حديث أجدى :
مع أن أصوات المتشائمين من أواسط الناس وجهلة الكتاب وساقطي الهمة ، ترتفع بين حين وآخر ، معلنة أن الأحاديث في الاصلاح قد تواترت فاستباحها الخاصة والعامة ، حتى أصبح ترديدها سهلا رخيصا فهو لا يكلف تعبا ولا ينتج منفعة ، إلا أنه لا يمكن لحكيم هادئ . متعقل ، بعيد النظر ، أن ينكر جدوى أحاديث المصلحين وبحوث المصريين المتكلمين المخلصين . فلو راجعنا نواحي الحياة المصرية كلها لتبين لنا أن روح التطور والتجديد والإصلاح قد أخذت تنبت فيها رويدا رويدا . فالفلاح ولا شك يعلم أن قانون الخمسة أفدنة مثلا قد سن لحماية
ملكيته ، والتاجر وصاحب المشروع يعلمان أن هيئات كالغرف التجارية تعمل على إيجاد روح التعاطف والمشاركة بين أصحاب المهنة الواحدة ، وتشتغل بالدفاع عن حقوقهم ورعاية مصالحهم ، ورجل الشعب يلمس المعاونة التي تقدمها إليه وإلى أهل بيته هيئات كالمستشفيات الأميرية ومراكز رعاية الطفل . . . وهكذا قل في نشاط مختلف الهيئات والطوائف كالجامعة والأزهر وجمعيات الشبان والصحف والأدباء ورجال العلم والفن والتربية والتشريع . وعلى هذا فلم تكن أحاديث المصلحين باطلة وكلماتهم نافلة وآمالهم وأشواقهم من الخيالات . والأوهام ونقول في إيمان
وثقة وشعور بالحاجة : إننا لا زلنا في حاجة إلي الكثير من الأحاديث المنظمة الواضحة ، فهي غذاؤنا الروحي والمعنوى بما تقدمه لنا من تشجيع وتوجيه وتوضيح ، وليس أجدي من الوضوح الفكري وسيلة توجه الحياة وتبعث الروح وتستحث الجهود .
تفح ذهني ومعنوي :
وإذا تساءلنا : لماذا تتكاثر الأحاديث عندنا من كل ناحية من نواحي حياتنا المصرية ؟ فقد يكون الجواب أننا في حالة كظم وحرمان من الحياة تفرجه كثرة الحديث والمناقشة ؛ أو قد يكون الجواب اننا نضيق ذرعا بالحياة التي نحياها في الواقع ، فنشغل أفكارنا بأحاديث في حياة أخري نحياها في الفكر علي طريقة الأفكار والخيالات ؛ وقد يكون الجواب أن السبب راجع إلي رغبة طبيعية في
الانسان تلح عليه فيتكلم وبنطق . . . ومع أن لكل من هذه الأجوبة نصيبه من الصدق ، إلا أنها جميعها تتجمع في سبب واحد - ذلك هو أننا في حالة تفتح ذهني شديد . فقد كنا من قبل فى حالة ركود ذهني نمارس الحياة ولا نفكر فيها كثيرا ، وما إن أثير عنصر التفكير فينا حتى اندفعنا في نشاط معنوي مندفع ، نمارسه في شغف وتمتع به في نهم ولذة .
هذا التفتح الذهني العجيب لم يكن إلا تحقيقا لمعنى الحياة الانسانية المتمدنة بشقيها : الشق التصرفي والشق الادراكي . فنحن نريد الحياة تصرفا وحركه بأيدينا وأقدامنا ، كما أننا نريدها في صورة أخري : حية في أذهاننا ، متمثلة في مخيلاتنا ، ذات غاية ومعنى ورونق وبهاء ..!
المتحدثون المحيطون :
يري الناظر في مطبوعاتنا ، ظاهرة عجيبة تلغت النظر يري كتابا وأدباء ، تفتحت أذهانهم ، حتى أصبحت تقبل على كل شئ وتتحدث في كل باب . فالأدباء عندنا يتحدثون في السياسة ، ويعالجون الشعر والفن ، ويتغورون في علم النفس ، وينطلقون مرات كثيرة في مجالي الفلسفة والمطلق ، ثم يتحولون نحو الحياة المصرية يدعون إلي الاصلاح الاجتماعي والسياسي والفني
والتشريعي . . . فهم يدعون إلي كل شئ ، وفي دعوتهم حرارة تكاد تكون اندفاعا ، وفيها حيوية تكاد تكون عبقرية ، ولكنها عبقرية على طريقة عبقرية الشباب في الأدوار الحادة لبلوغه الذهني .
وإن كنت لا أنكر ما في العقلية المصرية من ألعبة ومقدرة ، إلا أنني لا أنسي أن هذا النشاط الذهني هو من دلائل القلق الروحي وعدم الاستقرار ، كما أنه من الدلائل القوية على أننا كثيرا ما نتجه اتجاها خياليا ترفيا فيه بعد عن الحياة العملية . وذلك لأن الحياة العملية مهما اتسعت حدودها فهي ضيقة ، ومهما تعقدت فان فيها الجوانب ذات الأهمية البارزة ، ومهما سخفت هذه الحياة وامتلأت بالعلل والأمراض فان فيها من الجوانب الإنسانية العميقة ما يستحق أن ننظر إليه في وضوح واحترام وأن نتناوله بالتشبيب والحب والاعجاب فإذا كان كتاب الكثرة عندنا
يكثرون التنقل من حديث إلي حديث آخر غيره ، ويكثرون التحدث في إصلاح كل شئ كان كل شئ يحتاج إلي إصلاح ، فانى أخاف أن أقول ان اتجاهنا فيه خيال وغموض وقلق ، وإن في قدرتنا قصورا عن تفهم الحياة على حقيقتها ، وإن فيها ضعفا لا يسمح لنا بتمييز جوانب حياتنا وتقدير قيمة كل جانب منها ووضعه في المرتبة التي يجب أن يوضع فيها . بل وأخاف أن أقول إن من كتابنا هؤلاء من يقدر فكره أسمي تقدير فيري فيه كل شئ . ويفقد الثقة في حياتنا الحاضرة فلا يري فيها ما يستحق أن نحبه و أن نقدره وأن نحافظ عليه واتخاذ الأشياء هذا الوضع وهذه الصورة فيه من الخيال والخطورة والبعد عن الاصلاح العملي الشئ الكثير .
سياسة محلية :
ولعل أخطر من هؤلاء الكتاب المحيطين ، كتاب آخرون ، كتبوا في إحاطة ، وتحدثوا في كثرة حتي نصوا ، ثم أرادوا بعدئذ أن يقدموا رأيا في الاصلاح ، فقالوا في
قطع وشدة وعنف- إن حياتنا كلها أخطاء وعلل ، فلنصلح فيها كل شئ . ولنقلها رأسا علي عقب بحيث لا نصلح منها جانبا ونترك الجوانب الأخري ، لنصلح كل شيء دفعة واحدة . وأقوال مثل هذه هي أقوال لا تعبر إلا من روح اليأس والانزعاج والمضايقة والثورة . وسياسة مثل هذه هي سياسة تجري علي خطة الارغام ولا تنفذ إلا على منوال من القسر . ومنطق مثل هذا هو منطق خيالى بعيد عن الحياة العملية وبعيد عن فهم الروح الانسانية .
بل إن سياسة مثل هذه ليس لها من معنى إلا أن المطالبين بها قد فقدوا القدرة العملية علي التمييز بين المهم والأهم ، وأنهم لم يتعمقوا في نفس الحياة التي يريدون لها الاصلاح ، ولم تتضح أمامهم بعد الأسس والمقاييس التي بقيسون بها هذه الحياة - بل وإنهم لم يدركوا حتي الساعة أن معنى الاصلاح ليس هو الانقلاب بل هو التعديل المترفق والعلاج المتأني والرعاية الحذرة المتعقلة والقصد الواضح الجلي .
من معاني الحضارة :
وإذا كان للحضارة كثير من المعاني ، فإن من أهم هذه المعاني معنى الوضوح الذهني فالرجل المتحضر له القدرة ان يجمع خواطره وينظمها ويرتبها ، والرجل غير المتحضر يصعب عليه ذلك . الرجل المتحضر يذهب بفكره باحثا عن التفاصيل والمعاني والحقائق الكامنة وراء المظاهر ، أما الرجل غير المتحضر فيعسر عليه أن يؤدي هذا العمل .
الرجل المتحضر يمكنه أن يميز وأن يقارن ، والرجل الآخر لا يمكنه الرجل المتحضر يقيس الأشياء بمقياس الفكر الواضح المحقق ، والرجل الآخر يقيسها بمقياس الكم والحجم والابعاد الحسية المنظورة . الرجل المتحضر يختار فيحسن الاختيار ، وأما الرجل الآخر فإنه لا يختار ، بل يأخذ الأشياء أخذا دون ان يفرق في ذهنه بين مزايا الشئ الذي أخذ ومزايا الشئ الذي ترك .
فأين كتاب الكثرة عندنا من هذه المعاني ؟ وأي حكم نصدره عليهم إذا قسناهم إلى هذه المقاييس ؟ وهل انتقلنا بعد من دور الغموض والاختلاط والكثرة إلي دور التمييز والتفضيل وحسن الاختيار . . ؟ إن الشباب عندنا يشعر بهذه الكثرة شعورا شديدا ، وهو يقاسي منها اشد الألم ، حتى ليكاد في هذه الكثرة يفقد ماله من شخصية ومميزات ، وحتي ليكاد ينطمس من معالمه ما يجب أن يكون واضحا مفسرا .
فعلي كتاب الكثرة عندنا أن يأخذوا أنفسهم بالمحافظة والتريث ، وان يضبطوا عقولهم في حدود من الاعتبارات العملية والاتجاهات الواضحة ؛ وكفانا بعدئذ ما نقاسيه من تخمة التقدم المادي الغربي ، فلا نضيف إليها تخمة اخرى تقتحم علينا حياتنا الفكرية بعد ان اقتحمت المخترعات العلمية حياتنا النفسية والمزاجية .
من أخطار الحضارة :
مهما قيل في مدح الحضارة والتحضر ، ومهما سمعنا من حث ورأينا من إغراء يجذباننا نحو الأخذ بأساليب الحضارة الحديثة ، فان مما لا يستطيع أن ينكره أحد ، أن في هذه الأساليب الحديثة كثيرا من الأخطار .
نعرف اللغات الأجنبية فنقبل عليها إقبالا شديدا ، نقترف منها لأنفسنا الأفكار والمشاعر والاتجاهات ؛ فاذا ما اردنا ان نمارس هذه المشاعر في البيئة الاجتماعية التي نعيش فيها صدمنا الواقع الذي لا يتلائم وهذه الافكار والمشاعر .
في أيدينا المال وأمامنا الكتب والمطبوعات رخيصة ، نشتريها ونكثر من شرائها ومطالعتها ، فإذا ما اغلقنا الكتاب ، وخرجنا إلى الحياة والناس ، وأردنا ان نعيش الحياة التي قرأناها ، صدمتنا الأوضاع الحاضرة وبعثت شعور الاضطراب والوحشة في نفوسنا .
جاءتنا من الغرب اجهزة الاذاعة وصناعة الخيالة
وفنون الأدب والتأليف ، فكان التحضر جهاز نشتريه . ودورا للخيالة ترتادها ، وكتبا وتأليف نضعها ونصفها لكي تباع وتربح . وأما البحث الجدي فيما ينقله إلينا المذياع واختيار ما يتلاءم منه وحياتنا مع ترك غيره ؛ واما البحث فيما تعرضه لنا دور الخيالة من قصص ، والدعوة إلى حسن الاختيار لما نشاهده ، وحسن التفهم لما نراه ؛ وأما قراءة الكتب التي تسد حاجة واضحة ملموسة ، وتصنيف المؤلفات التي ترضي الذوق والذهن في مستوي قريب من مستواهما الحالي . . . هذه كلها أمور ننساها ولا نستوضحها ، وقد نضعها في مرتبة بعيدة . . . فالمدنية أن يكون لنا مذياع ، وان يكون لنا عشرات من دور الخيالة ، وأن نكتب وان نؤلف كتبا تنشر وتباع .
وهذا الوضع الخطير يجعل من نفوسنا وأفكارنا ساحات تحتلها الغرائب والأجانب والمظاهر المادية ، دون أن تكون لنا ذاتية خاصة ، وحيوية وشخصية متفردة موجبة ، تختار وتفهم المعاني وتتلائم مع الواقع في إحساس بالحياة وثقة في النفس .
فأبعدوا هذا الخطر من الشعب ، وقدموا إليه الأشياء متمايزة مقارنة ، تسد حاجته وتشبع رغبته وتبعث الاستقرار والوضوح في روحه المتطوحة ، فيعرف بذلك ماذا يطلب أولا وأين يهدأ ويستكن ، وكيف يرضي حاجاته ومطاليب عيشه إرضاء متأنق ماهر بحسن الاختيار . ضعوا في هذه الأواني التي صدرتها إلينا المدنية الغربية عقلا مصريا ، وكلمات مصرية ، وروحا مصريا صميما واضحا .
رضي المتعقلين :
إذا تعقلنا الحياة نستوضح معالمها ونواحيها ، وإذا انتظمت هذه النواحي في أذهاننا مترتبة حسب أهميتها ، وإذا تمثلنا دائما الروح المصري الحالي ، ثم قمنا بعد ذلك بجهودنا الاصلاحية ، نوجهها إلي الأهم أولا ثم إلي الأقل أهمية بعدئذ ، أنتجنا وأصلحنا وحققنا أفكارنا ومشروعاتنا ، فإذا عدنا بعدئذ نراجع الجهود التي بذلناها منتظمة حتى
اجدت ، سري في أرواحنا شعور الاستقرار والهدوء ، وانبعث في حياتنا عنصر التعقل ، وبات السعى و الاصلاح أمامنا حقيقة تتمثل فيها المعاني ، وحياة نتجسم فيها الآمال والرغبات ، وخدمة إنسانية تنتظم العمل والفكر والروح في اتساق وحيوية وجمال.
أساس التضحية :
وتتابع الجهود الاصلاحية على هذه الصورة يتطلب تضحية . وأساس التضحية في الاصلاح - كما في كل شئ اخر - هو المفاضلة والترجيح : أن يتحدث المصلحون فيلتزموا حدود الحياة في الواقع بغير انسياب نحو الخيال والمبالغات والمطلق ؛ أن يقيدوا تفكيرهم ويغربلوا آراءهم حتى تنصب ملكاتهم الفكرية في مجال واضح ؛ ان يقتصروا في مطالبتهم بالإصلاح على الجانب الأكثر أهمية ؛ أن يعملوا علي توضيح مدى تقدم الأمة في
الناحية التي يدعون إليها ، دون ان يدفعهم سحر الجديد إلي الانتقال السريع من دعوة إلي دعوة اخرى غيرها ؛ ان يدركوا دائما وفي وضوح تام ان جميع جهودهم الاصلاحية ليست الغاية منها إظهار عبقرية المصلح ، بل إقرار الحياة في نفوس أفراد الشعب .
حكمة التفضيل :
وكما أن الحياة الأولى في عصور بزوغها وانتشارها لم تتأكد ولم تتقدم وتتطور إلا بعد انتخاب وتفضيل ، وكما أن الآكل لن يغذي بدنه تغذية صحيحة إلا بعد انتخاب وتفضيل ، فهكذا الأمم أيضا على مدى عصور تفتحها واستصلاحها ، لاتفيد ولا تصلح ولا تتقدم في وضوح وهدوء وتعقل إلا على أساس قوي من صدق الموازنة ، وحكمة التفضيل ، وعمق المعالجة ، وبراعة الملاءمة .

