أورد الأستاذ الأديب عبد القادر رشيد الناصرى فى مقاله الطريف (الدخان فى الشعر) هذه الكلمة الموروثة (أعذب الشعر أكذبه) مستدلا بها على كذب المرحوم الشاعر معروف الرصافى حين يذم الخمر، وهو الذى كان لا تفارق الكأس شفتيه وكان كما قال أستاذنا الكبير الزيات: همه من الحياة شرب العرق ولعب الورق واستباحة الجمال) !
وإيراد تلك الكلمة الموروثة على هذا الوجه فى ذلك المقام تحريف لها عن معناها الأدبى الرفيع ! ولقد أعجبني تحليل أستاذ العربية المرحوم مصطفى صادق الرافعى لها؛ إذ جاء فى كتابه القيم وحى القلم جـ٣ ما نصه:
(ولعلماء الأدب العربى كلمة ما أراهم فهموها على حقها، ولا نفذوا إلى سرها! قالوا: أعذب الشعر أكذبه؛ يعنون أن قوام الشعر المبالغة والخيال، ولا ينفذون إلى ما وراء ذلك؛ وما وراء إلا الحقيقة رائعة بصدقها وجلالها! وفلسفة ذلك أن الطبيعة كلها كذب على الحواس الإنسانية؛ وأن أبصارنا وأسماعنا وحواسنا هى عمل شعرى فى الحقيقة، إذ تنقل الشئ على غير ما هو فى نفسه، ليكون شيئا فى نفوسنا؛ فيؤثر فيها أثره جمالا وقبحا وما بينهما !
وما هى خمرة الشعر مثلا؟ هى رضاب الحبيبة؛ ولكن العاشق لو رأى هذا الرضاب تحت المجهر لرأى ... لرأى مستنقعا صغيرا ... ولو كان هذا المجهر أضعاف الأضعاف مما يجهر به لرأيت ذلك الرضاب يعج عجيبا بالهوام والحشرات التى لا تخفى بنفسها، ولكن أخفاها التدبير الإلهى بأن جعل رتبتها فى الوجود وراء النظر الإنسانى رحمة من الله بالناس ! فأعذب الشعر ما عمل فى تجميل الطبيعة، كما تعمل الحواس الحية بسر الحياة، ولهذا المعنى
كان الشعراء النوابغ فى كل مجتمع هم الحواس لهذا المجتمع) ! وللأستاذ الناصرى أخلص الشكر، وأطيب التحيات

