الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 249الرجوع إلى "الثقافة"

أعرنى قناعا

Share

من الناس من لا يستسيغ عقوبة الإعدام ، ويري فيها ضربا من ضروب الوحشية التي تتنافي مع مبادئ الرحمة والإنسانية ؛ ثم يرون أن العقوبة يجب ان يراعي فيها الإصلاح لا الانتقام ؛ وان النفس البشرية مهما ركبت على الشر والإجرام ، فإن بها نواحي ضعيفة تقبل النصح وتشعر بالندم على الجرم الذي أقدمت عليه

ثم كيف يسوغ لك أن تعدم شخصا اتي جرما تحت تأثير وراثته أو بيئته ، أو كانت نفسه مفتقرة إلى تهذيب أو تربية ، من غير أن تكون قاسيا عليه بعيدا عن إنصافه ؟ ! نعم ، إن بتر عضو فاسد من الجسد يمنع احيانا تسرب المرض إلي باقي الأعضاء ، وإن المجتمع نفسه ليس إلا مجموعة أعضاء تتعاون فيما بينها تعاونا وثيقا ، فكيف تقبل هذا في الجسم الواحد ، ولا ترتضيه في جسم المجتمع كله ! ولكن ، إذا كان الطب قد عجز عن مداواة مرض عضال ، فهل تعجز طرق النصح والإرشاد ، أو العقوبة المخففة أو الرادعة ، عن رد المجرم عن فعلته ، وإشعاره الندم والاسف وعدم العودة إلى مثل ما قدمت يداه ؟ إن طرق الإصلاح متعددة متشعبة ، والنفس الإنسانية ضعيفة حائرة ، فلا تسفكوا دماء أنفس يمكن تعديل أعوجاجها ، والإصلاح من شأنها .

في زمن من الأزمان ، أبطلت فرنسا وإيطاليا عقوبة الإعدام . فهل استفاد المجتمع من ذلك ؟ وهل هبط ) إحصاء عدد الجرائم ؟ . . .

الجواب عن ذلك بالإيجاب ، وقد دلت عليه جميع التقارير في انحاء البلاد ، كما بشرت بنتائج حسنة مثمرة . ولكن ، على الرغم من هذا وذاك ، فقد ظهر صنف من

المجرمين لم يمكن إصلاحه ، وظهر نوع من الإجرام لم يستطع منعه ، فرجعت الدولتان عن قرارهما ، وفكرتا مع باقي الدول في إيجاد وسيلة للأعدام لاتبعث في نفوس المشاهدين التقزز والغلظة ، ولا تبذر فيهم بذور التوحش والقسوة

إن الذين يشاهدون منظرا مثيرا من مناظر الإعدام ، يصفونه بكل ما فيه من شناعة وبشاعة وكانه كابوس ركز على صدورهم . في هذا المشهد تتصارع قوتان غير متعادلتين ، تريد إحداهما للأخري الموت ، وتريد هذه لنفسها الحياة  . .

فإذا كان الموت شنقا توارت الرءوس بعضها خلف بعض في اللحظة التى يلفظ فيها المشنوق النفس الأخير ويتدلي لسانه وتجحظ عيناه .

ثم ما بالك إذا استبدلت المشنقة بالمفصلة وفيها منظر السكين والرأس المفصول والدم المسال ؟ !

ثم ما بالك أيضا إذا أخطأت المفصلة في ضربها الميتة ، فأصابت المسكين في موضع تركته من بعدها فاقد الرشد ولكن ما زال به الرمق من الحياة ؟ !

إن مجرد التصور يجعل بدن الإنسان منا يقشعر ويستعيذ بالله

تلك المناظر وغيرها كانت سببا في تحول بعض الناس إلي التفكير في استعمال طرق تريح المجرم في موته ، فلا ترهقه بالتعذيب اثناء الإعدام ، وتخفف من شناعة المشهد وبشاعة المنظر .

فتفننوا وأبدعوا . . ولكن هل ضمنوا بذلك ميتة سريعة فعالة خالية من الألم والتعذيب

فها هو ذا الكرسي الكهربائي ، وقد اخترعته ونفذته أمريكا - بلد العجائب - وفي طريقة استعماله ضمان الموت في لمح البصر . نعم  ، ففي مثل لمح البصر يتحول الإنسان المتلىء صحة وشبابا وفتوة إلى جثة هامدة

لا روح فيها ولا حياة . وتستغرق تلك " العملية ؟ ثواني معدودات .

ولكن ظهر له أخيرا عيب أساسي جعلت الحكومة تفكر في استبعاده وتنفر من استعماله . فما هو هذا العيب ياترى ؟

لقد لوحظ - على الآنسة روث سنايدر - المحكوم عليها بالإعدام سنة ١٩٣٧ - بعد كشف القناع عن وجهها أنه - أي الوجه - متقلص ، برزت فيه عروقه ، وهذا إن دل على شيء فعن ألم فظيع اتاتها أثناء مرور التيار في جسدها . لقد تعذبت ما في ذلك شك ، وها هو الدليل يظهره ، وجهها وتبينه عضلاتها . جاءها الموت سريعا ولكن بعد أن تقطعت شراينها وتزحزح قلبها من مكانه محاولا ان يتوسط جسمها ، وهذه خاصية ينفرد بها التيار المستمر الذي يستعمل في مثل هذه الأحوال .

بهت الذين حضروا ذلك المنظر الرهيب ، ثم نادوا جميعا بإيقاف هذا اللون من الإعدام الذي لا يتفق مع مبادئ الرحمة والإنسانية

إذن كان للأمر اهميته ، وكان لا بد للمسألة من حل سريع . .

وتفنن العقل البشري مرة ثانية ، وقدم للعالم اختراعه الأخير .

وليسمح لي القاريء الكريم أن استصحبه لمشاهدة منظر فريد في نوعه ، الا وهو طريقة الإعدام على طراز حديث : " الإعدام بالغاز الخانق " .

دقت ساعة التنفيذ ، وسبق رجل في مستهل العقد الرابع من عمره إلي غرفة صغيرة صنعت من زجاج سميك اصطف حولها جمع غفير . كان الرجل مقتول الساعدين قوي العضلات وافر الحسم ، ولكنه استسلم بين يدي

حراسه استسلام الحمل الوديع

اشرأبت الأعناق ، وعلا همس المتفرجين لما ظهر الرجل ، ولكنه تلاشى الصوت عندما جلس في غرفته وأخذ الحراس في وثاق يديه ورجليه بأغلال من حديد . وفي وسط القاع تلا الحاكم بصوت جهوري مرتفع حكم الإعدام ، ثم انحني نحو الرجل وسأله : " هل لك من طلب قبل تنفيذ الحكم ؟ " .

فابتسم هذا ابتسامة صفراء وقال

" نعم أيها الحاكم الطيب القلب . أعرني قناعا من فضلك

وبالرغم من رهبة الموقف ودقته ، فقد انفجر الجمهور ضاحكا ، واشترك معه الحاكم في الضحك حتى دمعت عيناء . أما الحراس فقد أحضروا إناء كبيرا ملىء حتي حافته بحامض الكبريتيك المخفف ، ووضعوه داخل الغرفة الزجاجية ، وعند ما أعطي الحاكم إشارته قذفوا في الإناء بعشر كرات من مادة كيمائية تسمى " pornssium Cynide وأحكموا إغلاق الباب .

وهنا ظهرت أبخرة كثيفة من خلف الجدران الشفافة ، سرعان ما انتشرت في جو الغرفة زاحفة تطرد الهواء قبالها وتسمى لكبت نفس التعس . سعل الرجل مرتين ثم همد وانطفأت عيناه . ولما جاهد ليتحرك كانت قواه قد خارت ، فتمايل قليلا ثم هوي برأسه علي المسند وأسلم الروح .

ولما تقدم الحراس بخطى وثيدة لرفع جدته بعد انقشاع الغازات ، كانت ملامح وجههه ما زالت هادئه كما كانت من قبل .

وهكذا نفع الاختراع وبشر بنتائج طيبة ، وفي المدة الأخيرة عمت استخدامه كثير من الدول . فهل تفكر مصر في استعماله ؟

اشترك في نشرتنا البريدية