الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 129 الرجوع إلى "الثقافة"

أعمال المحاربين ضد السكان المدنيين

Share

لم يحدد الفرق بين المدنيين والمحاربين تحديدا واضحا إلا فى أثناء القرن التاسع عشر . وقد ذهب الكتاب فى أرض القارة الأوربية وقتئذ مذهبا بعيدا فى هذا

التحديد ، فقالوا إنه لما كانت الحرب علاقة بين الدول لا بين الأفراد ، فان العداء القائم بين هذه الدول بعضها وبعض يجب ألا يتعدى الجنود إلى السكان المدنيين ولكن علماء القانون الدولى من الانجليز والأمريكيين لم يأخذوا بهذا الرأى ، وإن اعترفوا كلهم بأن المبادئ الأساسية للقانون الدولى تحرم تعريض المدنيين لهجوم مباشر من قبل المتحاربين ، وتوجب تأمين هؤلاء المدنيين على أنفسهم وحرياتهم وصيانة أموالهم الخاصة إلا فى حالات استثنائية قليلة ، ما داموا مسالمين خاضعين للنظام والقانون .

لكن الفرق بين المدنيين والمحاربين لم يعد له فى الحرب الكبرى الماضية ما كان له فى القرن التاسع عشر من وضوح ، وسبب ذلك أن جميع الذكور القادرين على حمل السلاح قد أصبحوا فى تلك الحرب عرضة للتجنيد ، أو أنهم قد جندوا بالفعل للقيام بأعمال تتصل بسير الحرب من قريب أو بعيد .

يضاف إلى هذا أن أدوات الحرب الحديثة يجعل التمييز بين المحاربين والمدنيين أمرا عسيرا من الوجهة العملية ، فمهما حرص الطيار على أن يقصر هجماته على الأهداف العسكرية فإنه لا يستطيع أن يثق بأن ضرباته لن تصيب المدنيين إلا إذا وافاه الحظ ولازمه حسن التوفيق . ولذلك ذهب بعض المتطرفين إلى أن من العبث أن تحاول التفرقة بين المدنيين والعسكريين ، وأن كل ما وضع على أساس هذه التفرقة من قواعد وقوانين قد انهار . ولكن هذا الرأى الفرط فى اليأس لم يقبله معظم علماء القانون الدولى ، بل يقولون إن الأحوال الجديدة - وإن قلت من الفروق بين المحاربين والمدنيين من وجوه عدة ، وأدت إلى تعديل بعض القواعد القائمة فى هذا الوقت - لم تؤثر مطلقا فى القاعدة الأولى الأساسية وهى أن هناك محاربين وغير محاربين ، وأن غير المحاربين

يجب ألا يكونوا عرضة لهجوم المباشر من جانب قوات أعدائهم المسلحة .

كذلك لا يقر قانون الحرب أعمال التدمير والقتل التى توجه إلى السكان المدنيين مباشرة . بقصد إرهابهم أو إضعاف روحهم المعنوية رغم ما قد يكون فى هذه الأعمال من فائدة للمحاربين . أما ما يصيبهم من أذى عفوا لم يكونوا هم المقصودين به بالذات ، بل كان نتيجة للأعمال الحربية العامة ، فهو مبرر في نظر القانون . فاذا حوصرت إحدى المدن مثلا ، وضربت بالقنابل فقتل بسبب ذلك عدد من أهلها المدنيين لم يكن فى قتلهم مخالفة لقوانين الحرب ، ولكن هذه القوانين نفسها لا تجيز ضرب مدينة مكشوفة ، وإن كان هذا الضرب سيؤدى لا محالة إلى قتل عدد من الجنود المحاربين . ولو أن الأمر كان غير هذا لما كان هناك حد للتخريب والتدمير لأن كل مدينة لا تخلو من جنود أو من رجال سيدعون فى الغد القريب إلى التجنيد .

اشترك في نشرتنا البريدية