الشموس نجوم ، والنجوم شموس ، نورها وحرارتها من نفسها ، تشعهما إلى الفضاء فى جميع جهاته ، وبهما تمد الكواكب القريبة بالطاقة والجمال ، تزين السماء وتغدق عليها الروعة والجلال ؛ يرى فيها الناظر آيات المصور البارئ ناطقة بعظمته وقدرته ، مدللة على الابداع فى أبلغ صوره وأسماها . وما شمسنا - وهى مصدر الحياة والجمال على الأرض - إلا نجم من هـذه النجوم المنتشرة فى الكون ، فهى متوسطة الجرم على الرغم من كونها تبدو كبيرة بالنسبة إلى أمثالها ، وبين النجوم ما هو أكبر منها ، كما أن بينها ما هو أصغر . وهى (أى النجوم) ليست قريبة إلى بعضها كما نراها ، بل متوزعة فى الفضاء ومتفرقة على أبعاد شاسعة ، بلغت من الكبر درجة تتضاءل أمامها أقيستنا التى نستعملها كالكيلومتر والميل ؛ وقد أصبحت غير صالحة كوحدات لقياس المسافات بين الأجرام السماوية ؛ لهذا لم ير الفلكيون مناصا من الاستعانة بسرعة النور الذى يسير فى الثانية (١٨٦٠٠٠) ميل !!! ... فاذا ضربت
هذه السرعة فى (٦٠) ثم فى (٦٠) ينتج ما يقطعه النور فى ساعة واحدة ؛ وإذا ضربت الناتج الأخير فى ٢٤ ثم فى ٣٦٠ ينتج ما يقطعه النور فى سنة واحدة ، وهو حوالى ٦ ملايين مليون ميل !!! ... هذا العدد الضخم يستعمل كوحدة فى قياس المسافات بين النجوم ، ويسمى بالسنة الضوئية .
إن أقرب نجم إلينا بعد الشمس هو (الفا قنطورس) يصل نوره إلى الأرض فى أربع سنوات وربع سنة ، أى أن بعده عنا يزيد على (٢٥) مليون مليون ميل ! . وبتعبير آخر أن النور الذى نرى به (قنطورس) الآن خرج قبل أربع سنين وربع ؛ فلو تلاشئ من الوجود لسبب ما ، فاننا نبقى متمتعين بنوره فى المحل الذى كان فيه مدة ٤ سنوات وربع سنة ، غير شاعرين بما حدث له . وكذلك يصل نور النجم المسمى بالنسر الطائر فى ١٤سنة ونصف سنة ، وذلك لأن بعده عنا (٨٧) مليون مليون ميل . أما نور نجم السماك الرامح فيصل فى مدة خمسين سنة ، أى أن بعده يبلغ (٣٠٠) مليون مليون ميل ! ! . . .
ومن النجوم ما هو أبعد من النسر الطائر والسماك الرامح بكثير ؛ وقد يذهل القارئ إذا علم أن نور بعض المجموعات النجومية ، والسدائم الكونية ، قد خرج منها منذ ألوف السنين ؛ فنور سديم الدجاجة الذى نراه بها الآن خرج منها منذ (٥٠٠٠٠) سنة ، ونور سديم العقاب خرج قبل (١٧) ألف سنة ، وكذلك بعد السديم فى المرأة المسلسلة يزيد على (٦٠٠) ألف سنة نورية ! .. ويقول جينز :
" . . . إن أبعد ما كشفت عنه التلسكوبات من السدائم هى من البعد بحيث يستغرق الضوء فى الوصول إلينا منها نحو ١٤٠ مليون سنة ! ! . . . " .
والآن لا أشك فى أن من قارئى هذا المقال من يرى فى هذه الأقوال والأرقام الضخمة خيالا رائعا أنتجته قريحة الفلكيين الخصبة ...
للفلكى أن يقول ما يشاء ، قد يكون هذا لسان حال بعض الذين يطلعون على هذه العجالة ، ومن يستطيع أن يحاسب الفلكى على أقواله ؟؟
بل من الذى يجهد نفسه ويحملها عناء وتعبا ليتحقق من هذه الأقوال ؟
وهل فى الامكان التحقق من ذلك إذا أراد ؟
ألا يقضى تمحيص هذه الأقوال ، وتدقيق تلك الأرقام درس علم الفلك وأصوله ؟
والذى لا ريب فيه أن من يدرس علم الفلك ويبحث فى أصوله ، ويقف على دقائقه ، ويغوص فى أرقامه ومعادلاته ، يخرج مقتنعا أن هذا الفرع من المعرفة من أسمى العلوم وأدقها ؛ فيـه لذة عقلية ، ومتاع روحى ، لا يجدهما فى علوم أخرى ، وأنه علم يقوم على الرياضيات قبل كل شئ ، وإذا جردته منها ، فقد أهميته ودقته أولا ، وروعته وسموه ثانيا .
قلنا إن بين النجوم والسدائم ما تقاس أبعادها بألوف من سنى النور وملايينها ؛ ولا بد أن يكون هناك طرق لحساب هذه الأبعاد استطاع الفلكى أن يصل بها إلى ما وصل إليه من نتائج رائعة فى اتساع الكون وحجمه .
ولدى الفلكى أربع طرق لقياس المسافات العظيمة بين أجزاء الكون .
أولاها - طريقة لقياس زاوية الاختلاف ، وهى تستعمل للنجوم القريبة .
وثانيها - قياس أبعاد مجاميع النجوم بسير النظام الشمسى فى الفضاء .
وثالثها - قياس البعد من مقابلة نور النجوم المجهول بعدها بنور النجوم المعلوم بعدها ، من حيث تأثيره على ألواح التصوير الشمسى .
ورابعها - بوساطة آلة مبين الأطياف . وعلى الرغم من هذه الطرق فلا يزال هناك نجوم وسدائم
عجز العلم عن قياس أبعادها والوصول إليها ، حتى عن طريق تلسكوب جبل ولسون ، وهو من أكبر تلسكوبات العالم الذى يبلغ قطر عدسته العاكسة مترين ونصف متر . ومن يدرى ؟ فلعل التلسكوب الجديد الذى قطر عدسته العاكسة خمسة أمتار يكشف لنا عن أجرام أخرى ، لا سيما وأن مدى النظر سيكون فى هذا العمل الهندسى العظيم ثلاثة أضعاف ما هو عليه الآن . ومع ذلك فمجال النظر قصير جدا ، فإن الأقسام التى أصبحت معروفة من الكون ليست شيئا بالنسبة إلى ما يزال مجهولا .
ويهتم الفلـكى فى حساب الأبعاد ويصرف لها أكثر جهوده وعنايته ، وفيهــا يرى بعض خاصيات النجوم وما يساعده على التفريق بين اللمعان وقوة الانارة وعدم الخلط بينهما .
لماذا يبدو أحد النجوم ألمع من الآخر ؟ وهل شدة اللمعان دليل على القرب ؟ وهل ضعف لمعان نجم ما دليل على بعده أم على قوة إنارته ؟ .
هذه أسئلة استطاع الفلكى من خلال حسابات الابعاد أن يجد لها أجوبة شافية ؛ كما أنه تمكن من هذه الحسابات أن يزيل بعض التعقيد والغموض المحيطين ببحوث اللمعان وقوة الإنارة .
والنجوم فى حركة دائمة ؛ ولم يكشف العلم ذلك إلا فى أوائل القرن الثامن عشر للميلاد ، فلقد كانت الفكرة السائدة أن النجوم ثابتة لا حركة لها . والثابت أن حركة النجوم لا تظهر للعين لبعدها الشاسع عنا ، وقد تحتاج إلى أجيال وعصور ليعرف إذا كان هناك تغيير فى مواقع بعضها . وقد وجد الفلكيون أن معدل حركة النجوم تقدر بمئات الملايين من الأميال فى السنة ، وأن هناك اختلافا كبيرا وتغيرا بعيد المدى فى حركاتها ، فمنها السريع ومنها البطىء .
(نابلس)

