لا نزاع في أن عالم المعرفة في العصر الحديث قد اتسع نطاقه وغزرت مادته، والمرجح أنه قد بلغ مستوى لم تصل إليه العصور الخالية والحضارات القديمة، ولكن الذي يسترعي النظر أن معرفتنا بالأشياء البعيدة عن علاقاتنا الإنسانية واهتماماتنا الدنيوية أوفر وأوفى، فنحن نعلم عن حركات الكواكب وتكوينها ومتون البحار وقيعانها أكثر مما نعلم عن مدى رغباتنا وأغوار نفوسنا، وقد ألمح كثير من الفكرين إلي تخلف العلوم الاجتماعية والنفسية والاقتصادية عن العلوم الطبيعية، وقد ذكر العلامة ماكدوجال في رسالته القيمة عن "الفوضى العالمية" أن علم النفس وعلم السياسة وعلم الاجتماع لا تزال أسماء لطيفة جذابة تكشف عن ثغرات في معرفتنا، وأنها تمثل أماني وطمحات أكثر مما تعبر عن أعمال تمت وغايات تحققت، وأنها تصف برامج العمل ومناطق لا تزال تسودها الفوضي ويغمرها الظلام، ولكن هذه المناطق يجب أن يشملها النظام ويصل إليها الضوء الذي يجلو الظلام إذا قدر للحضارة البقاء والاسترسال في النماء، والشيء الغريب أن أساس المعرفة نفسه وهو كيف نعرف حقيقة الأشياء لا يزال موضع التساؤل والأخذ والرد ولم ينحسر عنه النقاب.
ومعرفة العلاقات المتبادلة بين مختلف النفوس وتأثير بعضها في البعض من المسائل التي لم تدرس دراسة مستفيضة، ولم يكثر من تداولها الباحثون، وهي من المسائل التي تتصل اتصالا وثيقاً بعلم النفس والأخلاق والفلسفة.
ومهما يكن من الأمر فإنها موضوع ذاتي قد يستعصي على البحث العلمي، ويتأبى علي التحليل، وتتعارض فيه وجهات النظر، ولكنه يتناول الكثير من الحقائق
الشديدة الاتصال بالحياة، والتي تعدنا بنتائج هامة وتبشر باقترابنا من آفاق رحاب من آفاق المعرفة رغم وعورة صعدائها والتواء مسالكها.
وأول ما يواجه الباحث في ألوان النفوس هو مسألة الاستعانه بالمنهج العلمي، وهو يعتمد أول ما يعتمد على تقسيم الأشياء إلى طبقات وأنواع، فهل هذا ينطبق على دنيا الشخصية وتطرد أحكامه في عالم النفس وملكوت الروح؟ لا شك أنه لا ينطبق ولا تسري قوانينه إذا حاولنا تطبيقه على السمات البادية والملامح الخارجية لسبب بسيط، وهو أنه ليس للنفوس أشكال معروفة ولا سمات بارزة ملموسة، ولكن يمكن أن نقسم النفوس بطريقة تكشف عن صفاتها المشتركة، وخصائصها العامة، وأظن أن ذلك قد يلقي شيئا من الضوء ويعين بعض الإعانة على التبصر والفهم.
والنفس الحية المجسمة هي أول ما يطالعنا من ألوان الفوس، وأوضح ممزات هذه النفس أنها -على حد تمبير المنفي- تسكن اللحم والعظم وتكتسي برداء الجسد، ولكن هذه الميزة قد تكون مصدر شقائها وسبب محنتها، وإن الحسد قد يعوق هذه النفس الهابطة من المحل الأرفع، ويرى البعض أن الصراع العنيف الناشب بين النفس والجسد يكشف عن قوتها، ويبين معدنها وطبيعتها، وعلى هذا الصراع تقوم مأساة الإنسان في الحياة، وكذلك ملهاته ومجده وسقوطه، وشعورنا بأننا شئ أكثر من الجسد وأسمى شأنا هو نفسه دليل على أن في نفوسنا شيئا يسمو على الطبيعة وأن البستي علي حق في قوله : "فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان". ولكن كيف اتجه الإنسان إلى التفريق بين النفس والجسد وأنزل النفس منزلة أسمى من منزلة الجسد؟ وما معنى هذا وأثره في العلاقة بيننا وبين غيرنا؟
قد يعيننا على إيضاح ذلك النظر إلي لون آخر من الوان النفوس، وهي النفوس غير المجسمة، وفكرتنا عن هذه النفوس كثيرة الدلالة فياضة المعاني، وقد نتساءل: هل لها وجود قائم بذاته شاعر بكيانه؟ وهل هناك وجود بوجه عام وراء انفصال هذه النفوس عن أجسادها وخلاصها من قيودها وسجنها؟ أم المسألة لم تخرج عن كونها ضربا من ضروب التفكبر الإرادي الذي ينشأ من رغبتنا في أن نمد حياتنا إلي ما وراء الحاضر لنستمر مستمتعين بنوع من الوجود لا نعرف له سابقة ولا نظيراً؟ وهل لأمثال هذه النفوس المقارفة لأجسادها شعور بالواقع وإحساس بالحقائق؟.
هذه مشكلة شائكة طال عليها القدم وكثر حولها الخلاف فلنتركها كما هي، والواقع الذي لا يمكن إنكاره أن بعض هذه النفوس التي نطلق عليها تلك اللفظة البغيضة "الموتى" لا تزال موجودة بالقياس إلينا، فهي حية في نفوسنا وقوى روحية تؤثر على حياتنا، وكثير من الأعزاء علينا الأثيرين في نفوسنا الذين فارفوا الحياة وطوتهم القبور ونال من بقاياهم البلى لا تزال ذكراهم نضيرة في نفوسنا نستنجد بها في الملمات، وربما أدركنا الحياء والخجل إذا تصرفنا في أمر من الأمور تصرفاً نعلم أنه لم يكن يرضيها في حياتها ويلائم رغباتها ومطالبها.
ومن النفوس التي فارقت هيكلها فرقة يصح أن نسميها النفوس التاريخية، فقد أخذت مكانها في طليعة العناصر التي يتكون منها التاريخ، وارتسمت في خيال الإنسانية العام متنقلة من جيل إلى جيل. ومن الناس من يحسبون التاريخ مجرد تسجيل للحوادث بعد أن استقرت حركتها واستوفت سيرتها، ولكن التاريخ على نقيض ذلك، فهو قوة حية مؤثرة في أحوالنا ومذاهبنا وأفكارنا،
وهو الأساس الذي تقوم عليه الحضارة والعرف والتقاليد، وهو أشبه بنهر تتدفق مياهه من منابع الماضي السحيق وتروي وادي الحاضر الممرع الخصيب، ولولاه لأصبح الحاضر والمستقبل بلاقع وأجادب، والنفوس التاريخية من عناصره الفعالة وقواه المؤثرة، ولا نستطيع أن نذكر التاريخ وننسى عظماء الأنبياء وقادة الأمم وكبار الساسة ونوابغ القادة، والمصلحين والهداة والعبقرين من الشعراء والكتاب والعلماء والفلاسفة، وأمثال هؤلاء الرجال الأفذاذ قد غابت عنا أجسادهم ولكنهم برغم ذلك على مقربة منا ويعيشون معنا، ونحن نهتدى بهديهم، ونترسم مثلهم العليا، وننتصح بنصائحهم، ونفيد من حكمتهم، ولا ينقص من قيمة هذه الشخصيات الكبيرة والنفوس العظيمة اعتقاد بعض الناس أننا نضفي عليهم حلة من خيالنا وأن حياتهم في عقولنا وقلوبنا مختلفة عن حياتهم الأصيلة وحقيقتهم الواقعية، فإن هذا التعظيم من شأنهم لا يسُوء حقيقتهم ولا يزيف من معدنهم، وإنما يكشف عن أنفسهم خالصة من الشوائب نقية صافية، وبيرز صفاتهم السامية الجليلة، ويجلي جوهر وجودهم، وأساس عظمتهم، وسر تفوقهم، ويلغى القشور ويبقي اللباب، والصورة التي تمحو من الوجه الكاف والنمش، ولكنها توضح ملامحه ومعارفه وتكشف عن معناه، لا تعد صورة زائفة مزورة بل هي تزيد الحقيقة وضوحاً وتؤكد الواقع.
ومن ألوان النفوس التي أثرت في الحياة الاجتماعية والثقافية نفوس تبدو في بادئ الأمر خيالية ليس لها وجود حقيقي، ولكن إذا نظرنا إلى تأثير هذه النفوس وجدنا أننا مضطرين إلى أن نعزو إليها نوعا خاصا من أنواع الوجود، فقد تبوأت مكاناً رفيعاً في عالم الأدب والثقافة والفكر والنقد؛ فهملت ودون كيشوت وفاوست وجلفر وأمثالهم من ذوي الشهرة الذائعة لهم تأثير ملحوظ
في تشكيل مثل الحياة، وتكوين الأفكار، وإحداث الاتجاهات الأدبية، والتيارات الثقافية، وقد تكونت هذه الشخصيات في عقول خالقيها، وقد صاغوها على أمثلة رجال حقيقيين عاشوا في هذه الدنيا، ولكن بنوع من الاختيار والتركيب والحذف والإضافة، وفي ذلك توسيع لأفاق النفس الانسانية، وإنماء لتجاربها واختباراتها، وأمثال هذه النفوس لايبلى جدتها الزمن، بل هي كقصائد أبي تمام التي يقول فيها:
ويزيدها مر الليالي جدة
وتقادم الأيام حسن شباب
وهذه الأنفس بالرغم من أمها وليدة عقول موجديها ومن خلق خيالهم فيها مع ذلك فما وجودها الخاص وأثرها البارز.
وهناك لون آخر من ألوان النفوس قد خلقتها الأوهام ومفزعات الأحلام، ولها في الحياة الاجتماعية تأثير غير مذكور، ولهذا الاعتبار لا يمكن تجاهلها، ومن خصائص الخيال الإنساني العجيبة أنه قد يستخرج من العدم وجود ويدعو من عالم المحال والهباء الأشباح والأخيلة والظلال والهامات والأرواح والشياطبن والمردة والتنانين، ويصورها صوراً تثير الخوف والرعب، وتكشف عن قدرة الإنسان على إيلام نفسه وتعذيبها، وتبين ما بالضمير الإنساني من علل وآفات وأسقام، ولذا كان ضررها أكثر وأهم من نفعها، وأشهر هذه المخلوقات الوهمية هو الشيطان، وقد صاغه الانسان من مخاوفه وأوهامه فأصبح الإنسان خالقه أسيره الذي يرهب سطوته ويخشى تأثيره وقد وجد من يعبدونه ويقدمون له القرابين؛ ويرينا ذلك كيف يلتوي الخيال، ويخفق العقل، ويتعثر الفهم. فالخيال عمله الأصيل هو توسيع جوانب الحياة وإكمال نقصها وإشاعة السرور والابتهاج في مختلف نواحيها، ولكنه هنا يخلق أسباب
الآثم والعذاب والشقاء، وطالما عذب البريء الخلى وآذي السليم القلب والطوبة.
هذه ألوان النفوس التي لها مكانة في المجتمع وأثر في التاريخ، ولكل منها طبيعته ومميزانه، وبعض الحقائق تغرينا بالذهاب إلى أن النفس المجسمة هي وحدها النفس الحقيقية، ولكن هل هذا الوجود المجسم هو الأسلوب الوحيد من أساليب الوجود؟ الواقع أن الجسم وحده لا يكفي في الدلالة على النفس وما نعلمه عن عالم النفس والروح والشخصية قليل لا ينفع الغلة، وقد استولى العلم الطبيعي على عقول الأمم التي لها الصدارة في حياة الفكر والثقافة. وربما كان الشاعر بوب على حق في قوله: "الدراسة الخليقة بالنوع الإنساني هي الإنسان" ولكن الإنسان في العصر الحاضر كما سماه الكس كاربل "الإنسان المجهول".
