كانت مهمة المؤرخين تنحصر في التثبت على قدر الإمكان من صحة الوقائع التاريخية واستخلاص صحيحها ، ثم تسجيل كل واقعة منها منفصلة عن الآخر ، وبحث أسبابها ونتائجها على حدة ، والاجتهاد في استنباط الحقائق من طريق الملاءمة والتوفيق بين متناقضاتها . ولكنهم أبوا منذ القرن الماضي أن يقفوا من التاريخ عند هذا الحد ، فقد فطنوا إلى أنه سجل خطوات الإنسانية ، وأن تتبع تلك الخطوات على مر العصور يتيح الوقوف على اتجاه الركب الإنساني ، فيعين على فهم الحاضر ، وكشف ما في جعبة المستقبل القريب . وحينذاك يخرج التاريخ عن نطاق السرد القصصى ، ويأخذ مكانه الرئيس بين العلوم التي تحاول أن تكشف كنه الحياة ولذلك راح المؤرخون ينقبون من وراء الأحداث التاريخية عن القاعدة التى يتبعها التاريخ في خطاه ، أو الهدف الذي يستهدفه الناس في الحياة ، أو عن محور تدور حوله جهود الإنسانية ، أو دافع عام يدفعها إلى الأمام رغم ما يبدو من اختلاف خطواتها ، وتباين اتجاهاتها
ولم يكن تحقيق هذه الغاية سهل المنال ، فإننا لا نعرف عن التاريخ إلا ما سجله المؤرخون من وقائعة . وهم لم يسجلوا إلا النزر اليسير الذي ما زال مشكوكا في صحته . وهذا النزر اليسير كفيل وحده بتشتيت ذهن الباحث الذي يحاول أن يستكشف صلة تصل بعض وقائع التاريخ بعض . فهذه الوقائع تبدو مكدسة متناثرة متدابرة متناقضة إلى الحد الذي يتعذر معه لم شمتها أو الاهتداء إلى رابطة تربط ما بين بعضها وبعض ، أو إلى وحدة شائعة بينها جميعا ، فهي في الظاهر لا تسلك سبيلا واضحا مستقيما لا تحيد عنه ، ولكن المصادفات لا تفتأ محملها بل تغير اتجاهها . وهى في الظاهر كذلك تخضع للقادة والزعماء الذين لا يزالون يرغمونها على سلوك السبيل التي يختارونها لها وفق مشيئتهم المتقلبة الجائحة التي لا تستقر على حال .
اتجه المضطلعون بهذا البحث أول الأمر إلى الجهات
الرسمية ، وراحوا ينقبون في سجلات الحوادث الفردية لعلهم يقفون على أثر خطواتها في طريق مراجعة ) إحصاآتها . وقد لفتت نظرهم هناك ظاهرة أملوا أن يهتدوا على ضوئها إلى ما يصبون إليه ، وهي أن مجموع كل نوع من أنواع الحوادث التي تقع في بلادهم يبلغ أرقاما متقاربة في نهاية كل عام . فمن أمثلة ذلك أن عدد الذين يصابون بالجنون كل عام لا يكاد يزيد أو ينقص عن عدد الذين أصيبوا بذلك الداء في الأعوام السابقة . وتجري الحال علي هذه الوتيرة فيما يقع من جنح وجنايات ، ومن مصادمات السيارات وما يترتب عليها من إصابات ، ومن سفر السائحين إلى خارج بلادهم ، ومن أمثال هذه الحوادث التي تتعذر الاحاطة بها . فهذه الأحداث لا يزيد عددها ولا ينقص عاما بعد عام على الرغم من أن كلا منها لا يقع إلا بناء على مصادف طارئة أو على ظروف وملابسات خاصة كان يمكن أن تتهأ أو لا تتهيأ . أي أن هذه الأحداث ، وهي وليدة الصادفات الطائشة أو الظروف التي لا ضابط لها ، تلتزم في دائرة الاحصاء حدودا لا تتعداها
ولكن دوران الحوادث في فلك منظوم ، على حد تعبير أولئك الباحثين ، لم يهد الخيارى إلى أي معلم في طريقهم الوعر . فلقد كان مثل السراب الذي عسه الضالون ماء وهو هباء . . وحين اتضح لهم عبث محاولة الوصول إلى سر التاريخ من طريق إحصاء الحوادث غير محصورة النوع والعدد ، تركوا دراسة الوقائع في ذاتها ، وطفوا يدرسون الأسباب أو الدوافع التي تدفع الناس إلى ارتكابها ، وخيل إليه أن الاحاطة بتلك الدوافع يكشف الستر عن السر المنشود .
واختلفت الآراء الناجمة عن هذا الاتجاه الجديد ، فقال فريق من الباحثين : إن الموقع الجغرافي لدولة من الدور يهيمن على مصير شعبها ، لخيرات الأرض ومناخها ، بل ومناظرها الطبيعة هى التي تقسم الشعوب إلي أجناس ، وهم التي تغرس في النفوس خصائص كل جنس منها ومميزاته
وهى التي توجه الاقتصاد وتؤثر فيه . وهى التي تحدد في النهاية الطريق التي يسلكها كل شعب . . وقال فريق آخر : بل إن النظام الاقتصادي المطبق في كل أمة من الأمم هو الذي يرسم لها طريقها . . وقال فريق ثالث : إن تاريخ الإنسانية سلسلة منسقة من الجهود في سبيل الوصول إلى الحرية . وقال آخرون : بل إنه سلسلة منسقة من جهود الفكر البشري للاستضاءة بضوء المعرفة الحقة
ولم يثبت مذهب من تلك المذاهب للنقد . فالقول بأن الموقع الجغرافي لأي شعب بطبعه بطابعه ، يستلزم بقاء الشعوب على حال واحدة دون تطور أو تغير ، إلا إذا طرأ على طبيعة بلادها أو مناخها تطور وتغيير ، في حين أن الواقع يناقض ذلك . فكم من أمة حدثنا التاريخ عن سبقها على غيرها من الأمم في ميدان الحضارة ، بل إن آثارها تشهد اليوم بميزات انفرد بها شعبها في عصر من العصور دون سائر الشعوب . وما هو إلا أن دار الزمن دورته حتى تبدلت تلك الصفات ، وتغير ترتيب تلك الأمة في المباراة الحضارية الجارية بين الأمم ، في حين أن موقعها الجغرافي ومناظر أراضها ومناخها وطبيعتها باقية على عهدها القديم وكم من أمة قيل إن طبيعة أرضها تفرض عليها أن تبقى أمة زراعية ، أو إن مواردها الطبيعية تضطرها إلى الاقتصار على إنتاج نوع معين من المصنوعات . ولكننا نراها في العصر الحاضر الذي تطورت فيه وسائل النقل تحطم النظريات القديمة البالية ، وتذلل كل عقبة طبيعية تحول دون ازدهار الصناعة فيها إلى جانب الزراعة ، وتكاد تسبق في الميدان الصناعي الأمم التي برزت فيه منذ زمن طويل .
إن محاولة ربط التقدم الحضاري بموقع الأمم المتحضرة الجغرافي محاولة سياسية تمليها رغبة الدول الغربية في الاطمئنان إلي أن تفوقها الحالي يرجع إلى أسباب طبيعية لا تتغير وعلى ذلك يبني لها السبق في مضمار الحضارة إلى أبد الأبدين . إن أصحاب هذا المذهب يحاولون أن يقووا به معنويتهم ومعنوية شعوبهم ، وأن يتخذوا منه سياجا لصيانة حضارتهم ومعول هدم لمعنوية الشعوب الشرقية المتوعية إلى الرقي المادي . فهو أشبه بالدعوي الإغريقية القديمة التي كانت تنسب تفوق الإغريق في عصرهم الذهبى على أمم الشرق
والغرب إلي موقع بلادهم الجغرافي أو إلى مناخ بلادهم . فأمم الشرق انصفت ، في زعم أصحاب تلك الدعوى ، بالتأمل والتفكير ، لأن مناخ بلادها يقعد بها عن النشاط والحركة ، ويغريها بالكسل والقعود ، فتتسع لها أوقات الفراغ ويتاح لها المجال لإعمال الفكر . وأهل الغرب مضطرون إلى العمل المتواصل لدفع غوائل الطبيعة المتربصة بهم ، ومناخ بلادهم يحثهم على ذلك ، فلا تلبث تلك الظروف أن تطبعهم بطابع الجد والاجتهاد ولكنها تحرمهم ميزة التفكير . أما شعب الإغريق التابع بين الشرق والغرب فستمتع بمناخ معتدل بعينه على كل من العمل والتفكير على السواء ، وعلى ذلك يحتفظ له نصب السبق في ميدان الرقي على غيره من الشعوب !! . . وقد قال التاريخ قولته في تلك الدعوى
أما مذهب تفسير التاريخ الاقتصادي . فأبعد عن الصواب من المذهب الجغرافي ، لأن إرجاع كل ما يقع من أحداث في دولة من الدول إلى الاقتصاد ، أو إلى النظام الاقتصادي الساخر فيها ، يؤدي إلى تجانس الدول التي تطبق نظاما اقتصاديا واحدا ! . وهذا لا يحدث في عالم الواقع . ثم إن تحليل هذا المذهب الذي ينكر اثر إرادة الأفراد في تسيير دفة الأمور ، ينتهي إلى عكس ما يقول أصحاب هذا الذهب ، أى أنه ينتهي إلى التسليم بالمذهب الفردي في تفسير التاريخ . وبيان ذلك أن الحاكم السنيد الذي يقتبس لبلده نظاما اقتصاديا ، ويطبقه عنوة واقتدارا ، يقود البلد وفق مشيئته بواسطة النظام الاقتصادي الذي اختاره له . أي أن ذوى السلطان يستطيعون أن يهيمنوا على مصاير الشعوب من طريق فرض النظام الاقتصادي الذي يضعونه لها ، فتصبح إرادتهم الشخصية هى الدافع الذي يدفع التاريخ إلى الأمام ، وهذا غير صحيح لان الواقع ينقضه .
أما القول بأن الذي يدفع الإنسانية إلى الأمام ويرسم لها طريقها هو رغبتها في تحقيق حريتها ، أو في الوصول إلى أوج المعرفة ، فمردود بأن سيادة الحرية هى الحالة الطبيعية ، وليست غاية في ذاتها ، فالشعوب المستعبدة تحاول استرداد حريتها لتحقق بذلك غايات وأهداف أما الرغبة في الوصول إلى أوج المعرفة فلم يشعر بها إلا فريق من الناس ، وهى ليست غاية في ذاتها ، فطلب المعرفة يستهدف غايات أخرى ، ويحقق نتائج لم تخطر ببال أصحابها .
والخطأ الشائع في هذه النظريات جميعا أن أصحاب كل نظرية منها يقررون أن هناك دافعا معينا يدفع الإنسانية إلى الأمام في جميع مراحل التاريخ ، ويرعى إلى تحقيق غاية نهائية ، في حين أنه لا يوجد في عالم الوقع شئ من هذا ؟ ولم يتضح ذلك الخطأ إلا حين طلع هجل على العالم بنظريته الجدلية المشهورة ؛ فقد كشف الطريقة التي يتم التطور بمقتضاها ، وعلى الرغم من أن هذا الفيلسوف كان أول القائلين بأن غاية الوجود هى الحرية ، وقد أسس مذهبه الجدلى ليبرهن ، على صحة هذا الرأي . فإن الفلسفة رفضت التسليم برأيه في الحرية واعتبارها غاية الوجود ، ولكنها هللت بمذهبه الجدلى الديالكتيكى، ووجدت فيه الحل الذي نشده الراغبون في تفسير التاريخ تفسيرا علميا .
وقد سبق لنا أن فسرنا مذهب هجل المذكور ، ويكفينا أن نقول هنا عنه إنه يقرر أن كل ما في الوجود من عاديات ومعنويات يتطور ، لأنه يشتمل علي نقيضين . أحدها الظاهر والثاني الخفي الكامن فيه ، ويظل النقيض الخفي يستهلك الظاهر ويحل محله بالتدريج ، وإذ هو ينطوي كذلك على نقيض يخفى يقول بالعملية نفسها . . والتسليم بهذه النظرية يقضي علي جميع المذاهب التي تقرر وجود دوافع خارجة عن نطاق الحوادث تمسكها بزمامها وتدفعها إلى الأمام .
وقد وجد الباحثون في التاريخ على ضوء تلك النظرية أن هناك أربع مراحل تمر بها الإنسانية في تطورها : الأولى وهى مرحلة العصر القديم تتألف الجماعات من قبائل رحل تعيش على الصيد والقنص ، ويتمتع أفرادها بالحرية والساواة ولا يعرفون نظام الملكية الفردية أو الزواج أو المدنى . ولا يخضعون لقوانين موضوعة ، اللهم إلا ما قضى العرف والتقاليد . وحين تستقر القبائل . وتفطن إلى الزراعة . تنتهى المرحلة البدائية ، وتبدأ المرحلة التي تنشأ فيها القرى وتقدم الزراعة ، وتنتعش الحالة المادية ، فتتطلب الظروف الجديدة تنظيم الإدارة تنظيما يلائمها ، وسن قوانين تساعد على دوام ازدهارها ويقتسم الأفراد الأرض ويمتلكونها . ثم يعجز الضعفاء عن الحصول على الغلة التي تكفهم فيستدينون . فإذا عجزوا عن تسديد ديونهم استعبدهم الدائنون . . وهكذا يظهر الرقي ، وتتعدد أنواعه ، وتتسع تجارته . ويظل حالة
يستفحل حتي تنقسم الأمم إلي سادة وعبيد .
ثم تبدأ المرحلة الثالثة التي ينقسم فيها الناس إلى سادة أشراف وعامة. وتأخذ الصناعة والتجارة إذ ذاك في الازدهار وتكثر عدد الطائفة الجديدة المكونة من الصناع والتجار ، ويظل نفوذها يقوى ويشتد حتى يصل إلى الحد الذي يمكن من القضاء في دولة الأشراف وحاولهم محلها . . وأخيرا تستيقظ الشعوب وتطالب بالإشراف على وسائل الإنتاج ثم امتلاكها
وحين وقف أهل الفكر على تلك المراحل التي تمر بها الأمم إلا إذا اجتاحتها جائحة خارجية تعرقل تطورها ، أدركوا انهم فطنوا للمراحل الرئيسية التي تمر بها الإنسانية على تعاقب الأيام ومن ثم أخذوا يدرسون أسباب الانتقال من مرحلة إلى اخرى وطبقوا جدلية هجل في بحوثهم فوصلوا إلى نتائج باهرة ألفت أقوي ضوء على مواضع السر من التاريخ .
أما كيف كان هذا التطبيق . وما هي تلك النتائج ، فموعد ذكرها مقال قال .
