الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 194الرجوع إلى "الثقافة"

أعيان بيت المقدس، في القرن الثاني عشر الهجري

Share

إلى سار السالك إلى باب السلسلة وباب السكينة  ١  تقع المدرسة البلدية ٢وهي مدفن صاحب الترجمة وبها مقامه وخزانة كتبه . ويزار قبره حتى الآن ويتبرك به ، وهو يطل على المدرسة السلطانية ( ٣ ).

ذلك هو شيخ الإسلام وخاتمة الفقهاء بالديار القدسية محمد بن محمد بن شرف الدين الخليلى بلدا القدسي مسكنا الشافعي مذهبا القادري طريقة ٤ ويقول المرادى إنه كان في أول شبابه يتعاطي كسبا دنيويا . أما السيد الحسيني فيقول في مخطوطته بلغني أنه كان يتعاطي في مدينة الخليل بيع السيرج . فجاءه في يوم من الايام رجل وقال له : " يا محمد ضع لي في هذا الكوز حصة سيرج " فأخذه

وملأه وناوله إياه فقال له : " أملاك الله يا محمد ، اذهب إلي مصر " فأخذه الحال حالا وترك الديار وتوجه لمصر والتحق بالجامع الأزهر(١ ) وتتلمذ في الأزهر على كل من الشيخ أحمد شهاب الدين الشهير بالبنا الدمياطي والشيخ محمد بن داود العاتي والشيخ محمد البقرى المقري ، فجد واجتهد وبلغ في العلم النهاية حتى اصبح قطب زمانه في التدريس والافتاء ، وشاع صيته في المدن والقري وبين البدو ، بل صار في مرتبة الأولياء العظماء الذين يتبرك الناس بهم وبحفنتهم حتي اليوم ، وقد أجازه الشيخ عبد الغني النابلسي ( ٢ ) الشهير وأطري مواهبه وأثني عليه . ونعته بفخر العلماء الصالحين ومصدر الفضلاء المدرسين كهف الطالبين وعمدة الفقهاء الكاملين في مراتب اليقين الشيخ الإمام والحبر البحر الهمام علامة البلاد القدسية فهامة الحضرة الأنسية محمد الخليلى المقدسي الجليل المعروف نسبه الطاهر وسببه الظاهر " كما أخذ الطريق القادرية عن شيخ السجادة بحماه المحمية المولي المقدام الشريف ياسين صاحب النفحات العالية ، وعاد إلي بيت المقدس سنة ١١٠٤ ه وسكن بها في المدرسة البلدية ( ٣ )

وأخذ يدرس في الحرم القدسى في الفرقة التي تقع شمال الصخرة المشرفة من جهة الغرب ، ويعظ وعظا يلين القلوب ، ويكثر من المبرات ، فكثر مريدوه وطلابه وأعوانه ، واشتهر بأن دعوته مستجابة ، وأقبلت عليه الدنيا ، وصار يجمع بين

العلم الديني والوجاهة الدنيوية وبعد النفوذ ، وجمع ثروة طائلة وبني قصرين فخمين في جوار بيت المقدس واقتني الاملاك الشاسعة في القدس ويافا والخليل

ويقول السيد الحسيني إنه رأي على هامش كتاب " الإصابة في أسماء الصحابة " كتابة بخط الشيخ يقول فيها : إنه رأي الخضر في منامه مرارا ، ويرجع الشيخ مقدرته العلمية إلي أنه قال للخضر يوما في منامه : " أسألك العلم : فحنا له ثلاث حنيات ، فصار يتكلم من العلوم ماشاء . ويقول الشيخ : " إنني توجهت للحج سنة ١١١١ ه ونهب الحج ونهبت معه ، وكان معي مال ربما بلغ خمسة عشر كيسا وبعض امانات للناس نحو الف وستمائه قرش ، فاضمرت ان لو قدرني الله على سدادها أن أسدها من مالي . فتراءي لي الخضر أبو العباس في المنام قائلا لي : " رفعناك على الناس كلهم ونادينا لك بذلك في مشارق الأرض ومغاربها " ويقول : " إن الله قد حقق قولي في الوعدين ، فأما الدين فقد كان عندي حمل بن كنت ارسلته من مصر إلي بيت المقدس ، فكان يساوي ٢٥٠ قرشا ففتحته وأخذت ابيع منه وأسد الأمانات فجمع معي ٦٠٩ قرش . وأما الأمر الثاني فوالله لو رمينا أحدا سهما في المشرق أو المغرب لأصابه ومزقه كل ممزق إذا كان من المستحقين . وما تكدر خاطرنا على أحد خالف وأفلح " انتهي بخطه

واشتهر بين الناس باستجابة دعوته : من ذلك انه ارسل إلي بعض العرب وقد اخذوا زيتا للشيخ كان محملا على بعير وحمارة يقول لهم : " البعير بالأمير والزيت بصاحب البيت والخمارة بغارة " . فما اصبح الصباح حتى وقع ما وقع بعين ما قال وخلت الديار من الفجار . ومن ذلك ايضا انه دعا على رجل بالشنق فشنق نفسه بنفسه بأن وضع مخدات تحت قدميه ثم وضع الحبل في عنقه وأزاح المخدات إلي جهة الخلو فكان حتف أنفه . ومن ذلك أيضا أنه دعا على عرب

التعامرة ( قبيلة شرقي بيت المقدس )حين أذوه علي طريق الخليل ، دعا عليهم بالنار ورجم الحجارة وحرق النار في بيوتهم في الليل والنهار ، حتى اتوه واستعفوه فعفا عنهم . كذا في المرادى في أعيان القرن الثاني عشر ص ٩٥ ).

وكان من عادته أن يختم البخاري في مقام النبي موسى ١ شرقي بيت المقدس ، وله في المقام غرفتان بناهما ، وله في ذلك قصة ذكرها المرادى والحسيني ، وهي أنه عندما كان يزور مقام النبي موسي ويقرأ دلائل الخيرات سمع صوتا يقول له : " عصبة النسب مقدمة على عصبة الولاء ، " ففهم المراد وهو انتم منسوبون لمحمد كعصبة نسب لقوله صلى الله عليه وسلم : أمتي عصبتي " ولغيره كعصبة الولاء .

وقد التقي به الشيخ مصطفي البكري الصديقي ( ٢ ) وتتلمذ عليه مرارا واستمع إلي دروسه في خلوته(٣) على  الصخرة شمالي قبة المعراج كما اجتمع به في مقام النبي موسي . وقد اجتمع به ايضا في رحلته الثانية " الخطوة الثانية الانسية للروضة الدانية القدسية في حرم على بن عليل(٤) ووصف موكبه قائلا : " بينما كنا نسرح الطرف في ذاك البر والبحر المحروس ، إذا أعلام وإشارات في السهل بادية ، وخيول تتجاري فقلنا اسود ضاربة ، فجاء الرفاق واصطفوا للفرجة اصطفافا ، فقيل الشيخ محمد الخليلى قادم للزيارة من يافا ، فنزل للقائه الأكثر فرحين بقدومه الآزهر ، واستقبلناه بالجمعية فقال : إني لما قيل لي فلان هناك أسرعت بالزيارة .

وفي سنة ١١٤٣ ه قام الرحالة مصطفي اسعد اللقيمي لحسين سيط بن قائم المقدسي برحلة من دمياط إلي القدس فدمشق ، وكتب كتابا اسماه سوامح الانس برحلتي لوادي القدس (١)  وقد ذكر الشيخ مصطفي اسم المترجم وأثني عليه ونزل في قصره في البقعة(٢) في جنوبي بيت المقدس وزار معه بقام أبي تور ( ٣ )

وأطل من قصر الشيخ علي الوادي إلي شرق البقعة ، وكان بهذا الوادي قصور وبساتين محاها توالي الأيام وتعاقب السنين فقال الشيخ اللقيمي في ذاك :

قفا في الواد المقدس برهة

لأندب أطلالا وهت وقصورا

ولا تعدلاني بأن بكيت تأسفا

فقد أورثني قبل ذلك سرورا

سقي الله منها معهدا قد تركته

قرأت به للعارفين سطورا

وقد جاء ذكر المترجم مرة اخري في رحلة اللقيمي المخطوطة عند زيارته لمقام النبي صموئيل بحمي رامة شمال غرب بيت المقدس(١ ) ما نصه بالحرف الواحد :

وقبره أمى شمويل بقرية رامة ظاهر القدس الشريف من جهة الشمال على طريق السالك ، وكان هذا المقام تحت يد اليهود يتعبدون به ويأتون إليه بالنذورات من الحلى والملابس والفرش ويضعونه في المغارة التي فيها قبر النبي شمويل ثم يحرقون تلك الامتعة تقربا بزعمهم في هذا المقام إلي ان ظهر استاذنا ومولانا الشيخ محمد الخليلي بالقدس المحترم . ونفذت كلمته في تلك النواحي وصار اشهر من نار على علم ، فأمده الفيض الإلهي الرباني واستنقذه من ايديهم بخط شريف سلطانى ، وسد باب المغارة وبني منارة عليه وأقام شعار المسجد ومنع اليهود عنه بالكلية ، فصاروا لا يأتون إليه إلا خفية وهم خائفون ويقفون خارج المسجد وأما دخوله فلا يستطيعون . " انتهي

ومن مأثر الشيخ الخليلي ما رواه الشيخ اللقيعي في رحلته المخطوطة عند زيارته ليافا مارا بقربة يازور(٢ ) قال الشيخ اللقيمي : " ثم في ثاني الأيام وقت الصباح ورد حضرة مولانا الشيخ الخليلي وصحبته جماعة من اهل الصلاح قاصدا مدينة يافا بعزمه الشديد لا تمام عمارة مسجدها الجديد "

وللشيخ محمد الخليلى وقفية يحسن ان تأتي علي وصف مختصر لبعض ما جاء فيها لأهميتها ، ولأنها تعطينا صورة عن

تلك الشخصية الكبيرة وتذكر لنا شيئا عن ذلك القرن : فالوقفية عرضها ٤٠ سم وطولها ١٩١ سم وقد كتبت بالخط الرقعي وتاريخها غرة شعبان سنة ١١٣٨ وقد كتبها السيد محمد صنع الله الخالدي نائب القدس في ذلك الحين .

بعد المقدمة الفقهية في بيان صحة الوقف ولزومه بادر إلى أحب الأموال إليه وأشرف ما يملك فصدر بها وقفيته . وأسس خزانة كتب في بيت المقدس ، وقد ذكر من جملة دوافعه لتأسيس هذه المكتبة أن تكون هذه الكتب ذخيرة ينتفع بها أهلها حتى لا يجري بهاما جري علي غيرها ، مع أن بيت المقدس يجب على أهله زيادة الاعتناء بأمر الدين والتنافس على تحصيل العلوم والكتب لأنهم في بلاد مقدسة يتنافس عليها الأفرنج ؛ فيها مصاحف مبينة وكتب في الفقه والتفسير والتوحيد والحديث والسيرة والتصوف والأدب والرياضات والتاريخ . واشترط ان لا تباع ولا توهب

ولا ترهن ولا تهدي لأحد من الحكام أو الأعيان . وأقام عليها ناظرا وأمر بتجليدها وان لا تعار الكتب إلا لطلبة العلم المشهورين بالصلاح ، وان لا تعار إلي من اشتهر بتضبيع الكتب وإتلافها ، وان تبقى هذه الكتب في المدرسة البلدية ، ثم جاء بعد ذلك على ذكر أوقافه وأملاكة الخ .

ومن مؤلفاته فتاوي كبري في مجلدين تعرف بالفتاوي الخليلية ، وصغري في مجلد علي مذهب الإمام الشريف ابن إدريس ، وبعض رسائل بهية وتحريرات زهية . وقد توفي الشيخ الخليلى سنة ١١٤٧ ه علي رأي المرادي و ١١٤٩ ه على رأي الحسيني . وقد رثاه تلميذه السيد مصطفي الصديقي بقصيدة مطلعها :

أيها الذات في حمي الذات قبلي

فلقد لذ لي لديها مقبلي

(بيت المقدس)

اشترك في نشرتنا البريدية