الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 621الرجوع إلى "الثقافة"

ألبير باييه، وإعلان حقوق الإنسان, ألبير باييه

Share

عرفت الأستاذ ألبير باييه قبل اليوم حينما قدمه صديقنا الدكتور عثمان أمين إلى العالم العربى فى كتابه " دفاع عن العلم " . وكنت أعرف أن اسم الكتاب في اللغة الفرنسية : (la morale de la science ) أى " أخلاق العلم " ، ولكن الدكتور عثمان أمين لم تعجبه هذه الترجمة الحرفية لعنوان الكتاب ، فغيرها إلى هذا العنوان الشائق الجذاب " دفاع عن العلم " ؛ وهو تغيير عرضه صديقنا المترجم على أستاذه " ألبير باييه " فأقره عليه ووافق على تغييره أيضا فى الطبعة الفرنسية الثانية .

ومن ذلك الحين وهو يقرب من أربع سنوات ، لم ألق " ألبير باييه " فى كتاب ولم أصادقه فى بحث ، إلى أن وجدت إسمه على كتاب جديد ترجمه الدكتور محمد مندور إلى العربية ، وأعانت على إخراجه الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية ، ونشرته لجنة التأليف والترجمة والنشر ... فقلت فى نفسى : هذا كتاب صادفه الحظ وواناه السعد تأليفا وترجمة وإخراجا ونشرا . فمؤلفه أستاذ الأخلاق والاجتماع فى السوربون ، ومترجمه أديب ملحوظ المكانة ، ومخرجته إدارة نرجو الله أن يزيدها توفيقا فى ميدان الثقافة العربية ، وناشرته لجنة لم تضن على العرب بنفائس الغرب وروائعه . كما كان لها فى إحياء التراث العربى القديم مقام محمود ، ومكان مشهود .

وحقوق الإنسان لا ترجع فى نظر " ألبير باييه " إلى تلك الوثيقة التى أقرتها الجمعية التأسيسية فى فرنسا سنة ١٧٨٩ والتى احتفلت فرنسا - فى سنة ١٩٣٨ ، وقبل الحرب العالمية الثانية بأسابيع - بمرور ١٥٠ عاما على إعلانها . وإنما كانت المناداة بحق الإنسان فى الحرية و المساواة والكرامة الإنسانية نتيجة لجهود بشرية ضخمة قام بها أحرار الرجال فى كل أرض وعصر منذ أ كثر من ألفى عام .

ولقد كانت النكسة الروحية والردة الخلقية التى أصابت العالم فى أعقاب الحرب العالمية الأولى ، كما كانت طلائع الانتكاس الذى سبق الحرب العالمية الثانية فى سنة ١٩٣٩ من أهم الأسباب التى دفعت " ألبير باييه " إلى تأليف كتابه " تاريخ إعلان حقوق الإنسان "، الذى لم يكد يظهر فى طبعته الفرنسية الأولى حتى أعلنت الحرب الثانية نتيجة للحماقة السياسية التى أبدتها ألمانيا النازية ، ونتيجة لتلك الروح الدكتاتورية والنزعات الفاشية والعنصرية ، التى كان من أهم دعائم قيامها كبت الحريات ، والعودة بالإنسانية إلى ظلام القرون الأولى ، وما فيها من تلقين عبادة الرئيس وتمجيد حقوق القوة .

وفى دخان هذا الجو الذى يخنق الأنفاس فى الجبهتين النازية والفاشية بأوربا ، عكف " ألبير باييه " على مكتبه فى باريس مدينة العلم والنور ليخط فى إيجاز دقيق تلك الخطوط الغالية لحقوق الإنسان ، وليعود إلى الوثيقة الفرنسية التى أعلنت سنة ١٧٨٩ ، فيستعرض مبادئها مبدأ مبدأ ، ومادة مادة ؛ وليردها فى سلسلة من الصراع الإنسانى الحر الكريم إلى أصولها الأولى منذ قدمت مدينة " أثينا " فى عصر " بركليس " الذهبى لليونان مثالا للمدينة التى يعيش فيها المواطنون على قدم المساواة والحرية . فقد كان الشعب نفسه فيصلا فى كل ما يخص مصالح المدينة من غير أن يكون له ممثلون ... وكان من حق كل مواطن أن يدخل الجمعية كما أراد ، وأن يتكلم فيها إذا أراد . ولكن المناصب لم تكن مشاعة لكل سائل ، ولا ممكنة لكل طالب ، وإنما يصل إليها ذوو الكفاية وأصحاب الامتياز . ومقياس الامتياز ليس فى شرف النسب ومكانة الطبقة ، وإنما هو فى " الموهبة " التى تؤهل صاحبها لأن يكون " خادما " للمدينة مهما كانت حالته المادية وطبقته الاجتماعية .

وكانت هذه الديموقراطية الأثينية التى وصفها" بركليس " ونسبها إلى " توسيديد " إلهاما للذين كتبوا الوثيقة الفرنسية سنة ١٧٨٩ . ففى المادة الخامسة منها : " إن جميع المواطنين لما كانوا متساوين أمام القانون ، فإنهم متساوون فى إمكان الوصول إلى كافة المراتب والمناصب والوظائف العامة ، تبعا لكفايتهم ودون أى تمييز بينهم ، غير ما يتحلون به من فضائل ومواهب " .

ولا يقف " ألبير باييه " صامتا أمام نظام الرق فى بلاد اليونان ، ويبدى دهشته من أن ديموقراطية مثل ديموقراطية " أثينا " كيف تبيح لنفسها أن يقوم بجانبها نظام للرق الإنسانى ؛ ولكن قيام العرف اليوناني على هذا النظام لم يمنع أن يقوم أ كثر النفوس حرية لينادي : " إننا جميعا ، وفى كل شئ . متساوون فى الميلاد ؛ إننا جميعا نستنشق الهواء من الفم والأنف" . ولم يمنع أن يرتفع صوت آخر قوى يقول : " إننى - يا سيدي - وإن أ كن رقيقا إلا أن هذا لا يمنع من أن أعتبر إنسانا مثلك . . لقد خلقنا من نفس اللحم . . وليس هناك أرقاء بالفطرة " .

وأ كاد ألمح من كلام "ألبير باييه " أنه يريد أن يقول إن المنطق فى الدفاع عن الحرية والحق الإنسانى شئ . والتقاليد والمواضعات الاجتماعية شئ آخر . . فإن أفلاطون  _ على الرغم من عبقرية تفكيره الإنسانى - قد قيل الرق كوضع قائم فى بلاد اليونان ، أو كشئ مسلم به فى غير مشقة ولا صعوبة .

وعلى الرغم من أن الديموقراطية اليونانية قد تعرضت للامتحان على يد الرومان ، فإنها استطاعت أن تبلغ أمانة الحق الإنسانى إلى أفراد الشعب الروماني الذين حاولوا أن يحصلوا على حق التشريع بواسطة الاستفتاء الشعبى ، وعلى حق المساواة أمام القانون ، وعلى حق الإصهار إلى طبقة النبلاء ، وحق الحصول على الوظائف العامة والمناصب الحكومية . وهو ذلك الحق الذى تمتعت به مدينة " أثينا " اليونانية زمانا فى عصر " بركليس " .

ولا يزال "ألبير باييه " يمشى بنا فى دروب الرومان نحو حقوق الإنسان حتى نلتقى معه بالزعيم الشعبى" ماريوس " الذى ثار ورفع علما لحقوق الشعب ضد طبقة النبلاء التى

لم يكن يعنيها من أمر الشعب شئ ، وكانت تحاول - فى قوة وعنف _ أن تقيم كل يوم بينها وبينه سدا ، وما كان أصدق " ماريوس " وهو يقول : " إنني أعتقد أنه ليست هناك غير طبيعة بشرية واحدة ، هى طبيعة مشتركة بين الجميع ؛ وأ كثر الناس نبالة إنما هو أ كثرهم حزما ونشاطا ... " . أو يقول عن هؤلاء النبلاء الذين يتعالون على بقية الشعب ، ويظنون في أنفسهم أن لهم عليهم مزية من فضل : " لقد خلف لهم أجدادهم ما استطاعوا أن يخلفوا ؛ خلفوا لهم ثروات ، وصورا ، وذكريات . . ولكنهم لم يخلفوا لهم الفضيلة النفسية ؛ وما كان باستطاعتهم أن يخلفوها ... لأن الفضيلة هى الشئ الوحيد الذى لا يوهب ولا يورث ... " .

وفى هذا الجو الخليط من صلصلة القيود وهمهمة التحرير كان يسود بلاد الرومان جو من التسامح الدينى ؛ فالعبادة حرة لمن يشاء ، والمذاهب المادية تقوم بجوار المذاهب الروحية من غير اعتراض ، والمؤمن والملحد يدفن كل منهما بجوار صاحبه ، والمدعيون الذين يقولون إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر يوسدون الثرى فى جوار الذين يؤمنون بالعالم الآخر ...

وفى هذا الجو المختلط أيضا قامت أصوات جريئة قوية تقاوم الرق من جديد . . فيعلن المشرع " فينيليوس " : " إن الطبيعة مشتركة بين الأحرار والعبيد " وينادى الفقيه " ألبيان : " بأنه لا يمكن فى نظر القانون الطبيعى أن يولد إلا رجال أحرار .. وبموجب هذا القانون لن يكون لنا جميعا غير اسم واحد ؛ وهذا الاسم هو : بنو الإنسان " . ثم يزيد على ذلك قائلا : " إن العبيد فى نظر القانون الوضعى لا يعتبرون موجودين . . ولكن الأمر ليس كذلك أمام القانون الطبيعى ، وذلك لأن هذا القانون يعتبر جميع الرجال متساوين " .

وهذا الحق الطبيعى الذى لفت المشرع " ألبيان " إليه الأنظار كان مصدرا آخر من مصادر الإلهام فى الوثيقة الفرنسية لحقوق الإنسان .

وأجمل ما في " ألبير باييه " هو تلك الصراحة النادرة ( البقية علي صفحة ١٦ )

( بقية المنشور على صفحة ١٣ )

المثال - إلا عند العلماء - حينما يناقش الفيلسوف الفرنسى " برجسون " فيما رآه من أن المسيحية انتهت بعد جهود مضنية إلى إعلان حقوق الإنسان . وما أجمل هذه الصراحة التى ينادى بها " ألبير باييه " قائلا : " إن هذا الرأى الظالم بالنسبة للإنسانيات القديمة ليصطدم بكل الحقائق الثابتة فالإمبراطورية المسيحية والقرون الوسطى المسيحية كانت أبعد ما تكون عن الانطلاق نحو الحرية والمساواة ، وهى على العكس - قد احتفظت بنظام الطبقات ، وباستبعاد الشعب سياسيا ، كما أصلت تعصبا مروعا لم يعرفه العالم القديم " .

وما وجدت - فى الزمن الأخير - مسيحيا يهاجم المسيحية كما هاجمها الأستاذ " ألبير باييه " فى كتابه هذا ؛ فقد كان شديد الوطأة عليها وعلى رجال الكنيسة فى الصفحات ٤٠ ، ٤١ ، ٤٢ ، ٤٣ ، ٤٤ ، ٤٥ ، ٤٦ من الترجمة العربية لكتابه هذا .

وإذا كان التعصب الدينى قد ساد فى أوربا سيادة كان من أثرها قيام حركة الإصلاح على أساس من التحرر العقلى ، وقيام طائفة من المصلحين الدينيين من أمثال " لونر " و " كلڤن " و " زونجلى " فإن الأدباء لم يقفوا صامتين أمام حركة " الحق الإنسانى " كما كانت أصوات

الفلاسفة ترتفع منادية بالإعلان عن هذا الحق . حتى نبلغ القرن الثامن عشر فنرى فيه أن فكرة " النبالة " تعود من قديم لكى يعلن أصحابها أن " النبل والشرف " ليسا فى سمو الميلاد ولكن فى فضيلة الأعمال . وهى الفكرة التى نادى بها " ماريوس " الرومانى من قرون عديدة ، ثم نادى بها " بوالو " الشاعر الناقد الفرنسى فى القرن السابع عشر حينما نقد عدم المساواة الاجتماعية نقدا مرا ، مهاجما الأشراف ( الذين يلتمسون مجدا باطلا فى الأوسمة والبراءات العتيقة البالية . . ويظنون أنهم قد عجنوا من طين غير الذى عجن منه بقية الناس . . . ويعلن أن الفضيلة النفسية هى آية النبل الوحيدة ) ؛ وهو كلام يذكرنا بقول الشاعر أحمد شوقى :

لا يقولن امرؤ أصلى فما    أصله مسك وأصل الناس طين

كما يذكرنا بقول الشاعر العربى من عدة قرون .

لا تقل أصلى وفصلى أبدا    إنما أصل الفتى ما قد حصل

الحق إن تاريخ إعلان حقوق الإنسان كما يعرضها " ألبير باييه " تعد تلخيصا دقيقا لتاريخ الحرية الإنسانية التى حاول الإنسان أن يدافع عنها منذ دب على الأرض ، ولا يزال يدافع عنها ليضمن كيانه الإنسانى الكريم . . .

اشترك في نشرتنا البريدية