ما تزال الدول الغربية - وفي مقدمتها أمريكا - تسعي إلي إقناع ألمانيا القريبة بالانضمام إلي جبهة الأطلنطي والمساهمة في جيش الدفاع الأوربي ؛ وهي تعمل في هذا السبيل جاهدة منذ أكثر من عام ، ملوحة لألمانيا بما يمكن أن تحصل عليه مقابل هذا الانضمام من المزايا الخطيرة ، وقد كانت الدول الغربية تعتقد حينما تقدمت بدعوتها إلى ألمانيا أنها تستطيع أن تفرض رأيها وخططها على حكومة أمة مهزومة محتلة ، وأن تساومها بأيسر أمر ؛ ولذلك لم تر بأسا في البداية أن تطلب إليها المساهمة في الجبهة المنشودة بعدد من الوحدات العسكرية تندمج في جيش الأطلنطي دون أن تكون لها قيادة المانية خاصة أو وزارة دفاع تشرف عليها ؛ ولكن الدول المحتلة أخطأت تقدير عزم الأمة المهزومة ، وعزم حكومتها الناطفة بلسانها ، ذلك أن حكومة بون وعلى رأسها المستشار أديناور رفضت كل عرض لا يكون أساسه المساواة المطلقة بين ألمانيا وبين سائر الدول المنضمة للحلف ، من حيث تكوين الوحدات التى تساهم بها ، ومن حيث مركزها ، وتمتعها بقيادتها المستقلة ؛ ومن جهة أخري فإن الشعب الألماني ، وهو اليوم أشد شعوب الأرض زهدا في الحرب ونفورا من المساهمة في أية أعمال عسكرية مهما كان الدافع إليها والغرض منها ، لا يمكن إقناعه بالعدول عن موقفه ، وبقبول دعوة الدول المتحالفة ، إلا إذا وثق بأنه سيحصل علي الثمن الذي يناسب هذه التضحية العظمي من جانبه ، ولن يكون هذا الثمن أقل من تحرير ألمانيا ، ورد حقوقها إليها ، والسماح لها بأن تتبوا مركزها الدولي اللائق بها ، ولن يكون ذلك إلا بإنهاء الاحتلال ، وكل ما ترتب عليه من القيود والأغلال .
وقد أدركت الدول الغربية من جانبها ، وفي مقدمتها أمريكا بالأخص ، أنه لابد لها من أن تحقق لألمانيا أقصى
ما تستطيع تحقيقه من أمانيها ، إذا أرادت حقا أن تكسب ودها ، وان تضمنها إلى حظيرتها ؛ فعملت على تعديل نظام الاحتلال ، وذلك بإلغاء أثر الرقابة على المسائل التشريعية الداخلية ، والسماح لألمانيا بأن تستأنف علاقتها الخارجية بشروط معينة ، وأن تستأنف حريتها التجارية مع بعض التحفظات ، ثم عادت فخطت بعد ذلك خطوة أخرى ، فقررت إنهاء حالة الحرب بينها وبين ألمانيا ، وذلك تمهيدا لوضع معاهدة الصلح معها متى سمحت الظروف بذلك .
وبالرغم مما تنطوي عليه هذه التعديلات من كسب محقق لألمانيا الغربية في الشئون الداخلية والخارجية ، فإن حكومة بون لم تقتنع بها ، ولم تر أنها محققة لكل ما يطالب به الشعب الألماني . وطرأت في الوقت نفسه صعاب جديدة ، جعلت حكومة بون أشد تمسكا بموقفها . وكان في مقدمة هذه الصعاب مشكلتان ؛ الأولى مشكلة إنتاج الفحم والصلب في منطقة الرور ، وما يترتب عليها من توزيع منتجات الصناعة الألمانية ولاسيما الفحم بنسب لا ترضي ألمانيا ولا تتفق مع مصالحها ؛ ومعروف أن الإنتاج الصناعي في منطقة الرور خاضع لنظام خاص فرضته الدول الظافرة على ألمانيا ، وحدد فيه الإنتاج والاستهلاك بنسب لا تتفق مع مصالح ألمانيا . والثانية مشكلة السار التي زادتها فرنسا بتصرفاتها الأخيرة حدة وتعقيدا ؟ ومعروف أن منطقة السار هي أرض ألمانية يسكنها شعب ألماني محض ولكن فرنسا قررت ضمها إليها ، وإدماجها في نظامها الاقتصادي لتظفر بما تنتجه من الكميات العظيمة من الفحم والصلب ، وقد عمدت أخيرا فعينت لها سفيرا في مدينة ساربريكن عاصمة السار ، مما يدلي بأنها تعتبره أرضا مستقلة ، منفصلة تماما عن ألمانيا ، وهذا ما لا تعترف به ألمانيا ، فهي ما تزال تعتبر السار ارضا ألمانية ، ومصيره النهائي مرهون بمعاهدة الصلح ، فلا حق لفرنسا في أن تقرر هذا
المصير بمحض إرادتها ، وقد رفعت ألمانيا صوتها أخيرا بالاحتجاج المر على هذه التصرفات ، وأعلنت إنكارها .
وفي الأنباء الأخيرة أن ألمانيا الغربية رأت أن تحدد موقفها من مشروع المساهمة في الدفاع الغربي بصورة جلية ، فأصدر برلمان بون ( البندستاج ) قرارا يشترط فيه لقبول هذه المساهمة خمسة شروط أساسية هي :
١ - المساواة في الحقوق مع الدول الأخرى حتى يتم انضمام ألمانيا إلي حلف الأطلنطي .
٢ - وإعادة الحرية السياسية إلى شعب إقليم السار وفقا لميثاق الأمم المتحدة .
٣ - وتحديد نصيب ألمانيا في نفقات الدفاع بنسبة لا تلحق الضرر بمصالح البلاد الاقتصادية والاجتماعية .
٤- وإطلاق سراح الألمان المتهمين بتهم عسكرية ماعدا أفرادا معينين .
5- وإنهاء نظام الاحتلال واسترد ألمانيا لسيادتها التشريعية كاملة وحل جميع الهيئات العمالية التي تقوم بخدمة الحلفاء .
وقد وافق برلمان بون على هذا القرار بأغلبية ٢٠٤ صوت مقابل ١٥٦ ؛ ومن المعروف أن المستشار أديناور قد بذل جهدا فادحا للوصول إلى هذه النتيجة ؛ وإذا فمن الواضح أن حكومة بون لا تستطيع أن تقبل أقل من تحقيق هذه الشروط إذا شاء الحلفاء أن يظفروا بقبول ألمانيا الغربية الاشتراك في الحلف الأطلنطي وفي الجيش الأوربي .
قد مضي إلي اليوم على نهاية الحرب زهاه سبعة أعوام ، فإذا ذكرنا ما لقيته ألمانيا المحطمة المخربة عند نهايتها من محن غامرة ، وما فرض عليها كأمة مهزومة من الشروط والأغلال المهينة الساحقة ، استطعنا أن ندرك إلى أي حد تغيرت الظروف ، وإلى أى حد استطاعت ألمانيا المهزومة الجريح . أن تفيق من محنتها بسرعة ، وأن تستجمع قواها المعنوية الزاخرة لتعمل على تحطيم أغلال الهزيمة ، ولتملي علي أعدائها الظافرين بالأمس والذين يحتلونها بجيوشهم حتى اليوم ، ما تقتضيه حقوق الوطن الجريح من مقومات السيادة والكرامة والعدالة الدولية .

