الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 391 الرجوع إلى "الثقافة"

أقصوصة

Share
[ ولد الشاعر يوسف فون أيئنذورف كاتب هذه الأقصوصة فى ليبوفنس من أعمال سيليزيا فى ١٠ مارس ١٧٨٨ وتلق تعليمه الثانوى فى برسلاو ثم دخل المدرسة العالية فى مدينة حال حيث درس القانون ، وانتقل منها الى جامعه هيدلبرج . وهناك اتصل بكثير من رجال الأدب منهم أوليم ويرنانو وجوريس ، فأم بذلك بالتيارات الأدبية فى عصره . وقد نشر أول قصائده باسم مستعار هو فلوراس ، وساح فى فرنسا والنمسا ليستكمل علمه بأحوال العالم ، ثم رجع إلى ضيعة آلائه حيث عاش كما يعيش النيلاء . لكنه لم يلبث أن سم الوحدة فار تحمل الى فينا ، والتحق بخدمة الحكومة

النمسوية . وقد اشترك فى حرب التحرير ضد نابليون ، وعين بعد الحرب مستشاراً بوزارة المعارف ببرلين . واستقال من منصبه لخلاف مع وزيره . وظل من ذلك الحين ينتقل بن ألمانيا والنمسا حتى مات فى ٢٦ نوفمبر سنة ١٨٥٧

وكان أبشندورف كافا بالطبيعة ، فكانت أول ما حرك خياله . ووضح قصره فى لبوفنس - ولعله القصر المذكور فى هذه الأقصوصة - فقد كان من شأنه أن يحب إلى الغلام الشديد الإحساس ، الطلب الحبال ، نسج الطبيعة الساجى . فلما كان فى جامعتى هال وهيدلبرج عززة أثير الرومنيين هذه النفسية الشاعرة ، خص من هؤلاء بالذكر أرنيم وهاردنبرج ثم بعد ذلك فريدريك شليجل فى فينا .

        وايشندورف شاعر غنائي وكاتب روائى ومسرحي ] كان فى سالف الزمان طفلان يدعيان كاسيل وأنيرل . وكان كلاهما يجب الآخر حبا جما ، فجلسا ذات مرة أمام

البيت ، بنظر ان إلى صور فى كتاب ضخم جاءت به أنيرزل . وكانت الطيور تغرد فى الغابة ، والشفق تجاههما بمثلي الجبال . وكان فى الصورة بقعة متناهية فى الحسن : مروج خمِسية ، وأنـهر عذبة ، وقرى وقصور ، ومن خلف ذلك جبال متعرجة ، فى تعرجها رائعة ، ذات كنائس وغابات تخيم عليها الوحدة . وكان على اطرافها موكب يسير ويرفع أعلاما بـهيجة الآلوان . وانتشر الشفق فوق الصورة فأنعم كاستبرل وأنيرل النظر وحدقا فيها ، وأطالا التأمل ، فإذا بالآشجار الملونة يسمع لها دفعة واحدة حفيف خفيف ،

وإذا بالطيور الجميلة المبرفشة تطير فوق المنظر ، وعيون الينابيع تترقرف فى الجبال ، وترفرف الأعلام ، وترتفع من الموكب ، وهو سائر من بعيد ، أصوات الغناء وقبل ان يفيق الغلام من دهشته أبصر أنبرل وسط هذا المنظر نومئ إليه مسرورة فتشجع أخيرا ، وقفز وراءها ، وجريا معاً فرحين ، يوغلان فى الكتاب ، ويتعمقان فى النظر - وإذ يلتفت كاسيرل وراءه لا يجد اثرا للبيت ولا للناحية التى كانا فيها ، لكنه ما يزال بتناهى إليهما من الموكب صوت الغناء ، حينا بعد حين . وقد غربت الشمس من أمد ، وبعديهما الطريق ، فكلما أوغلا فيه ، اشتدت وحدتـهما ، وتفخم ما حولهما .

وإنها ليخرجان من قوس صخرى اجتازاء ولما يكادا ، إذا بـهما دفعة واحدة يريان حيالهما جبالا شاهقة فيُشدهان ، ثم لا يليئان أن يلمحا فوق أعلى جبل قصرا دائما ، شيد من فضة خالصة ، وا كقصى بالذهب ، تجلس أمام بابه امرأة رائعة الحسن ، بارعة الجمال ، غلبها النعاس فمالت على فيثار ، يتبعث من خِصَلها المرسلة ، وثيابـها الفضفاضة ، ضياء ساطع مثل ضوء القمر ، ينير جبال الألب ، والشعاب والغاب ، والهـُوًي العجيبة المحدقة . وفى أسفل ، حيث لا تصل الأشعة ، أفزام حُدْب بتشغلبون من صخرة إلى صخرة ، ويثبون مرحين ، ومن بعيد يرن جرس أحد النساك ، وعلى الصخرة المقابلة صياد ضل الطريق ، ينفخ بين الحين والحين فى البوق محاربا هذا الرنين . أما فوق حيث يقوم القصر وترعى على المنحدرات خـِــــــراف بيض ، ومن برج القصر المنيف ملائكة تزمر في مزامير من الفضة نغمات عذبة ، ترنق فوق سكون الوديان .

وقالت انيرل وهى تشير إلى المرأة الجالسة أمام باب القصر : هذه هي الإلهة لوناً فسألها كاسيرل : أو تعرفينها إذاً ؟ فضحكت وقالت : ما تزال فى سنك هذه غبيا جدا . إبق ملاصقا لى ولا تبتعد عنى ، أو ضللت هنا .

لكن كاسيرل رأي فى هذه اللحظة رجلا هرما ، ضخما ، فابعا على جانب الطريق ، وفي عنقه كيس ملئ بالتفاح النضر ، فسأل امايه ، واشتهى أن يشترى بضع تفاحات فى طريقه على عجل . غير أنه ما يكاد ينظر إلى داخل الــــكيس ، حتى يقتنصه الرجل من قدمية ، ويدسه فيه ، ويربط الــــــكيس فوقه ، وهو يقول له : الان تقع فى يدى . ويمد ساقيه مغتبطا ، ليستريح قليلا .

وجعل كاسبرل فى خوفه وفى الظلام الذى يكتنفه

يتخبط محنقا ، ويدفع فى التفاح بمرفقية . لكن صوتاً رفيقا صر بغتة بجانبه يقول : لا تكن فظاً إلى هذا الحد ، فإنك تضغطى

فسأله كاسيرل مخافناً: أهو أنت ؟ قال الصوت : أجل إنه أنا . قد أسرت مثلك ، ولى أمد طويل أفرض الكيس ، حتى كلت أسنانى . الآن قد استغرق الشيخ فى النوم ، أما تسمع غطيطه ؟ ولك أصابع قوية ، غليظة ، فتفضل تساعدنى قليلا على تمزيق الكيس

     وكان الصاحب الذى يتكلم بهذا الكلام المهذب فأرا لطيفا ، صغيرا . فمزق كاسيرل محاذر مزقا من الكيس انسل منه الفأر ، ولم ينس وهو يقلت أن بعضه من اؤمه في أصبعه ، وانساب مسرعاً فى ضوء القمر ، وكاسيرل يسمعه بين الحجارة المبعثرة بضحك من بعيد ، ويزحف كاسيرل  ل أيضاً فى سكون ، ويدس فى جيبه علي عجل تفاحة جميلة ، وهو يخرج من الكيس ، ثم ينطلق سريعاً - لكن الشيخ كان يرتدى ، علم الله ، ثوبا خشناً ، ذلك أن كاسيرل وقع مرة واحدة فى شئ مشوش ، غير ممشط ، بشبه الدغل ،

إذ ضل الطريق في عجلته ، فبدلا من أن ينحدر ، تسلق كم ثوب الشيخ . فلما اعتلاء تملكة العجب ، فقد كان الصبح تنفس ، ولم يكن آكل لحوم البشر من تحته سوى الصخرة العتيقة النبراء ، القائمة تجاه بيت أبيه ؛ وحيث رأى القصر البديع والشعاب العجيبة فى ضوء القمر ، يرى سحباً كثيفة صُهبا ً، مستقرة بعضها فوق بعض طبقات ، ما تزال تتمطي فى نومتها ، ورأى كاسيرل مداخن القرية يتصاعد منها الدخان ، والجار بنثاءب عند الباب ثم يناديه : كاسيرل ياديك الصباح ! العلك تريد أن تعلن النهار بالصباح . أو فما اعتلاؤك الصخرة فى هذا البكور ! .

وذهبت أنيرل الجميلة ولم تعد ، ولم يكن أحد يعلم عنها شيئاً ، فقد كانت دائماً تأتى من الغابة لتلعب معه عند كل مساء . فلما افتقدها حزن عليها حزنا شديداً . وكان

عليه أن يتعلم كثيراً ، وكان يشتاق إلى العلم اشياقاً كبيرا ً، وبنمو فى تلك الأثناء ، ويشتد ساعده قليلا قليلا . وفى ذات ليلة والقمر بريق ضوءه الساطع فوق الغابات ، خُيل إليه أن تلك المرأة الرائعة الحسن ، البارعة الجمال ، تجلس فوق الجبل ، قبالة البيت ، وفى يدها كتاب الصور القديم تتصفحه ، وأنـها كلما قلبت أوراقه انعكست لألا ، الصور الذهبية على النافذة تتخطى الشجر ، فتولاه القلق .ولم يكد ينبين بياض النهار حتى كان فى غرفته مرتديا ملابسه ،

جالساً إلى خوانه ، معتمداً رأسه بين يديه . وتذكر الآن فقط أن التفاحة التى التقطها يومئذ من الكيس ما تزال فى جيبه ، فأخرجها وفضمها من الهم يريد أن يأكلها ، وما كاد يفعل . فقد صاح شئ فى داخلها على الأثر ، وأطل رأس يجاهد فى الخروج ، وحين كسر التفاحة أخيراً متعجبا ، خرج من كن البذور مخلوق صغير ، أسمر اللون ، يحمل كيساً ، ويتوكأ على عكاز .

وسأله كاسيرل : من أنت ؟ فأجابه رجل التفاح : وداعاً ! ومشي فوق الخوان ، ثم وقف فجأة على حافته ، لأنه لا يستطيع الهبوط .

وقال كاسيرل : سأعينك على النزول أيها الرحيل المسكين ، على أن تعدنى شيئاً . أيسعك أن تقتادنيى إلى الإلهة لونا ؟ قال الرجيل : ولم لا ؟ .

فحمله كاسيرل بين أصابعه ، ووضعه خارج البيت فوق الــــــكلاٌ ، وارتحلا معاً . وكان الصغير يعرج فى مشيته ، إذ كان كاسيرل قد عضه فى إبهام رجله ، وهو يقضم التفاحة . لكنهما ما إن يوغلا فى البرية حتى يطلق الرجبل ساقيه للريح ، يزك كالجندب ، ثم يضحك ويصيح بكاسيرل : إلحق بى ، إلحق بى ! فلك هاتان الساقان المديدتان ! وقبل أن يفكر كاسيرل فى اللحاق به ، كان قد اختفى بين

العشب النامى ؛ فمكر بكاسيرل هذه المرة كما مكر به أول مرة

    واتفق أن كان اليوم أحدا ، وكان الصباح صباحا جميلا وكانت شجرة كثري تحتاز الحقل فى طريقها إلى الكنيسة ، تحف فى مسيرها بحمد الله ، فحياها كاسيرل بتحية الصباح وسألها هل رأت جواباً أسمر اللون ، بهذا الحجم ؟ - فأجابت الشجرة : أعتقد أنى وطأت من هنبهة مثله ، وهو بين العشب . - فقال كاسبرل : رباه ، لقد اضلنى الطريق ، فبت لا أعرف أين أنا ! ليتني أعرف صخرة أو برجا أطل من أحدهما على ما حولى لعلى اهتدى إلى سواء السبيل .

     ورأت شجرة الكمثرى أن وقتها أضيق من أن بتسع المخارق ؛ وأحزن كاسيرل هذا الرأي فيه ، إذ كان يريد المضي إلى غرضه . وقالت الشجرة : تعال ، تعال ، فما أكثر متاعبكم أيها الصغار ! وأخذت تصعد جبلا عاليا ، مبهورة من الجهد ، تزفر وتئن . فلما بلغت الغابة وقفت ، واستعرضت ، وأصلحت من شأنها ، ومدت أغصانـها النضرة الخضراء فى جوله مثل زرقة السماء . ودعت كاسيرل إلى تسلفها ، فلم يتردد فى نبوء عاليها ، وما كاد يفعل - فقد صاح بغتة : مرحى مرحى !  وطوح بقبعته إلى أعلي . ذلك أنه تبين فجاءة فى الناحية الأخرى ، ما كان يطلب من جبال عجاب ، وقد كاد يصبه الدوار من فرط الغبطة

وقالت الشجرة : لا تجذبني هكذا ، فشدك مؤلم . وأسرع كاسيرل بالهبوط عن الشجرة ؛ واهتزت الشجرة من نسيم الصباح ، وغطت العشب ، بثمارها البهية ، الجميلة الذهبية ، فذهبت تتدحرج ، وتثب جذلانة فوق المنحدر الاخضر ، وكاسبرل فى أثرها يقب وثبها فى أضواء الصباح ، إلى الناحية البهيجة . وإذا كانت الجبال فى ضوء القمر جميلة مرة ، فكل شئ الآن فى نور الصباح ، وضيائه اللامع ، أجمل ألف مرة فالقصر الفاخر وأبراجه الساجية ، يغمرها وهج أحمر كالورد ، والغدران تلمع وكأنها ذهب

خالص ، والغابات تخفخف وتبرق من الياقوت والزمرد ، وفوق الألب ملائكة واقفة تزوج على حمرة الشروق بأجنحتها المنتشرة ، المشبهة فى ألوانها قوس قزح .

وإذ يبلغ الغاية أخيرا ، يرى دفعة واحدة فتاة آية فى الحسن ، على وعل أبيض ، بزين شعرها توعج بهيج براق ، فيصيح فى عجب : رباه ، هذه أعرفها - فهي عزيزته أنيرل وتقف انيرل ضاحكه تقول : لقد غربت السيدة الجميلة " لونا " فى الليلة الفائتة ، وهى تقرئك السلام . أما أنا فابنتها أورورا ملكة الغاب .

فيصيح كاسيرل وهو يثب وراءها فوق الوعل : فلأكن أنا الملك .

وانطلقا فى عتمة الغابة ، مارين بقصور منعزلة ، وجداول باردة ، وحدائق ، وابعاد لماحة ، وكل من رآهما من بعيد يكاد قلبه بثب من الفرح . - وهما من ذلك الحين يقيمان معا فى هنــــــاء طاغ رنان ، وما داما لم يموتا فلا بد أنـهما يعيشان إلى الآن .

اشترك في نشرتنا البريدية