الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 413الرجوع إلى "الثقافة"

أصل كلمتى مسلم وحنيف

Share

١ - أطلق اسم " الإسلام " على دين خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم ، كما أطلق على أتباعه اسم " المسلمين " وجاءت نصوص القرآن الكريم في ذلك صريحة في مثل قوله تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا " وقوله : فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " ووصف الله تعالى الإسلام في غير موضع بأنه الدين " الحنيف " كما وصف المسلمين بالحنفاء ، بل استعمل " الحنفاء " مرادفة لكلمة المسلمين في مثل قوله : " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء " وقرن الدين الحنيف بملة ابراهيم عليه السلام في أكثر المواضع ، ووصف إبراهيم بأنه مسلم وحنيف معا .

والأصل فى معنى الإسلام الاستسلام ، فأصبح معناها الدينى الانقياد لله في الأمر والنهى وحصول السلام والأمن والطمأنينة في القلب باعتناق التوحيد . أما " الحنيف " فمن كلمات الأضداد : أصل معناها الاستقامة والاعوجاج في الرجل ، ثم استعملت اصطلاحا للدلالة على الرجل الصحيح الميل إلي الإسلام ، أو علي من حج ، أو كان على دين إبراهيم ، أو اعتزل عبادة الأوثان ، كما يقول صاحب القاموس . فان كان بين كلمتى مسلم وحنيف جامع ، فهو التوحيد " الذي هو لب العقيدة الإسلامية وجوهر دين إبراهيم.

ولم يستعمل القرآن كلمة " مسلم " وحدها ، بل استعمل صيغ الفعل الماضى والمضارع والأمر منها . فإن قلنا باشتقاقها كان أصلها الفعل " أسلم " ، أو ثلاثيه " سلم " . أما كلمة حنيف " فلم يرد في القرآن فعل لها ، ولا كلمة أخرى

مشتقة من أصلها ، ولكن ورد ذلك في كلام العرب فى قول عامر بن الحارث النميرى .

وأدركن أعجازا من الليل بعد ما

أقام الصلاة العابد المتحنف

فالكلمتان مسلم وحنيف - على ما يبدو لنا مشتقان لا جامدتان ، وشاهدنا اللغة والقرآن . ثم هما فوق ذلك تشيران إلى معني مستقر ثابت في طبيعة الإسلام وما يماثله من الآديان التي تقول بالتوحيد كدين إبراهيم

٢ - لم يقتنع الأستاذ مارغوليوث المستشرق الإنجلزي المعروف بذلك ، بل تصدي للبحث في أصل هاتين الكلمتين من الناحية التاريخية في مقال نشره منذ أربعين سنة بمجلة الجمعية الآسيوية الملكية ، فأخطاءه التوفيق كما أخطأه في كثير مما كتبه عن الإسلام والمسلمين ، وأثار مقاله هذا حفيظة العلماء ، حتى انبري للرد عليه مستشرق آخر من بني جلدته هو العلامة " تشارلز لابل فهدم نظريته من أساسها في مقال نشره في نفس المجلة .

وسأذكر هنا خلاصة لفكرة مارغوليوث ولملاحظاتي وملاحظات " لابل " عليها إحقاقا للحق وإنصافا للاسلام والتاريخ

يري مارغوليوث أن كلمتى مسلم وحنيف ، وجدتا قبل الإسلام ، واستعملتا استعمالا دينيا بمعني " موحد " لأن نوعا من التوحيد الديني ظهر قبل البعثة المحمدية بنحو عشرين سنة ، ودعا إليه مسيلمة (المعروف بالكذاب ) فسمى اتباع مسيلمة هذا بالمسلمين نسبة إلى اسمه ، كما عرفوا بالحنفاء نسبة إلى قبيلته حنيفة . فلما بعث محمد عليه السلام استعمل الكلمتين ، ولم يكن على علم - على الأقل في أول الأمر - بأصلهما ، ثم بدا له بعد ذلك أن يشير إلى أنهما استعملتا منذ عهد إبراهيم . هذه هي الدعوي التي ادعاها مارغوليوث وبذل في تأييدها كل ما أوتي من صبر وحيلة في البحث ، وكل ما أوتي من عبقرية أيضا . ولكنها دعوي فاشلة كما سنري .

٣ - تقتضي هذه النظرية على حد قول " لا بل " أن تعاليم مسيلمة " قد ظهرت وانتشرت قبل البعثة المحمدية انتشارا ذائعا ، فتجاوزت موطنها الأصلي وهو " اليمامة " إلى الحجاز وتهامة ، وتركت في هذه البلاد لفظتي مسلم وحنيف مع أنها لم تترك عن أصلهما أي أثر يعلق بذا كرة أهل هذه البلاد .

نعم ظهر قبيل الإسلام في بلاد العرب طائفة من الناس يعرفون بالحنفاء ، يتركوا عبادة الاوثان ودانوا بعقيدة التوحيد ، وترهين بعضهم واصطنع الزهد ومجاهدة النفس وليس الصوف ، وعف عن بعض الطعام كالدم والميتة ، ومن هؤلاء ورقة بن نوفل القرشي ، وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث القرشي ، وزيد بن عمرو بن نفيل القرشي . وبعض هؤلاء يمت بصلة النسب إلى الرسول يذكر هؤلاء الأربعة ابن اسحاق ، ويذكر ابن قتيبة في كتاب " المعارف " آخرين غيرهم مثل أمية بن أبي الصلت ، وقس بن ساعدة ، وخالد بن سنان العبسي

وربما كان الفضل في ظهور هؤلاء الحنفاء ، وإيقاظ نزعة التوحيد فى قلوبهم والعزوف عن عبادة الاوثان راجعا إلي انتشار الرهبنة المسيحية بالجزيرة العربية ، حيث كان الرهبان موضع إجلال عرب الجاهلية واحترامهم كما يسجل ذلك شعراؤهم والمعروف أن بعض هؤلاء الحنفاء اعتنق النصرانية قبل موته مثل ورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث ، وان آخرين ثبتوا على دين الحنفية ولم يرضو بديلا مثل أمية بن أبي الصلت الذي أثر عنه قوله :

كل دين يوم القيامة عند الله إلا دين الحنيفة زور

فهؤلا ، الحنفاء الذين كان بعضهم بالحجاز وبعضهم بالطائف وغريب الحزيرة لم تثبت لهم آية صلة تاريخية بمسيلمة أو ببني حنيفة قبيلته ، ولابدين مسيلمة . بل إن المؤرخين لم يذكروا مسيلمة على أنه واحد منهم . وقد كانوا كما قلنا - بعيدين عن اليمامة حيث ظهرت الكلمتان ، كما يقول مارغوليوث . ومن المعروف ان كلمة " حنيف " لم تستعمل

في غير الحجاز وما جاوره قبل الإسلام إلا في حالة واحدة وردت في قصة موت بسطام بن قيس أحد رؤساء شبيان ( الكامل للمبرد طبعة رايت ص ١٣٠-٣١ ) . فقد كان بسطام هذا نصرانيا أغار هو وأخوه على بني ضية . وبينما كان يسوق الإبل التي غنمها ، تبعه عاصم بن خليقة الضبي وطعنه برمحه فوقع من فوق فرسه . فلما أقبل اخوه لنجدته صاح به بسطام قائلا : " أنا حنيف إن رجعت " يهدده بأنه يرتد إلى الوثنية لو أنه رجع لنجدته . فإذا فسرنا الكلمة بهذا المعنى كانت مرادفة لكلمة " حنايا " الآرامية . وتروي القصة ايضا في نقائض جرير والفرزدق ، وفي العقد الفريد . وسواءا كان القرار بكلمة حنيف في القصة " وثنيا كما يقول " ثولدكله " أو " مسلما " كما هو الظاهر من عبارة المبرد ، فإن من غير المحتمل أن بكريا كبسطام وجارا لبني حنيفة يستعمل الكلمة بمعنى مسيلمي - أي تابع لمسيلمة في عقيدته .

- ويري " لا بل " أنه لامبرر لإنكار وجود الحنفاء وجودا تاريخيا ، ولا للقول بأننا لا نعلم عقيدتهم على حقيقتها ؛ فقد بقى لنا من شعر أمية بن أبي الصلت ومن تاريخه ما لا يدع مجالا للشك في أمره وليس من العقول أن يخترع المسلمون أقوالا تتفق مع روح الإسلام وتعاليمه ، ثم ينسبوها إلى رجل كان يطمع في النبوة ويناهض نبيهم أضف إلي ذلك أنه لم يرد في شعر الأعشي ذكر لمسيلمة ، مع أن الأعشي من قيس بن ثعلبة ، وهي من بكر ، وبلده " المنفوخة " باليمامة ، ولبست بعيدة عن موطن مسيلمة والأعشي كما نعلم من أكبر أذكياء زمانه وممن لهم عناية خاصة بمسائل الأديان ، بدل على ذلك القصيدة التى كتبها في النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعد غزوة الحديبية ، وذكر فيها استعداده لاعتناق الإسلام . كما انه من الصعب الاعتقاد بأن مسيلة كان الكاشف عن دين إبراهيم عليه السلام ، أو الناشر لحركة دينية جديدة ظهرت بصورة دين الحنفاء ،

لان المسيحية كانت ببلاد العرب قبل مسيلة بنحو قرنين من الزمان .

ففي كل ما تقدم دليل كافي في هدم النظرية القائلة بأن مسيلمة قبل ادعائه النبوة - وكان ذلك في السنة الأخيرة من حياة الرسول - كانت رسخت تعاليمه وذاعت في بلاد اليمامة وخارجها ، وأنه عن هذا الطريق انتشرت كلمتا " مسلم و " حنيف " واصبحتا علمين على اتباع هذا الرجل ، ثم على اتباع نبي الإسلام فيما بعد.

وكل ما يحدثنا به التاريخ الصحيح عن مسيلمة هو أنه كان أحد نفر ادعوا النبوة قبل وفاة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بسنة وبعد وفاته ، منهم الأسود العنسى باليمن ، ومسيلمة باليمامة، وطليحة وسجاح وان الأسود ومسيلمة كانا من المشعوذين الذين كتبوا السجع على طريقة الكهان .

والنتيجة التي وصل إليها " لا بل " في كلمة " حنيف " أن أصلها غير معروف شأن كثير من الألفاظ الواردة في القرآن وفي الشعر القديم . نعم يعرف معناها الديني على وجه التقريب ، ولكنا لا نعرف أصلها على وجه اليقين . وهو أميل إلي الأخذ برأي " شبر مجر " الذي يري أنها تتصل بكلمة " حانيف" العبرية - ومعناها الزنديق . فهي إحدي الحالات الكثيرة التي يتفق فيها لفظان عربى وعبري في الأصل ويختلفان تمام الاختلاف في المعنى .

أما كلة " مسلم فلها شأن آخر كما ذكرنا ، لأن أصلها موجود ، ومحتفظ بمعناه ، ولا تحيز قواعد اللغة إطلاقا اشتقاقها من اسم علم كسيلمة . نعم قد نستعمل " أسلم " بمعنى أطلق كما في قول زهير :

فشج بها الأماعز فهي تهوي

هوي الدلو أسلمها الرشاء

أو بمعنى إسلام فلان للهلاك كما في قول زهير ايضا :

كرام فلا ذو الوتر يدرك وتره

لديهم ولا الجاني عليهم بمسلم

أما أسلم ومشتقاتها الواردة في القرآن فمحتفظة بمعناها الديني ، بدليل اقترانها دائمما بكلمة :لله أو إلى الله ، وهو معنى جديد اعطاء الإسلام للكلمة ، لأنه لم يكن لها هذا المعنى قبله : أعني الخضوع لله والانقياد لأوامره والسلام مع المسلمين . وقد كان لهذه الفكرة الجديدة أثر بالغ ليس في تطور الإسلام بعد موت النبي فحسب ، بل وفي أثناء دعوته أيضا ، فإن في هذا المعني سر نجاح الإسلام وانتصاره .

يقول " لابل " في ختام رده على مارغوليوث : " إن نسبة هذا المعنى العالي ( لكلمة مسلم ) الذي يمكن معرفته بالرجوع إلى المصادر الدينية العادية ، إلى خطأ في تسمية مذهب أسسته شخصية غامضة كشخصية مسيلمة في الجانب الآخر من الجزيرة العربية ، لمثال شاذ من أمثلة التخمين العلمي البالغ فيه " .

اشترك في نشرتنا البريدية