النمسوية . وقد اشترك فى حرب التحرير ضد نابليون ، وعين بعد الحرب مستشاراً بوزارة المعارف ببرلين . واستقال من منصبه لخلاف مع وزيره . وظل من ذلك الحين ينتقل بن ألمانيا والنمسا حتى مات فى ٢٦ نوفمبر سنة ١٨٥٧
وكان أبشندورف كافا بالطبيعة ، فكانت أول ما حرك خياله . ووضح قصره فى لبوفنس - ولعله القصر المذكور فى هذه الأقصوصة - فقد كان من شأنه أن يحب إلى الغلام الشديد الإحساس ، الطلب الحبال ، نسج الطبيعة الساجى . فلما كان فى جامعتى هال وهيدلبرج عززة أثير الرومنيين هذه النفسية الشاعرة ، خص من هؤلاء بالذكر أرنيم وهاردنبرج ثم بعد ذلك فريدريك شليجل فى فينا .
وايشندورف شاعر غنائي وكاتب روائى ومسرحي ] كان فى سالف الزمان طفلان يدعيان كاسيل وأنيرل . وكان كلاهما يجب الآخر حبا جما ، فجلسا ذات مرة أمام
البيت ، بنظر ان إلى صور فى كتاب ضخم جاءت به أنيرزل . وكانت الطيور تغرد فى الغابة ، والشفق تجاههما بمثلي الجبال . وكان فى الصورة بقعة متناهية فى الحسن : مروج خمِسية ، وأنـهر عذبة ، وقرى وقصور ، ومن خلف ذلك جبال متعرجة ، فى تعرجها رائعة ، ذات كنائس وغابات تخيم عليها الوحدة . وكان على اطرافها موكب يسير ويرفع أعلاما بـهيجة الآلوان . وانتشر الشفق فوق الصورة فأنعم كاستبرل وأنيرل النظر وحدقا فيها ، وأطالا التأمل ، فإذا بالآشجار الملونة يسمع لها دفعة واحدة حفيف خفيف ،
وإذا بالطيور الجميلة المبرفشة تطير فوق المنظر ، وعيون الينابيع تترقرف فى الجبال ، وترفرف الأعلام ، وترتفع من الموكب ، وهو سائر من بعيد ، أصوات الغناء وقبل ان يفيق الغلام من دهشته أبصر أنبرل وسط هذا المنظر نومئ إليه مسرورة فتشجع أخيرا ، وقفز وراءها ، وجريا معاً فرحين ، يوغلان فى الكتاب ، ويتعمقان فى النظر - وإذ يلتفت كاسيرل وراءه لا يجد اثرا للبيت ولا للناحية التى كانا فيها ، لكنه ما يزال بتناهى إليهما من الموكب صوت الغناء ، حينا بعد حين . وقد غربت الشمس من أمد ، وبعديهما الطريق ، فكلما أوغلا فيه ، اشتدت وحدتـهما ، وتفخم ما حولهما .
وإنها ليخرجان من قوس صخرى اجتازاء ولما يكادا ، إذا بـهما دفعة واحدة يريان حيالهما جبالا شاهقة فيُشدهان ، ثم لا يليئان أن يلمحا فوق أعلى جبل قصرا دائما ، شيد من فضة خالصة ، وا كقصى بالذهب ، تجلس أمام بابه امرأة رائعة الحسن ، بارعة الجمال ، غلبها النعاس فمالت على فيثار ، يتبعث من خِصَلها المرسلة ، وثيابـها الفضفاضة ، ضياء ساطع مثل ضوء القمر ، ينير جبال الألب ، والشعاب والغاب ، والهـُوًي العجيبة المحدقة . وفى أسفل ، حيث لا تصل الأشعة ، أفزام حُدْب بتشغلبون من صخرة إلى صخرة ، ويثبون مرحين ، ومن بعيد يرن جرس أحد النساك ، وعلى الصخرة المقابلة صياد ضل الطريق ، ينفخ بين الحين والحين فى البوق محاربا هذا الرنين . أما فوق حيث يقوم القصر وترعى على المنحدرات خـِــــــراف بيض ، ومن برج القصر المنيف ملائكة تزمر في مزامير من الفضة نغمات عذبة ، ترنق فوق سكون الوديان .
وقالت انيرل وهى تشير إلى المرأة الجالسة أمام باب القصر : هذه هي الإلهة لوناً فسألها كاسيرل : أو تعرفينها إذاً ؟ فضحكت وقالت : ما تزال فى سنك هذه غبيا جدا . إبق ملاصقا لى ولا تبتعد عنى ، أو ضللت هنا .
لكن كاسيرل رأي فى هذه اللحظة رجلا هرما ، ضخما ، فابعا على جانب الطريق ، وفي عنقه كيس ملئ بالتفاح النضر ، فسأل امايه ، واشتهى أن يشترى بضع تفاحات فى طريقه على عجل . غير أنه ما يكاد ينظر إلى داخل الــــكيس ، حتى يقتنصه الرجل من قدمية ، ويدسه فيه ، ويربط الــــــكيس فوقه ، وهو يقول له : الان تقع فى يدى . ويمد ساقيه مغتبطا ، ليستريح قليلا .
وجعل كاسبرل فى خوفه وفى الظلام الذى يكتنفه
يتخبط محنقا ، ويدفع فى التفاح بمرفقية . لكن صوتاً رفيقا صر بغتة بجانبه يقول : لا تكن فظاً إلى هذا الحد ، فإنك تضغطى
فسأله كاسيرل مخافناً: أهو أنت ؟ قال الصوت : أجل إنه أنا . قد أسرت مثلك ، ولى أمد طويل أفرض الكيس ، حتى كلت أسنانى . الآن قد استغرق الشيخ فى النوم ، أما تسمع غطيطه ؟ ولك أصابع قوية ، غليظة ، فتفضل تساعدنى قليلا على تمزيق الكيس
وكان الصاحب الذى يتكلم بهذا الكلام المهذب فأرا لطيفا ، صغيرا . فمزق كاسيرل محاذر مزقا من الكيس انسل منه الفأر ، ولم ينس وهو يقلت أن بعضه من اؤمه في أصبعه ، وانساب مسرعاً فى ضوء القمر ، وكاسيرل يسمعه بين الحجارة المبعثرة بضحك من بعيد ، ويزحف كاسيرل ل أيضاً فى سكون ، ويدس فى جيبه علي عجل تفاحة جميلة ، وهو يخرج من الكيس ، ثم ينطلق سريعاً - لكن الشيخ كان يرتدى ، علم الله ، ثوبا خشناً ، ذلك أن كاسيرل وقع مرة واحدة فى شئ مشوش ، غير ممشط ، بشبه الدغل ،
إذ ضل الطريق في عجلته ، فبدلا من أن ينحدر ، تسلق كم ثوب الشيخ . فلما اعتلاء تملكة العجب ، فقد كان الصبح تنفس ، ولم يكن آكل لحوم البشر من تحته سوى الصخرة العتيقة النبراء ، القائمة تجاه بيت أبيه ؛ وحيث رأى القصر البديع والشعاب العجيبة فى ضوء القمر ، يرى سحباً كثيفة صُهبا ً، مستقرة بعضها فوق بعض طبقات ، ما تزال تتمطي فى نومتها ، ورأى كاسيرل مداخن القرية يتصاعد منها الدخان ، والجار بنثاءب عند الباب ثم يناديه : كاسيرل ياديك الصباح ! العلك تريد أن تعلن النهار بالصباح . أو فما اعتلاؤك الصخرة فى هذا البكور ! .
وذهبت أنيرل الجميلة ولم تعد ، ولم يكن أحد يعلم عنها شيئاً ، فقد كانت دائماً تأتى من الغابة لتلعب معه عند كل مساء . فلما افتقدها حزن عليها حزنا شديداً . وكان
عليه أن يتعلم كثيراً ، وكان يشتاق إلى العلم اشياقاً كبيرا ً، وبنمو فى تلك الأثناء ، ويشتد ساعده قليلا قليلا . وفى ذات ليلة والقمر بريق ضوءه الساطع فوق الغابات ، خُيل إليه أن تلك المرأة الرائعة الحسن ، البارعة الجمال ، تجلس فوق الجبل ، قبالة البيت ، وفى يدها كتاب الصور القديم تتصفحه ، وأنـها كلما قلبت أوراقه انعكست لألا ، الصور الذهبية على النافذة تتخطى الشجر ، فتولاه القلق .ولم يكد ينبين بياض النهار حتى كان فى غرفته مرتديا ملابسه ،
جالساً إلى خوانه ، معتمداً رأسه بين يديه . وتذكر الآن فقط أن التفاحة التى التقطها يومئذ من الكيس ما تزال فى جيبه ، فأخرجها وفضمها من الهم يريد أن يأكلها ، وما كاد يفعل . فقد صاح شئ فى داخلها على الأثر ، وأطل رأس يجاهد فى الخروج ، وحين كسر التفاحة أخيراً متعجبا ، خرج من كن البذور مخلوق صغير ، أسمر اللون ، يحمل كيساً ، ويتوكأ على عكاز .
وسأله كاسيرل : من أنت ؟ فأجابه رجل التفاح : وداعاً ! ومشي فوق الخوان ، ثم وقف فجأة على حافته ، لأنه لا يستطيع الهبوط .
وقال كاسيرل : سأعينك على النزول أيها الرحيل المسكين ، على أن تعدنى شيئاً . أيسعك أن تقتادنيى إلى الإلهة لونا ؟ قال الرجيل : ولم لا ؟ .
فحمله كاسيرل بين أصابعه ، ووضعه خارج البيت فوق الــــــكلاٌ ، وارتحلا معاً . وكان الصغير يعرج فى مشيته ، إذ كان كاسيرل قد عضه فى إبهام رجله ، وهو يقضم التفاحة . لكنهما ما إن يوغلا فى البرية حتى يطلق الرجبل ساقيه للريح ، يزك كالجندب ، ثم يضحك ويصيح بكاسيرل : إلحق بى ، إلحق بى ! فلك هاتان الساقان المديدتان ! وقبل أن يفكر كاسيرل فى اللحاق به ، كان قد اختفى بين
العشب النامى ؛ فمكر بكاسيرل هذه المرة كما مكر به أول مرة
واتفق أن كان اليوم أحدا ، وكان الصباح صباحا جميلا وكانت شجرة كثري تحتاز الحقل فى طريقها إلى الكنيسة ، تحف فى مسيرها بحمد الله ، فحياها كاسيرل بتحية الصباح وسألها هل رأت جواباً أسمر اللون ، بهذا الحجم ؟ - فأجابت الشجرة : أعتقد أنى وطأت من هنبهة مثله ، وهو بين العشب . - فقال كاسبرل : رباه ، لقد اضلنى الطريق ، فبت لا أعرف أين أنا ! ليتني أعرف صخرة أو برجا أطل من أحدهما على ما حولى لعلى اهتدى إلى سواء السبيل .
ورأت شجرة الكمثرى أن وقتها أضيق من أن بتسع المخارق ؛ وأحزن كاسيرل هذا الرأي فيه ، إذ كان يريد المضي إلى غرضه . وقالت الشجرة : تعال ، تعال ، فما أكثر متاعبكم أيها الصغار ! وأخذت تصعد جبلا عاليا ، مبهورة من الجهد ، تزفر وتئن . فلما بلغت الغابة وقفت ، واستعرضت ، وأصلحت من شأنها ، ومدت أغصانـها النضرة الخضراء فى جوله مثل زرقة السماء . ودعت كاسيرل إلى تسلفها ، فلم يتردد فى نبوء عاليها ، وما كاد يفعل - فقد صاح بغتة : مرحى مرحى ! وطوح بقبعته إلى أعلي . ذلك أنه تبين فجاءة فى الناحية الأخرى ، ما كان يطلب من جبال عجاب ، وقد كاد يصبه الدوار من فرط الغبطة
وقالت الشجرة : لا تجذبني هكذا ، فشدك مؤلم . وأسرع كاسيرل بالهبوط عن الشجرة ؛ واهتزت الشجرة من نسيم الصباح ، وغطت العشب ، بثمارها البهية ، الجميلة الذهبية ، فذهبت تتدحرج ، وتثب جذلانة فوق المنحدر الاخضر ، وكاسبرل فى أثرها يقب وثبها فى أضواء الصباح ، إلى الناحية البهيجة . وإذا كانت الجبال فى ضوء القمر جميلة مرة ، فكل شئ الآن فى نور الصباح ، وضيائه اللامع ، أجمل ألف مرة فالقصر الفاخر وأبراجه الساجية ، يغمرها وهج أحمر كالورد ، والغدران تلمع وكأنها ذهب
خالص ، والغابات تخفخف وتبرق من الياقوت والزمرد ، وفوق الألب ملائكة واقفة تزوج على حمرة الشروق بأجنحتها المنتشرة ، المشبهة فى ألوانها قوس قزح .
وإذ يبلغ الغاية أخيرا ، يرى دفعة واحدة فتاة آية فى الحسن ، على وعل أبيض ، بزين شعرها توعج بهيج براق ، فيصيح فى عجب : رباه ، هذه أعرفها - فهي عزيزته أنيرل وتقف انيرل ضاحكه تقول : لقد غربت السيدة الجميلة " لونا " فى الليلة الفائتة ، وهى تقرئك السلام . أما أنا فابنتها أورورا ملكة الغاب .
فيصيح كاسيرل وهو يثب وراءها فوق الوعل : فلأكن أنا الملك .
وانطلقا فى عتمة الغابة ، مارين بقصور منعزلة ، وجداول باردة ، وحدائق ، وابعاد لماحة ، وكل من رآهما من بعيد يكاد قلبه بثب من الفرح . - وهما من ذلك الحين يقيمان معا فى هنــــــاء طاغ رنان ، وما داما لم يموتا فلا بد أنـهما يعيشان إلى الآن .
