المسلمين ، وبدا انتشار الإسلام فى البلاد فى أيام خلفه قد أفسد العلاقة بين نائب خاقان الخزر وبين أسرة السوباشى التى مالت إلى المسلمين وكانت جماعة هذه الأسرة أضعف من الجماعة المنازعة لها ، اضطرت للجلاء من بلاد الخزر إلى بلاد السامانيين .
اضطربت أسماء السلاجقة الأول كثيرا فى المصادر المكتوبة بالحروف العربية . وكذلك اسم دقاق ولقبه . فكما أنه من الممكن أن يكون اسم (( أترك )) الوارد فى رسالة ابن فضلان منقلبا إلى (( أترل )) واسم (( أرطغرل ))
الذى ورد فى الأساطير الغزية منقلبا من « أطسرل » ، فإنه من الجائز أيضا أن يكون لقمان أو سقمان الوارد فى الأساطير الغزية محرفا من (( قطفان )) الذى ذكر فى رسالة ابن فضلان . ومن حيث الزمن أيضا يجوز أن يكون دقاق أخو أرطغرل بن لقمان المذكور فى الروايات الغزية أخا لأترك بن القطفان لأن سلجوق السوباشى كان قد بلغ المائة من عمره حينما توفى سنة ٣٨٤ ه ( ٩٩٤ م ) ؛ ومعنى ذلك أنه كان قد جاوز الثلاثين من عمره حين قدم ابن فضلان إلى بلاد الغز سنة ٣١٠ ه .
وأما (( طفسر مش ألجى )) ( وألجى معناه السفير ) وهو الجد الرابع لسلجوق ، فلعله لقب بهذا اللقب لقيامه فى وقت ما بمأمورية السفارة . ويدعى أبوه (( كراكوجى خوجه )) ويفسر اسمه بأنه كان صانع هياكل الأخبية . قال محمود الكاشغرى : ( « كراكو » الخباء عند تركمان ، وهو البيت الشتوى عند أهل المدر ) . وذكر أبى سلجوق فى كتاب الغز بصانع هياكل الأخبية كان للاستدلال على أن هذه الأسرة لم تكن من الطبقة الأرستقراطية ، وإنما نشأت من الطبقة الشعبية . وليس هذا فحسب ، بل يحكى عن رواية تنبئ بظهور عظماء الرجال من نسل صانع هياكل الأخبية . ومما لاريب فيه أن أبناء هذا الخيام ما ارتقوا إلى رتبة قيادة الجيش إلا بالشجاعة والكفاءة . وقد ذكر ابن فضلان أن أترك بن القطفان مشهور فى الغز بالرماية والفروسية ، وله أسرة مؤلفة من عدد كبير من الأقارب وأبناء العم . وقد روى فى (( أو غوزنامة )) بأن الحاكم عين أبناء الخيام فى منصب أمير الصيد ( أمير شكار ) مكافأة لما أظهروا من الشجاعة والبطولة . وواضح أن الأسماء التى اشتهر بها أبناء سلجوق مثل (( طغرل بك )) و (( جنرى بك )) و (( جارلى بك )) ليست أعلاما ، بل هى ألقاب لمنصب (( أمير الصيد )) . وقد استعملت هذه الألقاب عند الخزر كما استعملت عند الأتراك الخاقانيين .
وحافظ أبناء هذا الخيام على نظام الإدارة الغزية القديمة بوجه عام ، حتى بعد انفصالهم عن غز الخزر ، فنصبوا أحدهم نائب الخان والآخر إبنالا ، وعينوا غيرهما فى سائر المناصب . وكانت مدينة (( بنى كند )) التى على مصب سيحون العاصمة الشتوية لنائب الغز . ونظرا إلى رواية ابن حوقل كان بعض المسلمين يقيمون بمدينتى (( جند )) و (( خوارة )) القريبتين من (( بنى كند )) تابعين لنائب الغز . فلما قدم سلجوق وأبناؤه واستولوا على تلك المدن الثلاث انتقلت إليهم الأقسام الشرقية من بلاد نائب الغز ، فادعى نائبهم بأنه نائب الغز جميعا . وكان من المحتم أن يكون كل نائب تابعا لخان . فيبدو أن سلجوق وأبناءه بعد ما انفصلوا عن الخزر وخاقانهم ونصبوا أحدهم نائبا فى مدينة ((جند)) عدوا أنفسهم تابعين للخاقانيين . إلا أن تبعيتهم هذه لم تكن دائمة ، لأنهم نصروا السامانيين حينما قام نزاع بين الخاقانيين وبين السامانيين .
ولم يستتب الإسلام لأبناء سلجوق فى البداية ، بالرغم من التجائهم إلى بلاد الأتراك المسلمين والسامانيين . فقد ذكر أن (( بسفوهم )) أسلم فى عام ٣٩٤ ه ( ١٠٠٣ م ) أثناء مناصرتهم السامانيين ، وذلك البيسفو هو آرسلان بن سلجوق . لقد وجد من أبناء الخيام من يعتنق الإسلام منذ قدوم البعثة العربية عام ٣١٠ ه ، ولكنه ما صار دين الغز العام إلا فى عهد طغرل بك محمد حفيد سلجوق ، بعد عهد اهتداء تدريجى دام مائة عام .

