هي قصة "أنبو وبانا" ذكرها العالم فلندرز بتري في كتابه - " حكايات مصرية " وقد ترجمها عن اوراق البردي .
وقال عنها الدكتور جارنيت : - هذه اقدم قصة وصلت إلينا مدونة مكتوبة وإن كان لا جدال في ان الخيال البشري كان خصبا وكان طيب الثمر لاجيال عديدة سبقت عصر هذه القصة .
وكذلك لا جدال في صحة حوادثها وفي الدقة التاريخية فيما لابسها من زمان ومكان .
ووقائعها باقية كما كتبها كاتبها لم يمسها التبديل والتحويل .
والأوراق التي كتب عليها القصة بخط يده الكاتب المصري " أنانا " لا تزال بالمتحف البريطاني .
وقد حلت رموزها . ثم ترجمت إلي الإنجليزية ثم اصبحت حقائقها - بعد ان خيم عليها الظلام - سافرة تمشي على الأرض .
والقصص المصرية - يقول العالم فلندرز بتري - ليست من نسج الخيال ووحيه . إنما هي قصص تحدثنا احاديث الرجال والنساء الذين كانوا يعيشون عيشنا والذين اضحكهم الدهر وأبكاهم ، والذين شربوا كأس الحب حلوه ومره .
فإذا رأيت في ثنابا القصة أشياء لا يستسيغها عقلك فاعلم ان تلك الأشياء هي وليدة معتقدات القوم ووحي أساطيرهم .
ولكن جل ما جاء بالقصة ممكن حدوثه اليوم في أي زاوية من زوايا البيوت في أي ركن من اركان العالم . ما دام المعتقدات القديمة عند اصحابها مربع ومصيف .
وانت تري المصريين في هذه القصة ليسوا بناة اهرام وصانعو موميات . بل تراهم رجالا ونساء عاشوا ولهم
أهواؤهم وعيوبهم . ولهم إيمانهم وجنونهم .
والعالم "ديترى" يرجع بالقصة إلي العائلة التاسعة عشرة ، بل إلي أبعد منها في بعض المواضع .
وإليك القصة ملخصة:- يحكى انه كان هناك أخوان من أب وأم واحدة وكان اسم أكبرهما " أنبو " وكان اسم الأصغر " باتا " .
وكان لاكبرهما بيت . وكانت له زوجة . وكان اخوه الأصغر في مقام الولد . وكان هذا يخيط للأكبر ثيابه ويحرث له ارضه ويحصد له زرعه .
وكان يسوق الماشية صباح كل يوم إلي الغبط ثم يردها كل مساء إلي البيت محملة بخيرات الأرض وباللبن وبالحطب .
وكان يأكل ويشرب وينام مع الماشية حيث تنام ، وكان فوق ذلك من رعاة الغنم القادرين .
فإذا جاء أوان الحرث قال له أخوه الاكبر : - إن الأرض قد بلغت ماءها واصبحت صالحة للحرث فأتنا بزوج من الثيران ثم ائتنا بالبذور لكى نبدأ الحرث في صباح الغد .
وإذ هما يحرثان الأرض بدا للأخ الاكبر أن يبعث بأخيه الأصغر إلي البيت ليأتي مقدار آخر من البذور .
وفي البيت لقي امراة أخيه تمشط شعرها . فاستعجلها في طلب البذور فأشارت إليه ان اذهب إلى الصومعة وخذ منها ما تشاء . فصدع بما امرت وقال لها إن اخذت ثلاثة مكاييل من الشعير ومكيالين من القمح . فوقفت تنظر إليه وهي تقول : إنك لقوي متين وإني لاراك تزداد بسطة في الجسم كل يوم . وقد قالت هذا القول بوحي من شبابها ثم قامت إليه تكلمه وهي تقول : نعال واجلس إلي فسوف اجملك من السعداء . وسوف اصنع لك ملابس جميلة . فهاج لذلك الكلام هائج الفتي . وثار ثائره . فارتاعت المرأة لذلك وانذعرت .
ثم قال لها الفتي : - انت مني في منزلة الأم وزوجك مني في منزلة الوالد ، فهو الذي رباني صغيرا . فما قول الزور هذا الذي تقولين ؟ انصح لك ان لا تقوليه مرة اخري .
ولست بقائله لكائن من كان ذلك لأني لا أريد ان يعيد القول فيه كائن من كان .
ثم احتمل حمله وسار إلي الغيط قدما . ولقي أخاه. فأكملا ما بدءاه من عمل .
وفي المساء سبق الأخ الأكبر اخاه إلي البيت وسار في أثرء بعد قليل اخوه يجر الثيران ويحمل إلى البيت ما وسعه حمله من خيرات الأرض .
ونحن الآن في البيت ننظر إلي الزوجة وقد شربت مقدارا غير قليل من السمن فورم جسمها وبدت كأنما قد ضربت ضربا مبرحا وكأنها تريد أن تقول لزوجها : -
إنه أخوك الأصغر هو الذي فعل بي ما تري . ثم عبست في وجهه وتولت . ولم تصب له الماء على يديه كعادتها . ولم توقد له القنديل . وامتدت فوق سريرها مريضة عليلة .
فسألها زوجها : ما بك ؟ قالت : إن أخاك قد أساء إلى وقد مسني منه الضر فقد راودني عن نفسي فزجرته وقلت له : - ألست منك في منزلة الأم . وأليس زوجي منك في منزلة الأب ؟ فارتاع لقولى وذعر ثم ضربني ليخيفني حتى لا أنبئك بما كان منه . فإذا أنت أبقيت على حياته مت أنا حزنا وغما .
فهاج هائج الزوج وأعد سكينا وأمسك بها ووقف خلف الباب ليذبح أخاه .
وإذ دخل أخوه الأصغر حظيرة الماشية قالت له أولى البقرات : - انظر إلى اخبك إنه واقف امامك وفي بدء السكين ليذبحك فانج بنفسك هربا . ثم أيدت قولها بقرة اخري ، فنظر فرأي أخاء في الهيئة التى وصفتها البقرتان ، فرمي إلى الأرض ما كان يحمله وولى هاربا .
فجري أخوه وراءه فدعا الآح الأصغر ربه وقال : - رب إنك انت الذي تميز الخبيث من الطيب . وانت خير
الحاكمين . فسمع الإله صرخته وأجاب دعاءه وجعل الإله بينه وبين أخيه نهرا يعج بالتماسيح .
فكان أحد الأخوين على إحدي الضفتين وكان الآخر على العدوة الأخرى .
فنادي الأكبر أخاه وقال له : إني لست بذابحك فأجابه الأصغر : ليمهل كلانا اخاه إلى صباح الغد ولنحتكم إلي الإله " رع " عند شروقه . فهو أعدل من يحكم بيننا . وسوف لا تراني بعد يومنا هذا . وسوف أهجرك هجرأ طويلا . وسأذهب إلي وادي السنط .
فلما أصبح صباح اليوم التالي وأشرقت " رع " قال الأخ الأصغر لأخيه : ما الذي حدا بك أن تجري ورائى لتذبحنى خيانة وغدرا ؟ ولماذا لم تستمع إلي حججي ؟ ألست أخاك ؟ أليست امرأتك مني بمزلة الأم ؟ ولكن امرأتك قد ضللت بك ، وكذبتك القول . وخلقت مني متهما . وانا البريء العف الذبل ، وجعلت من نفسها بريئة وهي المجرمة العاتية .. ثم أخذ الصغير سكينا وقطع قطعة من لحمه ورمي بها إلى الماء فأكلها السمك .
ثم أغفي إغفاءة من فاضت روحه . . فندم أخوه على فعلته وود لو استطاع ان يمتطي ظهر تمساح ليلحق بأخيه على الضفة الآخر .
ثم رجع إلي بيته يكاد يقتله الحزن ثم ما لبث أن ذبح امرأته ورمي بجيفتها إلى الكلاب ثم جلس يندب أخاه . . "
( عن الإنجليزية )
