الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 376 الرجوع إلى "الثقافة"

ألبانيا اليوم، كما يصفها صحفي روسي

Share

تركنا بلغراد في طائرة في طريقنا إلى تيرانا، وكانت الطائرة تضيق بركابها، لأن أعداداً عظيمة من الناس تسافر الآن كل يوم إلي تيرانا، ويوغوسلافيا هي البلد الوحيد الذي اعترف بألبانيا إلى اليوم، وهي كذلك البلد الوحيد الذي تقوم بينه وبين هذا البلد الإسلامي الصغير علائق تجارية متصلة الآن، ولمحنا أثناء طيراننا عدداً من القلاع الصغيرة الحصينة التي ابتناها الألبانيون في عصور كفاحهم مع الترك، ومنظر البلاد في مجموعها أشبه شئ بكثبان كثيرة من الرمال تتخللها وديان صغيرة وطرق ضيقة كثيرة الالتواءات.

وتقع تيرانا عاصمة البلد وسط منخفض واسع بين الجبال، وأول ما يلفت نظرك من بعيد هو كثرة عدد المساجد، لأن سبعين في المائة من سكان هذا القطر مسلمون، والباقي نصارى تابعون للكنيسة الشرقية وقليل جدا من الكاثوليك؛ ومعظم هؤلاء النصارى يسكن الجنوب.

وسكان تيرانا يبلغون في التعداد الرسمي أربعين ألفا ولكن يقال إن البلد يسكنه الآن مالا يقل عن ستين ألفاً، لأن عدداً عظيما من أهل القرى والأرباب في ألبانيا كانوا قد غادروا قراهم، وفروا إلى الحبال حيث ظلوا طيلة مدة الاحتلال الإيطالي والألماني، ثم عادوا الآن ليجدوا قراهم ومساكنهم خراباً، فاضطر كثير منهم إلى اللجوء إلى المدن حيث يمكنهم أن يحدوا منازل تأويهم، وموارد رزق تقيم أودهم، ولهذا ازدحمت مدن ألبانيا مثل تيرانا ودورازو وإلبسان.

وليس في ألبانيا كلها ميل واحد من السكك الحديثة،

وفيها كذلك قليل جداً من الطرق المعبَّدة، وقد خرب الألمان معظم ما كان لألبانيا من هذه الطرق، وهدموا أثناء كفاحهم مع رجال العصابات القليل الذي كان هناك من القناطر والمعابر البدائية.

وحظ ألبانيا قليل من التقدم الاقتصادي، وهذا على الرغم من أن فيها موارد طبيعية للثروة لا بأس بها، وقد اجتهد ذوو المطامع من الإيطاليين والفرنسين والألمان والإنجليز في إثارة الفتن من كل صنف في هذه البلاد لكي يزيدوا أهلها ضعفا، ويوجدوا لدولهم السبيل إلى التدخل وبسط السلطان على هذا البلد ذي الموقع الجغرافي الحربي الفريد، وازدادت هذه المحاولات نشاطاً منذ خمسين سنة، أي منذ اكتشقت في البلاد منابع للبترول على مقربة من البحر، وطبقات من الأسفلت وخامات أخرى ذات قيمة كبيرة.

وقد شعرنا في أول يوم لنا في تيرانا أننا في أنون، لأن درجة الحرارة وصلت ١٢٢ فهر نهيت، وقد استحال علينا مع هذه الحرارة الخروج والتمشى في شوار ع المدينة، والناس لهذا يبدءون عملهم في السباح الباكر ويفرغون منه حوالى الواحدة بعد الظهر، ويعود النشاط إلى البلد حوالى الخامسة مساء، فتفتح الحوانيت ومحال الحلاقين والمقاهي، وتستمر الأسواق مفتوحة إلى ساعة متأخرة من الليل ، بل يظل بعضها عامراً إلى الثالثة والرابعة صباحا، لأن الجو إذ ذاك يكون على ألطف حالاته هناك.

وتيرانا بلدان: البلد القديم والبلد الجديد، فأما الجديد فحديث الطابع، متسع الشوارع نظيفها، وفيه دواوين الحكومة والبنوك ومحال الأعمال، وأما القديم فمعظمه منازل للسكنى، وفيه كذلك الأسواق القديمة وحوانيت أصحاب الحرف، وشوارعه مبلطة بحجارة جافية ومنازله صغيرة متلاصقة.

وأسواق تيرانا شرقية الطابع والروح، تملؤها ضوضاء صاخبة، يمر في شوارعها الخيل والحمير والبقال والدراجات يزحم بعضها بعضاً، وعند الظهر يعلو صوت المؤذن من أحد المساجد المجاورة، وعلى ندائه يصمت الناس ويسود السوق سكون شامل.

وتيرانا هي مركز الجمعية المناهضة للفاشية. التي هي في نفس الوقت الهيئة التشريعية في البلاد اليوم، وفيها كذلك مقر حكومة الجبهة الديموقراطية الشعبية، ورئيس الحكومة هو أنور هُجا قائد الجيش الأعلى، وقد تحدثنا إلى مساعده كوتشي دووي، فأخبرنا أن هذا الجيش تألف في أعصب أوقات الكفاح ضد الهتلريين، ويخدم في الجيش أهل البلاد من كل ملة: مسلمون وأرثوذكس وكاثوليك، وقال: "لقد قتلنا كثيراً من الألمان والإيطاليين، لقد حلنا بينهم وبين الهرب من اليونان، وقد أدينا بهذا خدمة كبيرة للجيش الأحمر الذي كان يحارب في المجر والنمسا، ولا تحكموا علينا بمظهرنا وفقر ملابسنا، لأن أكسيتنا ممزقة قذرة وكثير من جنودنا لا يرتدي ملابس عسكرية، ولكن جيشنا رغم ذلك جيش قوي قادر على مناضلة أي معتد خارجي. لقد قضى جنودنا خمس سنوات في الجبال، لم يبعث لهم أحد ثياباً ولا مثوبة، وبلدنا مخرب ضعيف، وقد نفدت مؤننا، ولكننا انتصرنا، وهذا هو المهم، وسنعيد كل شئ إلي نصابه في القريب".

وتجتاز ألبانيا أزمة اقتصادية حادة، وهي مهددة بمجاعة شديدة، فإن المطر لم يزل منذ ستة شهور، وقد أحرق الألمان مقادير عظيمة من المحاصيل قبل رحيلهم، وليس أمام البلاد سبيل لاستيراد الحبوب من الخارج، ومحصولها لا يكفي لأكثر من تسعة أشهر. ومشكلة الغذاء هي المشكلة السياسية، وقد ذكر لنا مدرس ألباني أنه إذا استطاعت البلاد أن نتجو من هذا الشتاء فإن موقف

الحكومة سيتعزز، وربما استقرت الحالة السياسية في البلاد، والحكومة الحالية ماضية في إصلاح الأحوال على أسس اشتراكية، وقد تمكنت من إنقاذ البلاد من مآزق شديدة؛ والمرة الأولى في تاريخ ألبانيا تكون الآن نقابات العمال، وتقف موقفاً حاسماً من أصحاب الأعمال. وقد استولت الحكومة على منابع البترول وهي تستغلها الآن، وقد تم تأميم صناعات الدخان والصابون والمأكولات وغيرها من المؤسسات التي كانت من قبل في يد ناس ثبت اليوم أنهم من مجرمي الحرب.

ورأينا في دورازو سفينة إيطالية آتية من نابلي محملة بالأدوية والدقيق، وهذه السفينة تابعة لهيأة الإنشاء والتعمير التابعة للحلفاء، وكانت السيارات وعربات الحمل تنقل حمولة السفينة بسرعة وتمضي بها نحو تيرانا، وكانت السفينة راسية بعيداً عن الشاطئ لأن الميناء مليء بالألغام والأسلاك الشائكة.

وحينما نادي المؤذن بصلاة المغرب استأذنا شيخ البلدة الديني في زيارة المسجد، فرأينا الناس يصلون على عادتهم، وبعد أن فرغوا من الصلاة خطب "المولا" شيخهم الديني خطبة دينية، فدعا إلى الوحدة وإلى تاييد الحكومة. وقد علمنا أن غالبية المسلمين والأرثوذكس كانوا من ألد أعداء الألمان أثناء احتلالهم البلاد، وقد عمل عدد كبير منهم في صفوف العصابات، وكان شيخ جامع دورازو يحمل مدفعاً رشاشاً، وكان المؤذن وغيره من رجال الدين أيضاً من رجال العصابات.

وقد زرنا أثناء مرورنا أحد خانات الدراويش البكتاشية، وقد ذكر لنا أحدهم واسمه قاسم أن الألمان استعملوا خانهم ومسجدهم كمخزن لعلف الخيل، فلم يبق للدراويش بد من أن يلجأوا للجبال وينضموا للعصابات، وكان قاسم نفسه يدير مدفعا أخذه الثوار غنيمة من

الإيطاليين، وكان غيره من الدراويش يملكون بنادق سريعة ومدافع رشاشة ويستعملونها بمهارة، وقد عاد البكاشية إلى مساجدهم اليوم، وهم يقرأون الصحيفة اليومية التي تأتيهم من تيرانا بلذة كبيرة، ولديهم جهاز راديو يستمعون إليه.

وقد تقسم الفلاحون في كل ناحية أراضي كبار للزراع الذين ثبت أنهم مالأوا العدو، وأحسسنا في كل مكان رغبة أهل البلاد في التعاون الحر الديموقراطي مع غيرهم من الأمم.

اشترك في نشرتنا البريدية