الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 252الرجوع إلى "الثقافة"

أصل النقود، وأول من ضربها

Share

يقول المثل اليونانى القديم (( مشى الثور على لسانه )) . يضرب اليونان هذا المثل عند ما يظهر تأثير الرشوة على الخطباء ، أى أن الذهب أسكته لاشك فى أن هذا المثل هو خير دليل على أصل النقد عند القدماء قبل استعمال المعادن وتطورها إلى النقد الحالى . فقد كانت أداة التعامل عندهم هى الماشية ، ولما أن اتسعت التجارة بينهم ، فكروا فى حل يسهل التبادل ، فاتخذوا المعادن أداة للتبادل لما انفردت به من ميزات الثقل والصلابة . وقد كانت هذه الفكرة نواة لحضارتنا العظيمة الآن .

ظل استعمال المعادن قرونا عديدة سلعة كغيرها من السلع على هيئة سبائك بأشكال مختلفة كحلى وأدوات أخرى ، وكانت توزن عند كل عملية مقايضة ؛ وظل الوزن هو الضابط الوحيد لتحديد قيمة المعدن فى المقايضة بغيره من السلع . ولكن تطور الحضارة واتساع التجارة أدى إلى تطور هذه الطريقة البطيئة حتى تناسب حركة التجارة المتزايدة . فكر القدماء بدلا من وزن السبائك باستمرار فى كل مرة فى إيجاد قطع معدنية ذات شكل منتظم لها وزن محدد دقيق ، ثم وقف التقدم عند هذا الحد . وبالرغم من تحديد وزن السبائك المعدنية الدقيق لم يعرف القدماء تلك الفكرة التى تبدو لنا بسيطة سهلة ، وهى طبع هذه القطع ذات الوزن المحدد بختم الدولة القائمة ، الذى يجعل لها قوة قانونية تحتم قبولها فى التبادل بقيمتها الأسمية فى كل مكان .

تعمد القدماء عند تحديد وزن القطع المعدنية أن يجعلوها ذات قيم صغيرة لتسد حاجة التبادل اليومى ، وكانت الصفقات الكبيرة يدفع ثمنها إما بعدد كبير من هذه القطع الصغيرة القيمة من ثلاثة معادن : الذهب والفضة والنحاس ، أو بسبائك من هذه المعادن على هيئة قضبان ثقيلة الوزن توزن بالمين ، والثالث (هى وحدة الموازين الكبيرة - الثالث = ٦٠ مينا) .

كان اختراع النقود كاختراع الحروف الأبجدية نقطة تحول فى تاريخ المدنية ، فقد وضع أسس الحضارة العظيمة الموجودة الآن . وقد قال عنه أرسطو : (( لقد تخلصنا به نهائيا من مضايقات الوزن المستمر )) . كان أساس هذا الاختراع العظيم الذى نقل هذه القطع أو السبائك المعدنية من دورها البسيط البدائى إلى تطورها النهائى بشكل نقود حقيقية ، هو وضع الختم الرسمى للدولة على هذه القطع المعدنية الموزونة بدقة . وعلى هذا وثق الناس بهذه القطع من حيث الوزن ونقاء المعدن ؛ وقد صارت بذلك القطعة المعدنية صكا مضمونا ، وهذا هو أساس كل نقد حتى أحسن أنواع النقود الذى تطابق قيمته الاسمية القيمة المعدنية تماما . كان الختم ضمانا بين يدى الناس لهذه القطع المتبادلة بينهم ، فقبلوا التقابل بها بدون مراجعة الوزن أو نوع المعدن . وبالنسبة لما نشأ عن هذا من سهولة التبادل التجارى ، فقد كان للحكومة الحق فى أن تفرض للنقود قوة التعامل ، وأن ترغم الناس فى كل مكان تحت سلطتها على قبولها بشتى الوسائل على شرط أن تكون عملة جيدة . ومهما كانت قوة القانون الذى يفرض التعامل بالنقود ، فهى لا تمنع تدهور العملة الرديئة التى لها قيمة اسمية أكبر بكثير من قيمتها الحقيقية ، وهذا أمر طبيعى .

كان اختراع العملة متأخرا ، فلم يتحقق إلا فى آخر القرن الثامن وأوائل السابع ق . م . وكل المصادر التاريخية والأثرية تنسب شرف هذا الاختراع إلى الليديين واليونانيين ، ثم انتشر عنهما إلى الأمم الأخرى مع انتشار الحضارة اليونانية . وتدل النقوش والمصادر على وجود القطع المعدنية ذات الوزن المحدد من أقدم العصور ، ولكن لم نر أثرا للنقود قبل هذا التاريخ .

كانت أول عملة عند القدماء سبيكة بسيطة تحمل نقشا بمثابة ختم رسمى . ولابد أن نشير إلى أنه وجدت قبل ذلك بعض قطع تحمل أختاما خاصة شخصية كضمان لقيمة المعدن ، منها واحدة عليها غزال كتب حوله باليونانية (( أنا علامة فانوس )) ؛ وطبعا كانت بعض الشخصيات الفنية ذات السمعة الطيبة تختم القطع الخاصة بها ، فيكون

ذلك بمثابة ضمان لنقاء المعدن . ونحن نجد مثل هذه الحالة فى الصين الآن مما يعطينا فكرة واضحة عن هذه الأختام الشخصية . تبين الناس أهمية هذا الختم الرسمى . ولما شاع استعمال النقود تناوله الفنانون المكلفون بضرب العملة بالتحسين ، فاتسع حتى ملأ وجهى القطعة . وكان لكل بلد رمز خاص به ، وكان فى أول الأمر محفورا فى القطعة ، ثم صار بارزا على سطحها ، وارتقى فنيا حتى صار موضع تنافس الفنانين البارزين فى ذلك الوقت . وقد كان الأسيويون يحفرون الرمز على الحجر ، ثم يصبون العملة عليه فيظهر على القطعة رمزا بارزا ، وقد قلدهم اليونان ثم تناولوه بالتحسين حتى وصل إلى درجة رائعة من الفن ، وهكذا كانت الضرورة الاقتصادية سببا فى النهضة الفنية .

جمع بولكس Pollux وهو مؤرخ ثقة عندما تكلم عن أول من ضرب العملة عن المؤرخين القدماء الذين سبقوه أقوالا متناقضة جعلت المؤرخين فى حيرة فيمن هو أول من ضرب النقود ، هل هو فيدون Phidon ملك أرجوس اليونانى أم الليديون . هناك نظريتان لهما ما يؤيدهما تاريخيا : النظرية اليونانية وهى أن فيدون أول من ضرب العملة من الفضة فى اليونان الأوربية على شكل سلحفاة بحرية ، ويؤخذ ذلك أنه وهب معبد هيرنيون Hernion بعض السبائك بدون أختام من الفضة على شكل مسلات Obeliskoi كانت مستعملة قبله فى اليونان ، وقد وهبها الملك لذكرى اختراعه العملة ؛ والنظرية الأسيوية ، وهى أن الليدين هم أول من ضربوا النقود من الذهب ، ويؤيد ذلك المؤرخ هردوت إذ يقول : (( الليديون على حد معرفتنا هم الأول بين الرجال الذين ضربوا العملة من الذهب والفضة )) ، وأيده المؤرخ اجزنوفان واقتبس عنه بولكس.

يمكن أن تسلم بهاتين النظريتين ، فأول من ضرب الذهب (إلكتروم electrum ، وهو خليط من الذهب والفضة طبيعى) هم الليديون ، وأول من ضرب الفضة فى اليونان هو فيدون ، ولكن أيهما أسبق ؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال . فإذا عرفنا أن العملة فى ليديا ضربت بعد انتهاء دولة مرمتاو أى فى عهد جيجة Gyges ،

وأن تاريخ حكم فيدون ملك أرجوس لا يعرف هل هو قبل أو بعد حكم جيجة ، كان لا بد من الاستشهاد بالآثار نفسها .

وإذا درسنا أقدم القطع فى المجموعتين الليدية واليونانية ، وهما بالتأكيد أقدم ما ظهر من العملة وينتميان إلى النصف الأول من القرن السابع ق . م ، وجدنا أن مظاهر الخشونة وعدم الإتقان تبدو بوضوح على القطع اليونانية الفضية ، وهى مستطيلة الشكل على هيئة سلحفاة بحرية ؛ بينما النقود الذهبية الليدية مستديرة الشكل ، وعلى ظهرها ثلاثة نقوش محفورة بنظام ، وفى إحداها صورة ابن آوى ، وهو رمز إله الليديين بساريوس Bassarius ، وليس على وجهها إلا بعض خطوط أدق نسبيا وأرقى ما تم من الوجهة الفنية . وليس ذلك دليلا على أن العملة اليونانية أقدم من الأخرى ، إذ يرجع السبب إلى تقدم الليدين ، لأن الحضارة وارتفاع الفن فى آسيا الصغرى سبقا بمراحل الحضارة اليونانية فى أوربا فى ذلك الوقت . والواقع أن العملة الليدية تمثل الانتقال بين التبادل بالقطع المعدنية ذات الوزن المحدود بدون ختم رسمى ، وبين النقود الحقيقية ، فهى سبائك عليها ختم الدولة الرسمى ، فاكتسبت بذلك ضمانا قانونيا لوزنها ونوع معدنها ؛ فهى من الوجهة الاقتصادية تعتبر نقودا لها خصائص النقود الأساسية ؛ وأما من جهة فن الضرب فتعتبر ناقصة ، لأن اختراع قوالب العملة الذى يطبع وجه العملة بالشكل البارز الذى يقابل الشكل المحفور على الظهر هو آخر ما وصل إليه تطور فن ضرب النقود ، وظل موضع تحسين إلى عصرنا هذا . إذن فكل عملية تمثل هذا التطور مهما بلغت من الخشونة وعدم الإتقان فى مظهرها تعتبر متأخرة بحكم انتمائها إلى عصر فنى أحدث فى تاريخ ضرب العملة . هذه هى الحالة التى تنطبق على القطع اليونانية التى ضربها فيدون بالرغم من مظاهر الخشونة البادية عليها ؛ فالنقش المحفور على ظهرها يقابله نفش بارز فى عهد جيجة Gyges . فالليديون هم إذن كما أخبرنا بذلك هردوت أول من ضربوا العملة ، ونقلها عنهم اليونان .

اشترك في نشرتنا البريدية