بالأمس ولي عام ، وأقبل عام... وليس في العالم ما يبشر بأن هذا الانتقال سيخفف مما يعانيه سكان هذه الأرض من ويل وعذاب .
والحروب لا تبدأ سنتها في شهر يناير كما تبدأ السنون عادة . فالحرب العالمية الاولى عام ١٩١٤ بدأت في أواخر الصيف ، وبدأت الحرب العالمية الثانية في أوائل الخريف لأن الذين يريدون ان يقذفوا بالجنود في ساحة الدمار ، ينتظرون ربما يحصد الحب ، وتخزن الغلال ، ويجمع القوت . وهنالك يثبون وثبتهم ، ويوقدون الحجيم الذي يريدون ان يصلى به العالم حينا من الدهر . وهم في
مسلكهم هذا ) إما يفعلون ما كان يفعل أباؤهم في عهود الجاهلية الأولى . والمعروف عن المتوحشين اليوم أنهم لا يلبثون ان يجمعوا القوت ، ويحصدوا الغلال ، حتى يبادروا بالتفكير في فريسة ينقضون عليها ، أو مال يسطون عليه . لهذا لم يكن من محض الصدفة ان بدأت الحرب العالمية الأولى والثانية في موعد واحد ، وهو نهاية الصيف وأول الخريف .
ومع أن سنة الحرب لا تتفق في بدايتها مع السنة المألوفة للناس ، فان من المناسب وقد استقبلنا بالأمس عاما جديدا ، ان نقف لحظة لكي نلقي نظرة واسعة شاملة علي هذه الأحداث التي تنتاب عالمنا المسكين . فان كثرة التأمل وإطالة النظر في الحوادث المتعاقبة ، كثيرا ما يحول بيننا وبين رؤية الأطوار الكبرى ، والمراحل الواسعة لهذا الصراع العنيف
لقد بدأت هذه الحرب في غرب أوربا ، في مكان
محدود من سطح الارض ، ولهذا لم يرد الكتاب أن يصفوها بأنها حرب عالية . وقد وقفت ألمانيا وحدها في ذلك الوقت امام كل من فرنسا وبريطانيا . ولكن المانيا لم تشهر الحرب إلا بعد أن أعدت لها من أدوات التخريب والتدمير عدة هائلة ، لم يعرف العالم لها نظيرا
ولم يسبق في أي عصر من العصور أن كان في العالم كله هذا العدد العظيم من السلاح والذخيرة . وكان الناس يدركون بعض الادراك أن الاستعداد الحربي الألماني كبير ضخم . ولكن لم يكن فيهم من يستطيع ان يحلم بأنه قد بلغ هذا الشأو البعيد الذي فاق كل وهم وخيال . .
أجل ، وليس من الاسراف في شيء أن نقول إن ألمانيا دخلت الحرب مدججة بالسلاح ، وخصومها عزل منه إذا قيسوا إليها . ولهذا لم تلبث انتصاراتها السريعة في الخريف الاول والربيع الذي بعده ان بهرت العقول ، وأوقعت الرعب في النفوس ؛ وأيقن كثير من الناس أن المانيا لا تغلب ، ولا يمكن لها ان تغلب ؛ ورسمت بعض الدول سياستها على هذا اليقين ، فدخلت إيطاليا الحرب إلى جانب ألمانيا ، لكي تشاركها النصر وثمرات النصر .
واتخذت حكومة فرنسا خطة الممالأة والاسترضاء للدولة الغالية من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه أما بريطانيا ، التي تتعود الاذعان حتى تستنقد آخر ما في جعبتها من السهام ، فإنها وقفت وحدها أمام كل من المانيا وإيطاليا ، ساعدها على عنادها هذا موقع جزرها الجغرافي ، الذي عجزت قوات ألمانيا ان تصل إليه من البر أو البحر ، واضطرت لان تقنع بامطاره وابلا من التخريب والتدمير من الجو
وبرغم ما ابدته بريطانيا من عناد وجلد . فلقد انقضي عام ١٩٤٠ ، تسوده ظاهرة واحدة هائلة ، وهي تفوق
ألمانيا الحربي الضخم ، وقوتها الساحقة الماحقة في ميدان القتال
إن ألمانيا هي خير مقياس تقيس به أطوار هذه الحرب الشعواء . فالطور الأول : هو طور تفوقها واستعدادها الهائل ؛ وذلك ما امتاز " عام ١٩٤٠ . ولم ينقص من مركز المانيا هذا ما مستبت به شريكتها إيطاليا فى الويل والعذاب في البانيا ولوبيا ولو ان الحرب انتهت في ذلك العام لما كان هنالك مندوحة من ان تخرج اليها المانيا فائزة ظافرة ، ولها من القوة والمنعة ما يجعلها اكبر دول العالم إلي مدى سنين عديدة ، ولعل هذا ما كان يقدره سادتها وقادتها . ولعلهم حسبوا حسابهم ، وبنوا سياستهم على حرب خاطفة ، تخرج منها جيوشهم بعد زمن وجيز وعليها أكاليل الظفر والمجد . لكي ينعموا بعد ذلك بسيادة العالم والسيطرة على حوادثه .
إن هذا الغرض الضخم الواسع لم يتحقق . وقد منيت خطة لحرب الخاطفة بفشل ذريع لا يمكن إخفاؤه او إنكاره . ودخلت الحرب في طور جديد ، هو طور التكافؤ النسبي بين المانيا وخصومها ، الذين بداوا هم ايضا يجمعون للحرب عدتها ، ويتخذون اهبتهم الكاملة للقتال . ومنذ ذلك الحين انقضي عهد التفوق الساحق لألمانيا ، وبدأ الطور الثاني .
إن العام الذي ودعناه بالأمس قد امتلأ بالأحداث الهائلة ، والتغيرات الكثيرة ، والمفاجات التي لم يكن يتوقعها احد ، في ذلك العام مدت المانيا سلطانها حتى بسطته على جزيرة البلقان . وبلغت ساحل البحر المتوسط . وأرسلت قوة من جيشها معدة خير اعداد إلي صحراء لوبيا ، لكي تعاون الطليان في حربهم التي باءوا فيها بالخسران . فأحرزوا في الصحراء انتصارات سريعة ، ولكن هذه الحروب في البلقان والصحراء لم تستنفد من قوة ألمانيا
سوي الشطر اليسير . ولم تفقدها مركزها الممتاز كدولة تمتلك من عدة الحرب ما لا تمتلكه دولة أخري .
ولكن حادثا آخر أقدمت عليه ألمانيا في منتصف ذلك العام الخطير . قد ادخل على هذه الصورة تعديلا جوهريا . فإن المانيا في شهر يوليو من ذلك العام قد قررت أن تقدم على عمل هائل جريء . تمد اعمالها السابقة بالنسبة إليه من الأمور اليسيرة السهلة . ذلك العمل هو غزو روسيا ، ذلك القطر الواسع الارجاء الذي لا بد لألمانيا ان يحشد فيه جيوشا جرارة ، وعدة حربية هائلة ، في ميدان لم يسبق للعالم ان رأي نظيره في الضخامة والاتساع
ليس لدينا دليل نستطيع أن نسترشد به علي أن الهجوم على روسيا كان خطة مدبرة منذ بدأ عام ١٩٤١ . بل لعل هنالك بعض الأدلة على أن ساسة المانيا وقادتها لم يكونوا يقدرون في أول ذلك العام أنهم سيضطرون إلي الاقدام على هذه المجازفة الهائلة . فان من المأثور عن زعيم ألمانيا أنه خطب في شعبه في نهاية عام ١٩٤٠ فقال : " أيها الجيوش النازية المجيدة ، إن عام ١٩٤١ سيحمل للشعب الألماني في الميدان الغربي نصرا باهرا لم يشهد العالم له نظيرا " وقد انقضي ذلك العام دون ان تقدم ألمانيا علي عمل جديد ذي خطر في الميدان الغربي . بل اتجهت قواتها إلي البلقان فاحتلته ، ثم زحفت زحفها المشهور على دولة السوفيات .
لقد حدثت أحداث جليلة أخري في عام ١٩٤١ ، اهمها من غير شك إقدام اليابان على إعلان الحرب على كل من أمريكا وبريطانيا . وقضت بعملها هذا على عزلة امريكا وترددها ، وأدخلتها في حومة القتال راغبة او كارهة . ولم يسبق للولايات المتحدة أن كانت متحدة الكلمة كما هي
اليوم ، وذلك بفضل هذا العدوان المفاجي الجريء . وهكذا بات المحيط الهادي - للمرة الأولى في التاريخ - ميدان حرب ضروس لا تعرف رحمة ولا هوادة ، وبهذا استطاع شيطان الحرب ان ينشب مخاليه في جميع انحاء الأرض ، وان يشمل بويلاتها كل قطر وكل ركن من أركان هذا الكوكب . وفي أقل من لمحة العين استحالت الحرب الأوربية إلي حرب عالمية
في العام الماضي إذا اجتاحت الحرب قارات جديدة ، ومحيطات وبحارا واسعة ، كانت بنجوة منها . واكتوي بلهيبها مئات الملايين من بني الانسان . وأصبح من الجائز ان يقال إن ذلك العام لم يكد ينتهي حتي كان سكان الارض جميعا في حرب شعواء محمل الوبل والثكل والتدمير لكل أسرة ولكل منزل . وبهذا كانت تلك السنة ( ١٩٤١ ) مقطوعة النظير في تاريخ الأرض وسكانها وليس من السهل أن نتصور أن سيكون في عامنا الجديد تقلبات هائلة واسعة المدى تشبه ما حدث في سابقه . بل اقصى ما يمكن حدوثه ان يفوز فريق على فريق فوزا كبيرا أو صغيرا ، جليلا او حقيرا . ففي العام المنصرم قد اكتمل المعسكران ، وعرف كل شعب ودولة مكانه من كل منهما .
إن دخول اليابان وأمريكا الحرب حادث خطير من غير شك ، وقد بهر أمره الناس ، وانساهم حقيقة عظيمة لا يصح أن تعزب عن أفكارنا . وهي ان موقف المانيا لا يزال برغم هذا التطور الباهر العنيف ، هو الحادث الأول . الذي سيقرر مصير هذين المعسكرين . ورغم ما احرزته اليابان من انتصارات سريعة في المحيط الهادي . فان من الواضح أننا إذا أضفنا اليابان إلي أحد المعسكرين وأمريكا إلي المعسكر الآخر ، فان هذا لم يغير كثيرا من تكافؤ القوي بين الفريقين . وسيظل الميدان الأوربي برغم هذه الاضافة
الهائلة هو الميدان الرئيسي الذي يتقرر فيه مصير الحرب . وهنالك جزء واحد من الميدان الأوربي له من الخطر والشأن الواضح ما يجعله العامل المرجح في مصير أوربا والعالم . وذلك الجزء هو من غير شك الميدان الروسي ، لأن ألمانيا إنما تهدد اليوم من هذا الميدان وحده . وألمانيا - كما قدمنا - هي المقياس الذي تقاس به ( اطوار الحرب . ولهذا فان الميدان الروسي لا يزال اكبر الميادين خطرا ، وأعظمها اثرا في مصير الصراع العنيف .
والعام الماضي قد سجل في هذا الميدان الخطير ظاهرة جديدة لعلها أهم وأخطر حادث في الحرب كلها . تلك الظاهرة هي تراجع القوات الألمانية في الميدان الروسي وتقدم جيوش السوفيات .. وفي شهر ديسمبر كنا نسمع في الأنباء بمعارك تجري في نفس المواضع التي كنا نسمع بها في شهر نوفمبر ، هذه الاسماء ترددت وتكررت في خلال هذين الشهرين . ولكنها في الشهر الأول ( نوفمبر ) كانت أمكنة تستولي عليها القوات الألمانية ، ويتخلى عنها الروس . أما في شهر ديسمبر فكانت أمكنة يستردها الروس ، وتتراجع عنها الجيوش النازية .. وهكذا تقدم الروس في جميع الميدان الممتد من شرق ليتنجراد إلي بحر أزوف مسافة لا تقل عن مائة كيلو متر في طول الميدان كله .
ولقد خطب زعيم ألمانيا في أوائل شهر أكتوبر من العام الماضي فقال : إنه أخطأ في تقدير قوة روسيا ، واسكنه مع ذلك بشر سامعيه بأن الجيوش الروسية قد ضعفت جدا ، ولم تعد قادرة على مقاومة خطيرة . ووعدهم بقيام الجيش الألماني بحملة سريعة ، يحرز فيها نصرا حاسما قبل حلول الشتاء ، وقامت الجيوش النازية بمجهود جبار حتى بلغت أبواب القوفاز في الجنوب ، وأبواب العاصمة ( البقية على صفحة ٣٠ )
بقية المنشور على صفحة ٦
الروسية . وكان أكثر الناس يتوقع أن يتم الاستيلاء علي تلك العاصمة بين آن وآخر ، وإذا بالعالم يفاجأ بأن الجنود الروسية في أوائل شهر ديسمبر قد عبرت نهر الدون في الجنوب ، واضطرت النازيين إلي التقهقر وإخلاء روستوف ؟ وسمعنا للمرة الأولى في تاريخ القوات النازية أنها تتراجع ، وأنها تخلى مكانا خطيرا استولت عليه ، وارتبكت الدعاية الألمانية لهذه الظاهرة الغريبة ارتباكا واضحا . فأخذت تدلي بأعذار متناقضة ، فزعمت أول الأمر أن هذا التراجع إنما يراد به معاقبة المدنيين الذين كانوا يهددون مؤخرة الجيوش الألمانية ثم زعمت بعد ذلك أنه يراد به تعديل لخطوط القتال ، وتنظيم لها من أجل حرب الشتاء ؛ ولكن التخلي عن بلدة مثل روستوف لا يمكن أن يساعد على تنظيم خطوط أو إصلاح دفاع . وجاء بعد ذلك كبير الدعاية النازية فأخذ يطلب من بني قومه أن يبذلوا للجنود في روسيا ما لديهم من ثياب وفراء وأغطية ، لأن القوات النازية تحارب عدوا يفوقها عددا . . وهذه المرة الأولى التي يدلي فيها مثل هذا التصريح الخطير وقيل أيضا في تفسير تراجع الألمان ، إن الشتاء القارص جعل من الصعب أو من المستحيل تسيير العدد الميكانيكية التي لا يستطيع الألمان الحرب بدونها ، ولهذا اضطروا إلي التقهقر . ونحن لا نستطيع أن نقطع أي هذه الأسباب أكثر رجحانا وقوة . ولكن من الواضح أن هذا التراجع حادث على جانب غير قليل من الخطر في تاريخ هذه الحرب . وإن يكن من التسرع أن تبنى عليه نتائج حاسمة . وهو على كل حال أعظم حادث جري في ذلك العام الذي امتلأ بالحوادث الجسام ، لأنه أكبر اتصالا بمركز ألمانيا الحربي من أي حادث آخر .
