الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 48الرجوع إلى "الثقافة"

" أعداء ألداء . . . "

Share

كنا مسافرين معا ، ولم يكن معي سوى حصان واحد ، حصان كريم ؛ أنا أعرف أنه كريم ، لأني وقعت من فوق ظهره عدة مرات ، وأنا في الغاب لا أقع إلا من فوق ظهور الخيل الكريمة . سار جوادي مسرعا مزهوا بنفسه ، رافعا رأسه عاليا في السماء ، وركب رفيقى في هدوء وسلام فوق فرسه البيضاء ، وكانت تتبعها عدة خيول من خيول الحمل ، ولكنها لم تكن تحمل شيئا .

كان رجلا قوي البنية ، طويل القامة ، عريض المنكبين ، لونه شاحب قليلا ، إلا أن مندامه الوطني _ بأزراره الزاهية المتعددة التي كانت محلي صديريته ومندبله الحريري اللماح الذي لفه حول رأسه ولدات أطرافه فوق أكتافه وصدره - كان جميلا جذابا ، حتى إنني لم أستطع أن أحول نظري عنه ولم أشأ أن أتكلم خشية أن أفسد اللذة التي كنت أنعم بها وأنا أتأمله في صمت .

كان اسمه "دو كومرو فتش" وكنت قد سمعت عنه أغرب الحكابات وأعجبها ، وكان الناس يسمونه الرجل الشجاع الحذر ، فقد قطع الطريق ، وألقي الرعب مدة طويلة في منطقة عظيمة من مقاطعة الهرسك ، ولعل هذا السبب الذي من أجله اجتمعت به كل الاهتمام .

سألته بعد صمت طويل ، محاولا أن أستدرجه في الحديث :

- لم تأخذ كل هذه الخيل معك وليس معك شئ تحمله ؟

- لقد أفرغت أحمالي في المدينة ، وأنا عائد منها الآن .

وماذا كنت تحمل ؟ - متنوعات . . .خبز ، بطاطس ، كرنب . - ولن ؟ ؟ . . . - لأولاد المرحوم على موباجتش فوقفت مدهوشا ناظرا إليه ؛ فعلى موباجتش كان فارسا تركيا ، وكان فوق ذلك عدو المروفتش اللدود .

ماذا ؟ هل استأجرت منهم مزرعة ؟ ! - لا ، ولكني مدين لهم ، مدين لهم بدين كبير . ثم سكت وأحني رأسه ، وضرب جواده بكفه على رقبته ، رغم أن الجواد كان يركض مسرعا ، فرفع الجواد رجليه الأماميتين وانحرف قليلا ، فضربه مرة ثانية اعتدل بعدها في سيره .

ولما رأيت ذلك لم أشأ أن ألحف عليه في السؤال ، وأرخيت العنان لجواري وانطلقت أدندن بنغم منخفض ؛ لا أذكر الآن الأغنية التي كنت أرددها ، ولكن الظاهر أنها استهوته ، فقد اقترب بجواده مني وأخذ يصغي بانتباه ؛

- غن بصوت أعلى . فرفعت صوتي ، وجذب منديله الذي لفه حول رأسه إلي أسفل رقبته ، وصاحب غنائي بهزات من رأسه .

وأخيرا سكت . - استمر ؛ _ ذلك كل ما أعرفه من الأغنية ! فتحول عنى في شيء من الضيق ، وجذب عنان جواده ، واتجة نحو الطريق الذي يؤدي إلي الغابة . فقلت له :

- إلي أين ؟ ؟ - إلي الغابة ، تعال نسترح قليلا . فتبعته ، وعند وصولنا إلى الغابة ترجلنا وتركنا خيولنا ترعي ، وجلسنا تحت ظل شجرة بلوط ضخمة ، ثم أخرجنا أكياس التبغ وحشونا غلا بيننا ، وجلسنا ندخن في هدوء ،

ونحن ننصت إلي صوت مضغ الخيل ، وإلى نقر طائر بعيد . .

وأخيرا قطعت حبل السكون وسألته مبتدئا الحديث : - متي أصبحت مدينا لعلي ؟ فقطب ديوكو وجهه ، وأجاب وهو يلوح بيده : - من زمن بعيد . - وهل انتهيت من قضاء دينك ؟ . - كلا كلا . سيحتاج الأمر إلي وقت طويل قبل أن أتمكن من قضائه .

وقال وتطلع لحظة إلي الدخان الذي أخذ بنفثه من غليونه : - إنها قصة طويلة ، ولكي سأقصها عليك بالرغم من أنني لا أرتاح لذلك .

" دفعتني فظائع الترك لأن أكون قاطع طريق . كنت قد سئمت حياة الخنوع والخضوع للترك ، محروما من حقى كإنسان . تعبت من الانحناء لكل واحد ، ومن ازدراء الترك لنا ، فحملت بندقيتي وذهبت مع ستة من الرفقاء إلي التلال المغطاة بالأحراج ، وهنا أخذنا نتربص للترك وننقض عليهم ، فلم يكن يمضي يوم دون مناوشة ما ، وكنا دائما نفلت من المعركة بشيء ، وانتهي الأمر بنا إلي ملاقاة الموياجتش وتصفية حسابنا معهم ، فهاجمناهم في دورهم وقتلنا ثلاثة من الهم ، إلا أن عليا أفلح في الفرار ولم نستطع العثور عليه ، رغم بحثنا الطويل عنه ، وسلبنا البيت وعدنا إلى غارنا محملين بالأسلاب والغنائم الثمينة كبيرة العدد والعدة .

" ولكنا دفعنا الثمن غاليا . فقد جمع علي قوة تفوقنا أخذت تطاردنا فوق التلال والوديان إلى أن حصرتنا في قلب أرض جرداء موحشة ، لم يأو إليها حتى ماغز الجبل ، فحصنا أنفسنا ، وعولنا على المقاتلة إلي النهاية ، وأحدق بنا علي وأتباعه ، وسدوا علينا المسالك ، ومرت بنا فترة من أشد الأوقات وأقساها ، ذقنا فيها قسوة الجوع والحاجة ؛ فقد نضب معيتنا من الماء والخبز ، ولم يجبر أحد على التسلل من نطاق الحصر بغية الحصول على شيء ، وأخذ الجوع والظمأ يفتكان بنا .

" وكان الرفاق يتحركون عابسين مقطبين ، ولكن أحدا منهم لم يتبرم ، أو يندب الحظ ويشكو ؛ ورأيت أخيرا أن هذه الحالة لا يصح أن تستقر ، فقلت لزملائي : أيها الاخوان ، ألا ترون مع أن بقاءنا على هذه الحال لا يليق بنا ، وأن الواجب أن ننقض على العدو فنشأر لأنفسنا ، ونموت موت الرجال بدلا من أن نهلك هنا جوعا ؟ إذا لم يكن من الموت يد ، فلم لا نموت مقاتلين بدل أن نحمل معنا إلي الأبدية الرغبة في الدم التركي والظمأ إليه ؟

" أدركوا جميعا أنني على حق ، ولم يكن أمامهم منفذ آخر ، فوافقوا على اقتراحي .

" وكنت أولهم في الوثب علي العدو ، وسيفي ذو الحدين في يدي ، وتبعني الاخرون . قابلنا الترك على الفور بإطلاق النار ، ورأيت اثنين من أصدقائي يخران صريعين . ولم يكن أمامي فرصة أخرى ، فانقضضت على العدو ، وحذا الباقون حذوي . كانت عيناي حمراوين كالدم فلم أتبين شيئا ، واندفعت إلي الإمام ملوحا بسيفي في الهواء ، وما أحس إلا بضربة هائلة من الوراء تفقدني الشعور .

" ولما عاودني الشعور ألقيت نفسي في بيت موباجتش راقدا علي فراش وحولي أتراك عديدون ، وفي وسطهم على موباجتش ، ولما فتحت عيني انحلي علي فوقي وتناول يدي ، وقال لي :

- كيف حالك ؟ . " هممت بالنهوض ، ولكنى شعرت بالألم كما لو كانت أصابتني ضربة ثانية ، ومرة ثانية فقدت شعوري . . .

" قضيت شهرا كاملا كنت فيه على شفا الموت ، وعلى لم يفارقني لحظة واحدة . كان برعاني ويتعهدني بعنايته اكثر من رعاية الأب لابنه ، فكان بغير ضماداتي بيديه ، ويناولني الشراب ، ويطعمني كالطفل ، وكان يشجعني على الأكل عند ما كنت لا أجد الشهية له ، بل كان يأخذ راسي فوق ركبتيه أحيانا وبحشو في باللحم والبيض

وأخيرا بدأت أتماثل للشفاء وأستردقوا اي ، وما كدت

احس القدرة على الوقوف حتى نهضت واخذت اتمشي في الغرفة مستندا إلى الجدار . وكان على كثيرا ما يضع ذراعي في ذراعه ، ويأخذني إلي فناء الدار ، وهناك كنت استريح تحت ظل أشجار التوت .

" وأخذت قوتي ترداد يوما بعد يوم ، ولحظت عليا يشرق وجهه ببريق عجيب ، وقال لي مرة وهو يبتسم

- هل تعتقد أنك تستطيع الوثوب ؟ فقلت : - لا أظنني أستطيع . ما زلت ضعيفا جدا . " فقتل شاربه وقال ضاحكا : - قريبا . . قريبا جدا سيكون في مقدورك ذلك . " وبعد أيام قليلة أعاد علي نفس السؤال فأجبته : - سأجرب . " فتنحي جانبا ، وتأهيت للوثب والجري . كانت الوثبة عالية جريئة ، فتنحي على مبتهجا وقال :

- معنى هذا أنك الآن في تمام الصحة . " وتركني في فناء الدار ثم دخل البيت فتتبعته بنظري وأنا في أشد حالات الحيرة ، وبعد لحظة عاد وفي بدء بندقيتان محشوتان . وكان وجهه شاحبا شحوب الموت ، وتألقت عيناء ببريق وحشي كعيني قطة مفترسة جائعة . فقال لي وهو واقف أمامي :

- الآن قد شفيتك وأوقفتك على قدميك . والآن وانت في قوتك كل كنت قبل أن نصاب تستطيع أن تدفع لي الدين الذي تدين به . ودينك لي كبير : ثلاثة رؤوس بأسرها ، لأنك قتلت أخوي .

" وبدأت عيناء تتألقان ببريق مخيف ، وبدا فكه الأسفل يرتعش ثم قال :

- كنت أستطيع أن افتك وأنت ملقي أمامي جريحا ، ولكني لم أشأ أن أفعل ذلك . أردت أن أشفيك ثم أقتلك بعد ذلك ، فعلى موياجتش لم يفتك طول حياته بعدو عاجز ، ولا يريد أن يستثنيك من هذا المبدأ .

" وقدم لي إحدي البندقيتين وقال :

- هاك يندفية ؛ وهي قوية متينة كبندقيتي ومحشوة مثلها ، فلنذهب إلى الغاية ولنجرب قوة أسلحتنا .

" لم أجد كلمة أقولها ، ومشيت وراءه حزينا مطأطي الرأي ، ووصلنا الغاية ، وقال :

- قف حيث أنت ، وسأقف هنا ، وعند ما يواجه بعضنا بعضا ، نطلق النار في وقت واحد ، هنا في الحال .

" كنت إذ ذاك قد استعدت حواسي ، فألقيت ببندقيتي وتنحيت جانبا وقلت :

- هل أرفع يدي عليك ؟ هل تحسب أن تصل بي الخسة إلى أن أطلق النار عليك ؟ لن افعل ذلك مهما يكن من أمر!

" فقال وعلى فمه ابتسامة ازدراء : - لابد أن تفعل ! سأرغمك ! لا استطيع أن أؤجل البارزة ، ولا أريد أن أطلق النار علي رجل أعزل . خذ البندقية ؛ أنا لا أمزح .

" فلم أتحرك . فصاح : - خذ البندقية أقول ! وإلا عددتك جبانا ! " فانحنيت والتقطت البندقية . - التفت هنا . " فالتفت . - صوب البندقية نحوي! " صوب بندقيته نحوي ، وصوبت بندقيتي نحوه . وأطلق النار ، وتردد دوي الطلق في ارجاء الغاية .

لا اذكر ان كنت قد شددت الزناء ام لا ولكني  حين نظرت إليه رابته بترمح ويسقط ، فصرخت فزعا آلما ، وهرعت إلى جانبه ، ولكنه كان قد اسلم الروح . .

" ومنذ ذلك اليوم وأنا أعطى أولاده كل سنة أحمالا من البطاطس والكرنب والقمح ، وعددا من الاغنام والابقار " . وفرغ ديوكو من قصته ، وجلس مطاطئ الراس وهو يناضل في مصارعة الدموع التي كانت تسيل فوق خديه . (انتهيت)

اشترك في نشرتنا البريدية