انفض السامرون ، بعد ما صدعوا رأسي بأحاديث الانتخابات والنيابات ، والمطامع المكسوة أثواب القناعة ، والمنافع المتشتحة بوشاح الإخلاص ، وكان هزيع من الليل فتنفست الصعداء ، وخرجت إلي ) المشرفة ( اشرف على دمشق - وإن دمشق وغوطتها وسبع عشرة قرية من قراها لتبدو للناظر من شرفة داري في ) المهاجرين ( واضحة كأنها صفحة الكف ، يأخذ منها قضاء عرضه خمسون كيلا بنظرة واحدة من علو مائتي متر - وكانت ليلة ساكنة ، رخية النسيم ، قد زانها بدر ) شعبان ( ، فوقفت امتع النفس بها ، وآنس بسكون الكون بعد ضجة المجلس ، ورحب الفضاء بعد ضيق الغرفه ، وأرخيت العنان لأفكاري فانسابت على مهل
ولبثت ساهرا وحدي وقد نامت النجوم علي فرش المزن الرقراق ، ونامت الجبال علي أكتاف الأودية وحوافي السهول ، ونامت الغوطة في أحضان قاسيون ، ونامت الأشجار في جنان الغوطة ، حتى بردي فإنه يمشي نائما فعل الجند وهم قافلون من سفر بعيد متعب ، وقد مل من طول السفر ، وبعد الغاية التي لم يصل إليها ، وهو يمشى نحوها منذ ألف ألف سنة ، وكان يخالطه اليأس من بلوغها ، ولم يبق ساهرا معي إلا هذه الأضواء الكليلة التى ترتجف من الوحدة والخوف ، وتنظر بعيونها ) الزرقاء ( خلال الظلام فلا تبصر الطريق . .
وجعلت أفكر فأري الطبيعة ظاهرها كباطنها ، لا يضمر الجبل نفاقا ، ولا السهل يبطن حقدا ، ولا السحاب ينطوي علي مكر ، ثم أنظر إلي هذه السقوف ، التى كانت تبدو بهية براقة ، يقطر منها النور بعدما اغتسلت بضياء القمر ، فأفكر فيها . . ماذا تحت هذه السقوف ؟
كم تحتها من خبايا وعجائب ، ومؤتلف ومختلف . كم من معبد لمتهجد متنسك ، إلي جنب مخدع لمستهتر متهتك ؛ هذا خلا بربه وذاك بحبه ، فتجاوزت منهما الظلمة والنور . وكم من سرير لميت يحف به أهله يبكون ، ومضجع لعروسين احاط بهما الأقرباء يضحكون . ومن يبيت يتبرم بالولد ، ومن يتألم من العقم ، وشاك من التخمة ، وباك من الجوع ، ومسرور يتمنى لو طال الليل , ومنكود موجع ينتظر النهار . وكادح للعيش ناصب لا يستريح نهاره ولا يكاد ينام ليله ، همه المال يجمعه وير كمه ، قد حرم نفسه من أجله الطيبات ، ولو كشف له الغطاء لعلم انه إنما سخره الله لآخر فهو يجمعه له ، ويكدح من أجله ، وذاك نائم لا يفكر فيه ، ولا يباليه ، حتى يجىء وقته فيأتيه . .
وتلميذ ذكي قد اثقل جفنيه النعاس ، وهد جسده التعب ، وهو مقبل على كتبه ودفاتره ، وآخر كسلان يغط غطيط البكر ، ولو اطلعا على الآتى لرأيا أن هذه الدنيا سترفع الجاهل الخامل ، وتخفض العالم العامل ، تفيض على الأول المجد والمال ، وتحرم الثاني ، ولا يدري الحكمة في ذلك إلا الله .
وكم من زوجين باتا متنافرين ، يتمنى كل لو كان عزرائيل ووكل بقبض روح صاحبه ، وما ثمة من سبب إلا أن الزوج راح إلي الدار متألما من امر اصابه ، يبتغى الراحة عند زوجته إذ تقبل عليه مواسية مسلية , بوجه طلق وفم باسم ، وإن الزوجة كانت تنتظره وقد أناخ عليها الملل ، وترقب دخوله ضاحكا مرحا ، فلما رأته مريد الوجه خاب أملها فيه فتألمت وأعرضت ، ولما رآها معرضة ضاع رجاؤه منها فزوي وجهه عنها ، وأمل كل أن يبدأه الآخر بالصلح لأنه عند نفسه لا ذنب له ، فلما طال الوقت وهما متنافران يتراميان بالنظرات شزرا كالقطط في عراكها ، استحكمت العقدة فلم يبق إلا الطلاق !
وكم من سجين يتقلب في السجن على مثل الإبر , يذكر أهله الذين لا عائل لهم سواه ، وقد حبس في تهمة ،
وقاضيه في النادي يضارب علي المائدة الخضراء بالمال الذي قبضه رشوة من خصمه ليحكم عليه
وتائبة تجول في الطرقات الخالية مع الكلاب ، لا تجد من يمن عليها بكسرة خبز إلا إن دفعت ثمنها من جسدها لأنها زانية ملعونة ، والذي افسدها وأغواها يتصدر المجالس ، لا يذكر الناس خطيئته التي استزله الشيطان إليها في شبابه لأنه تاب منها ، ومن تاب تاب الله عليه
وكم من اديب ، اديب حقا ، قد طاعت له عصيات الكلم ، وذلت له جامحات المعاني ، ودنت له العوالي من قطوف البلاغة ، قد انزوي في خصه لا يدري به احد , ودعي جاهل ، لص معان ، وصفاف كلمات ، قد جمع له المجد الأدبى من أطرافه ، فكان له الاسم السائر , والمال الوافر .
ومتمشيخ قد لبس مسوح الزهاد ، وانزر بإزار الصالحين ، قد عرض لحيته ، وكور عمامته ، وأدلى عذبته وطول سبحته ، ودعا الناس إلى الزهد في الدنيا ، ونبذ الأموال ، ورمى النقود في الطرقات لأنها وسخ الدنيا , فلما أطاعوه ورموها خالفهم إليها فالتقطها
وكم من ازواج قد باتوا في الفرش مع نساء لا يفضلن زوجاتهم في جمال ولا كمال ، ولكنه شرع إبليس لا لذة فيه إلا مع الحرام .
وكم من نساء تركن ازواجهن وارتمين في احضان الملاعين من لصوص الأعراض .
كم تحت هذه السقوف من شاعر يعتقد الناس أنه خلق روحا بلا جسم ، وانه يتغذي بالحب ، ويأكل العواطف ، قد أغلق عليه بابه ، وطفق بعد نقوده التي يستوحيها الخيال ، ويستلهمها الشعر ، فلما رآها قليلة لا تزال ، انصرف إلى نظم قصيدة جديدة يستدر بها المال .
ونصير للفضيلة ، سخر صحيفته لها ، ووقفها عليها ، قد هرب من بيته وانصرف في تلك الساعة إلى عشيقته ليقرأ عليها مقالته الجديدة في ذم العشق ، وامتداح
الوفاء ، الزوجى ..
وفلاح عاكف على لبنه يخلطه بالماء ، وكلما صب فيه شيئا نظر إليه وذاقه ، فلما اطمأن إلي أنه لم يعد يحتمل زيادة ، جعل يفكر في أيمان جديدة يحلف بها غدا علي ان اللبن خالص لم يمسه ماء .
وباتت عشرون ألف فتاة ينتظرن الزواج ، وبات عشرون الف فتي ينتظرون الزواج ، وما حال بين الطائفتين إلا غلاء المهور ، وكثرة التكاليف ، وسخف الآباء الذين يحسبون بناتهم دواب تباع في سوق البقر ، فهم يشتطون بأثمانها ، والذين لا يمتثلون أوامر الشرع ، فيروا البنت للخاطب الكف ، ويطلقونهن في الطرقات متبرجات سافرات ، فيراهن الفاسق والصالح ، وكل ذي عينين حتى الحمار . .
وباتت الخمارات مفتحة الأبواب ، مزدحمة بالطلاب ، وبات المسجد مغلقا قد قام خطيبه بالواجب عليه ، فخطب خطبة في ذم الخمر والقى درسا ، وانصرف لينام مطمئناً بعد ما أنكر المنكر ، وأمر بالمعروف .
وكان النواب لا يزالون مجتمعين يتباحثون ، وقد مل البواب ونعس ، ولكنه بقى قائماً يعلل النفس بأن البرلمان سيأتيه بقماش رخيص ، وسيكسر رجل صاحب الدار إن جاء بطلب الأجرة ، ويسقط ديونه كلها . وتخيل الديون ساقطة فأغمض عينيه مرتاحا ونام . .
وخلال ذلك عشرة آلاف شاب لا ينقصهم شئ من مال ولا صحة ، ولكنهم لا يزالون يشكون الملل ولا يدرون ماذا يصنعون ، فيقبلون على الملاهي أو ينتحرون ، ولو دققوا لعلموا أنهم إنما ينقصهم الإيمان . وأربعمائة ألف نسوا همومهم وناموا كالقتلى . .
وجعلت ألج بخيالي هذه البيوت ، وأجول تحت السقوف ، فأجد كل خبيئة لا تعرفها أصناف الحيوان ، وإن هي عرفتها ترفعت عنها وأبتها ؛ افهذا هو الإنسان سيد المخلوقات ؟ وقيم هذه السيادة إن لم تكن بالإيمان
والفضيلة والاستقامة والصدق والعلم ؟ أليس الإنسان الذي يكفر بالذي خلقه ، ويخون وطنه ، ويسئ إلي أبيه الذي رباه ، وامه التي حملته ، ويكذب وينافق ، ويغش ويشرف ، ويكون عبد شهواته ، وأسير جهله - أليس هذا الإنسان شراً من الحمار ؟
ويل لهذا الإنسان ، أتته آلاف الأنبياء ، والحكماء ، والمصلحين ، وآلاف الآيات والنذر ، ولا يزال ممعنا في غوايته ، مقبلا علي شهواته . إن امرأة واحدة عارية تهدم في ساعة واحدة ما يبنيه الأستاذ المرشد والمصلح الهادى في عشرين سنة . .
إن الصخر الأصم ليلين ويتفجر منه الماء ، وقلب الإنسان لا يلين ؛ وإن الجماد ليعى النذر ويعتبر ، وهذا الإنسان لا يعى ولا يعتبر .
من فكر واعتبر بهذه البيوت ، كم مر عليها من ساكنين ، كم رأت من ذل بعد عز ، وعز بعد ذل , ولم يبق من ذلك شئ .. هنالك وراء الأموى كانت ) الدار الخضراء ( منزل الأخلاف من بنى أمية ، وكانت امنع من النجم ، وأبهي من الشمس ، وكانت سرة الدنيا ،
من جبال الصين إلي ) الببرنة ( فآضت اليوم مصبغة صغيرة حقيرة ، وسترجع المصبغة قصرا ، ثم يصير القصر مقبرة
هذه هي الدنيا ، ولكنا غافلون عن حقيقتنا ، مطمئنون إليها ، ظانون أنها تدوم لنا . .
ماذا بقى من بني أمية . ومن المماليك ، إلا هذه الجدران القائمة وهذه القباب ؟
وماذا بقى من بني عثمان إلا ( السراى ) . . سلوا درج ) السراى ( كم رأي من صاعدين ونازلين ، ما استقر منهم أحد . . لا رب القصر يخلد فيه ، ولا ساكن السجن كلهم عابر سبيل . .
واستغرقت في أفكاري ، فلم انتبه إلا وصوت المؤذن يرن في هذا الكون نقيا صافيا عذبا يقول : " الصلاة خير من النوم " . فقلت : صدق والله ، ومن السهر ، ومن المال ، ومن المجد ، لأنها هي التي تبقى ، على حين تفنى الدنيا بما فيها من مسرات وأحزان . وقمت إلي الصلاة .
( دمشق - دوما )
