الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 691 الرجوع إلى "الثقافة"

أعظم أعمال ابن سينا

Share

عاش الرئيس أبو علي ابن سينا ثلاثا وخمسين سنة وضع خلالها مائتين وستة وسبعين كتاباً ورسالة أحصاها الأب جورج شحاتة قنواتي في كتاب ضخم يشبه أن يكون دليل مكتبة عامة، تناول فيها من فروع العلم ما يتفرق في كليات كثيرة من جامعة واحدة، فلو أننا جمعنا صفحات ما ألفه من دراسات وقسمناها على أيام حياته بعد سن الخامسة عشرة، لتبينا أن يوماً من أيام تلك الحياة لم يكن يمر دون ساعات طويلة من الدرس والتأليف. وليس في هذا كله شئ عادي يرسل دون عناء. وإنما كله كتابات دقيقة عميقة لا تصدر إلا عن فكر طويل، أي أن ذلك الشيخ الجليل أمضى حياته كلها قارئاً كاتباً مفكراً، واستطاع بالصبر والجهد أن يحول نفسه إلى ذهن خالص نشيط فعال، وهذا في حسابي هو أعظم أعمال ابن سينا

ويقص علينا ابن سينا بنفسه كيف وصل إلى ذلك فنجده منصرفاً من السابعة من عمره إلى الدرس انصرافاً واعياً مدر كاً، كأنه كان قد قرر بالفعل أن يجعل حياته كلها سعياً نحو النور حتى يصبح هو نفسه نوراً، وإنني لأتصوره وهو بعد دون العاشرة في بخاري يقرأ ويحفظ ويتعقل ما يلقى إليه من العلم، فينفر من دعوات الإسماعيلية، لإدراكه أنها تفاهات مذهبية اتخذها الأذكياء وسيلة لكسب العيش، وانساق وراءها البسطاء عن عاطفية وانخداع، ويقبل على الفلسفة والهندسة وحساب الهند والطب وغيرها من العلوم النافعة. وقد درس ابن سينا الفقه فيما درس، لكنه رأى الدنيا من حوله تدرس الفقه وتتبارى فيه ووجد أن العمل الحاسم في هذا الميدان قد تم من أمد طويل، ولم يعد فيه مجهول يدرس أو جديد يستقصى، فلم يطل إلهامه به. وتوجه بهمته إلى العوالم المجهولة التي تشوق نفس المتطلع، لأن نفسه كانت من هذه النفوس الحيرى التي تهيم بالمجهول وتتجرد لارتياده وربما كان كلفه بالنساء وإفراطه معهن صادراً عن هذه

النزعة إلى ارتياد المجهول، لأن المرأة كانت الجانب الإنساني المجهول في زمانه. لم يفهمها من معاصريه، أو ممن سبقوه أحد، لأنهم قتلوا أعظم عنصر في كيانها وهو نفسها واكتفوا منها بالجسد، فقضى هذا الرجل يستنكه هذا المجهول، وفي رسائله ما يدل على أن إسرافه في هذه الناحية كان بحثاً عن المجهول، ولقي حتفه وهو ساع نحوه. وما هو في هذا المطلب بأول الهالكين

وقد حصل ابن سينا معارف أهل عصره في الطب بأيسر مئونة. وكان مستطيعاً أن يعيش على زاده من ذلك العلم، كما كان طلاب الطب في العصور الوسطى يفعلون ولكنه تنبه إلى قلة ذلك المحصول، ومضى يجرب ويقيس ويستنتج ويكتشف في ميدان البدن الإنساني حتى وفق إلى كثير، وحتى أصبحت تجاربه واختراعاته أشبه بالأساطير يقص علينا صاحب "جهار مقالة" طرفاً منها يدل على أن معالجاته كانت تجارب أشبه بالمغامرات، وقد فشل كثيراً من غير شك، والقليل من التجارب الموفقة الذي نجده في الكتب إنما هو ثمرة هذا الفشل، وقد ذكرت وأنا اقرأ بعض هذه الأخبار طبيباً أندلسياً سبق العالم إلى أسرار الجراحة بقرون. هو أبو القاسم الزهراوي، فعجبت من تلاقي هذين العقلين المضيئين عند نقطة التجربة والقول بأنها مفتاح العلم، وليس بعجيب أن تسير العصور الوسطى كلها في الشرق والغرب وراء هذين الرجلين في عالم الطب هذا للعلاج الباطني وذاك للجراحة

وجهد ابن سينا كله لهذا يعتبر إيحائياً، أي أنه يبعث النفس على التفكير ويحفزها إلى التطلع، فقد كان هو يعيش في أعصر بعيدة لم يكن الزمان قد أسفر عنها، وقد قضت البشرية قروناً طويلة تسير وراءه، ولم تلاحقه إلا في أوائل القرن التاسع عشر؛ فإذا ذكرنا أن معاصريه كانوا يعيشون بعقولهم في قرون سالفة، يكررون ما قاله الأسلاف في عجز وقنوع، لبينا أن ابن سينا كان يسبق أزمانه بأزمان طويلة

وأنه كان في الواقع يحيى في الغد المجهول، ومن هنا تبدو لنا القصة التي يحكيها صاحب "جهار مقالة " من أن  خوارزم شاه طلب ابن سينا فلم يجده، فاستدعى أبا نصر العراق وأمره بأن يصور ابن سينا على الورق ثم استخرج من هذه الصورة أربعين نسخة بعثها في الأقطار عل أهلها يهتدون إليه، فلم يتعرفوا عليه إلا عن طريق واحد: رأوا رجلا يجري تجربة نفسية على عليل أضناه العشق، فقال له أحدهم: أأنت أبو علي؟ وهكذا نم عنه أسلوبه بأكثر مما نمت عنه صورته. وقد تكون هذه القصة حقيقية وقد تكون مجرد أسطورة، ولكنها على أي الوضعين ذات معنى رمزي بعيد: إنها تدل على أن أهل هذا الزمان كانوا يعرفون أن هناك إنساناً واحداً يجرى على أسلوب التجربة والكشف، وهو الشيخ الرئيس، ولا أحد سواه

ولقد تقسم الشرق والغرب تراث ابن سينا، فأما الشرق فقد اكتفى منه بالجانب المحدود الذي يمكن حفظه واستظهاره وتطبيقه كالأرجوزة وكتاب الشفاء. وأما الغرب فقد اختار الجانب الأقوى، الجانب الباحث عن المجهول: الفلسفة  و"القانون"، وقد نام الشرق على ما أخذ، وأما الغرب فقد اشتغلت عقول أهله بما وصل إليهم: ترجموه مرة بعد مرة، وتدارسوه عاماً بعد عام، ومازالوا يفكرون فيه حتى أخرجوا منه بشائر العصر الحديث

وكانت هذه هي الحال مع كل تراث المسلمين، فقد ظهرت في عالمنا الإسلامي هذا عبقريات لا حصر لها، وبدرت من بعضهم بوادر تلحقهم بأهل عصرنا كابن سينا هذا وأبي الريحان البيروني والحسن بن الهيثم وابن البيطار وسليمان بن جلجل وأبي بكر بن طفيل وأبي الوليد بن رشد الحفيد، وظهرت إلى جانب هؤلاء جماعات من العبقريات السلفية التي لا تجدد ولا تبتكر، وإنما تحسن هضم الماضي وتجيد التعبير عنه، كأبي الطيب المتنبي وأبي حامد الغزالي وأبي العلاء المعري والحريري والقاضي الفاضل، فلما وصلنا إلى القرن السابع الهجري وبلغت الحضارة الإسلامية منتهاها وبهر نورها أهل الغرب، أقبلوا يتدارسونها ويتخيرون منها ما يصلح لهم، فمن عجيب الأمر أنهم وقعوا بالغريزة على خير ما في هذه الثروة كلها، فأخذوا العلوم والرياضيات والفلسفة والقصص وتركوا الباقي، كأنهم أحسوا أنه لا يغني

ولا ينفع: تركوا المتنبي وشعره والحريري ومقاماته والقاضي الفاضل وسجعاته، مع أن هذه كلها كانت على كل لسان وبحثوا وفحصوا حتى عثروا على أبي القاسم الزهراوي وابن سينا وابن طفيل وابن رشد وابن جلجل وابن البيطار والزرقاني. أجل، لم تخدعهم قعاقع أبي الطيب أو ترصيعات ابن هانئ أو لزوميات شاعر المعرة أو معابثات أبي زيد السروجي، وأدركوا بالحى السليم أن هذه كلها - مهما بلغ جمالها - صياغات جديدة لأشياء قديمة، كلها عيون تنظر إلى الأمس ولا تعرف شيئاً اسمه الغد، كلها دواع للوقوف، وليس فيها نازعة واحدة تشير إلى الغد المجهول من هنا أقبلوا عليها، لأن نفوسهم يغمرها النزوع نحو المستقبل والتطلع نحو المجهول، بينما عكف المشارقة على من ذكرنا، فوقفوا حيث هم، وانقضت القرون وهم يروون أبيات وعبارات مرصعة باللؤلؤ والزمرد، ويحلمون بعوالم ماضية من العسجد واللجين

كان ابن سينا قلقاً بين أهل زمانه، تكاد حياته تكون رحلة متصلة من بلد إلى بلد، ولم تكن رحلاته انتجاعاً لذوي المروءة واستمطاراً لرفدهم، كما كان عباقرة أيامه يفعلون، بل كان الأمراء وذوو الجاه هم الذين يطلبونه ويبحثون عنه ويستجدون فضل علمه، لأنه عالم طلب العلم من وجهه النافع الذي يحتاج إليه الناس، ولو أنه تفرغ للفقه وحفظ كتب الأدب وجعل من صدره "صهريج لؤلؤ" لما أفاد من ذلك كله غير شئ من جاه ولما خلف لنا إلا شروحاً وتعليقات أو ألفيات تزيد حجم التراث الإسلامي ضخامة ولا تزيده معنى أو قوة. وكان في اندفاعه نحو الفلسفة والمنطق والحساب والهندسة والطب كالثائر على المجتمع الذي كان يعيش فيه، لأن هذه العلوم كلها كانت مستنكرة، يضعها الناس في قائمة واحدة محرمة هي قائمة علوم الأوائل. كأنما كان هو يشعر أن "علوم الأوائل" هذه هي طريق الغد المجهول. وكان واحداً من المسلمين القلائل الذين نقلوا إلى الغرب تراث اليونان ليقيموا عليه هذا البناء الحديث كله. كان واحداً من تلك الخيوط القليلة التي ربطت الفجر القديم بالفجر الجديد

(البقية على الصفحة التالية)

إن أعظم أعمال ابن سينا هي حياته، وأعظم ما في حياته ذهنه. وقد صاغ هو حياته على ذلك النحو القلق الحافل بالحوافز، وكوّن ذهنه على نحو حافل بالتطلع والدوافع

لقد صنع عبقريته بيده، وصاغها بسهر الليالي وجهاد الأيام ومغالبة الراحة والنوم والتحايل على السهر وإضناء الجسد فكان من ذلك كله هذا المجد العظيم الذي نحتفل به نحن اليوم بعد ألف سنة، وكان من ذلك أيضاً هذه البطولة البديعة التي تشير نحو المجهول أبداً. وهو لهذا يمد يده من وراء هذه القرون العشرة ويصافح جيلنا وكل جيل مقبل، ويحيي كل نفس متطلعة نحو المجهول

اشترك في نشرتنا البريدية