صاحبي الذي عاد أخيرا من أمريكا رجل ساخط . فهو غير راض عن رجالنا الذين يملأون قوارع الطرق على مفاهيم لا يبتغون وجها . . إلا وجه المرأة يتطلعون إليه في غدوها ورواحها . وهو غير راض عن نسائنا اللائي يصبحن فلا يكون لهن من عمل إلا أن يتبرجن ويستكملن زينتهن ثم يخرجن إلى الطرقات ويمشين في الأسواق لا للبيع ولا للشراء ، ولكن للاستعراض " وبث الفتنة في تلك النفوس الخاوية الجالسة على الأفاريز..
ولست أدرى هل من الخير أن يعود ابناؤنا وإخواننا من الخارج يملأهم هذا السخط فيتزوون وينطوون على أنفسهم ويجلسون يجترون أحزانهم على هذه الطريقة ، أم أنه يكون من الخير لو أنهم غادوا فآثروا الانتشار وبث عدواهم في بيئتهم لينيروا ما حولهم من العقول المظلمة وليرفعوا مجتمعهم إلى مستواهم الذي ألفوه وتعودوا أن يعيشوا فيه وهم في الخارج .
قلت يوما لصاحبي هذا بعد أن قرأت صحف الصباح : - أبشر يا صاحبى ؛ فلقد حدث اليوم في كفر الدوار حادث تاريخى عظيم .
قال : وما هو ؟
قلت : لقد كان التلاميذ يختلطون بالتلميذات في مدرستها الابتدائية الأميرية ، فلما أتموا دراستهم الابتدائية تقدمت زميلة معهم إلى المدرسة الثانوية ، وكان محرما قبول الفتيات في المدارس الثانوية المخصصة للبنين ، ولكن نظرا لعدم وجود مدرسة ثانوية هناك للبنات فقد سمح وزير المعارف الحالي لهذه الفتاة أن تتم دراستها مع زملائها الذين كانوا معها في المدرسة الابتدائية . .
قال : هذا حادث له ما وراءه ؛ وأؤكد لك أن مصر صعدت بهذا العمل الذي يبدو صغيرا درجة عالية في سلم رقيها . وخطت خطوة حاسمة في سبيل التقدم الصحيح !
ان معظم رجالنا في هذه البلاد بحكم ظروفنا الاجتماعية الراهنة طائفة من الآدميين ، لا يفكرون إلا على أساس أنهم " ذكور " - كما أن معظم النساء يفضلن عن إنسانيتهن الواسعة ويعشن في دائرة ضيقة ، تستند بعقولهن في نطاقها فكرة أنهن " ) إناث - والذكورة والأنوثة خلتان مقبولتان في قطعان السائمة التي لا تزال تهيم في بعض براري أمريكا . أما في الأوساط الآدمية فيجب أن ترتفع البشرية عن هذا المستوى الفطري المنخفض وتسمو قليلا إلى مرتبة الإنسان . . الإنسان كما يلبق به أن يعيش وسط هذه الكائنات الاخرى التي تحيط به . . الإنسان صاحب العقل والذكاء والواهب الفنية الأخرى التى ترتفع به إلى مستواه الخاص الذي من أجله يعتبر سيد هذا الكوكب الذي يحيا فوقه !
ثم استطرد صاحبى يقول :
قد أذهلتني ظاهرة عجيبة شاهدتها عقب عودتى إلى أرض الوطن . ذلك أني رأيت الناس هنا يعهدون إلى مشاكلهم فيتناقشون فيها ويكون كل جهادهم في سبيل حلها هو . . هذا النقاش ؛ مع أن الطريقة المتبعة في كل البلاد المتحضرة هى . . العمل ومواجهة المشاكل باستنباط الحلول للتخلص منها .
قلت له :
هذا كلام جميل أحب أن أوافقك عليه . إني شخصيا أري أن مشكلة الرجل والمرأة في مصر ليست من المشاكل الأفلاطونية التي تحل بالجدل . ولكنها من الشاكل الوافية التى تحل بالعمل. فلتدع الجنسين يلتقيان معا في كل ميادين الحياة ، وليجتمع سالبها بموجبها لتكوين تيار الحياة الدافق السليم . ولتعطهم فرصا متكافئة ، ثم لندع كل واحد منهما يتبوأ المركز الذي يؤهله له عمله أما أن نتحكم
بالمجادلات العقيمة في مصير أحد الجنسين فهذا عمل لا يتسم بالعدل ولا نزاهة القصد .
قال :
إني لا أحب أن أغالى فأقول مع غلاة القوالين إن " الرجل " قد فشل في تعبير هذا الكون بسبب عناده وعدم مرونته وتورطه في هذه الحروب الطاحنة التي توشك أن تقوض بنيان الحضارة وأن تصل بالعالم إلى نهايته . ولا أريد أن أقول إن " المرأة " أقدر من الرجل كما يقول بعض الناس لأنها بطبيعتها لا تميل إلي الهدم . ولا تتهافت تهافت الرجل على الموت في سبيل تلك الخرافات التي يسمونها " المجد " أو " الفخار " . وذلك لأنها تحسن تذوق الحياة وتحرص على المحافظة عليها حرصا غريزيا يظهر جليا في عنايتها بأشيائها وحبها للادخار .
ولكني أقول إن الخرافة القائلة بأن المرأة لم تخلق إلا للبيت هى إحدى الحيل التي ابتكرها الرجال للسيطرة على الحياة العامة لأنهم قد استطاعوا بها إبعاد المرأة عن هذا الميدان ومشاكله طوال القرون الماضية ، فكانت النتيجة أن حركة تقدم العالم كله شلت بمقدار تخلف المرأة عن الظهور في ميدان الحياة العامة - والبلاد التي لازالت تحتفظ بهذا الرأي يتتبع نحو المرأة تلك الخطة العتيقة هى وحدها التي تخلفت عن الركب .
وإني لأذكر أني قرأت أخيرا كلة في هذا الموضوع لكاتب اجتماعي يستحق كل تقدير ، لأنه أراد أن يعرض لهذه المسألة فلم يعالجها على الطريقة المألوفة - طريقة الكلام الضخم الأجوف - بل تناول المشكلة بطريقة عملية عرض فيها لمثلين من واقع الحياة ، فبين كيف تعيش " المرأة الأنثى " وكيف تعيش " المرأة الإنسان
إني قد لا تحضرني كلماته نفسها ، ولكن القصة التي ساقها مازالت عالقة بذاكرتي . قال :
كنت منذ سنوات أصطاف في الإسكندرية وكنا نفعد رجالا ونساء في اجتماعات عائلية على الشاطئ نتجاذب الحديث . وما كان أسخف ما تتحدث عنه النساء شئون الخدم وخياناتهم وتمردهم والتباهي بطرق إذلالهم . . وزواج هذه الأنسة أو تلك الأرملة وحفلة زفافها وقلة
الطعام التقدم فيها . . وهذا الخطيب الثرى المتنظر لتلك الفتاة وخاتم الخطبة وثمنه وقيمة المهر المدفوع والسكنى في الزمالك . . والسيارة التي اشتراها فلان . . وهذه الخياطة البارعة وما تتقاضاه من أجور خيالية وذلك القماش الحديث . . الخ .. الخ أحاديث تافهة من شخصيات تاقهة . واهتمامات زائفة نشأت من حبسة البيت وحبسة النفس ، فلم يكن بين هؤلاء النسوة من كانت تهتم بمسألة عقلية أو بموضوع اجتماعي مما تثيره المطالعة أو ممارسة الحياة العامة . وكان أبعد شئ عن دائرة اهتمامهم التحدث عن شئ من مسرحيات برناردشو مثلا ، أو التعرض للمخترعات الطبية الحديثة ، أو النظريات الجديدة في دراسة نفسية الطفل والتعرف على اتجاهاته السلوكية ، أو التعليق على نهضة المرأة في الهند ومصر ، أو المقارنة بين الأديان في رسم الطريق إلى السعادة ، أو البحث في برامج المدارس وتأثيرها في تكوين الشباب ، أو ما إلى هذه الموضوعات وأشباهها . كأنهن لا يطلعن حتى على الصحف اليومية فضلا عن كتب الأدباء وكبار المفكرين المعاصرين أو الغابرين
ولكن انضمت في الفترة الأخيرة إلى جماعتنا فتاتان لم يتزوجا وإنما احترفتا التمريض في أحد مستشفيات القاهرة . وكنت عندما أجلس إليهما وأتحدث أحس أنني إزاء شخصيتين عاليتين ، فقد اكتسبت كل منهما نظرة عالية أوسع من نطاق الخدم والمنزل والمطبخ وأحمر الشفاء والفستان الجديد واستمعت إلي حديث إحداهما عن المرضى والأمراض وعن اختلاف الناس في استقبال الموت أو الحكم بالموت عندما يعرف المريض مثلا أن سرطانا قديما قد تثبت وتفرع في جوفه . . وقد وصفت لي إحداهما كيف رأت رجلا قبيل النزع وكيف خففت عنه . .
وكنا نقيم في سيدي بشر وهى تبعد عن الإسكندرية بنحو عشرة كيلومترات ، فاقترحنا أن ننهض ذات صباح ونسير بحذاة الشاطئ إلى الإسكندرية ، وكنت أحس وأنا اتحدث إلى كل منهما أني إزاء إنسان قد استحال إلى شخصية ناضجة تمتاز بجمال وكرامة وذكاء وذلك لأن اختلاطهما بالمجتمع وخدمتهما له قد زاد ذكاءهما وكونا شخصيتهما ولو أن كلا منهما قد نشأت النشأة المألوفه عند غيرهن اللائي
يعشن في المنزل . . وينتظرون الزوج . . ثم يتزوجن فيلتزمن المنزل أيضا ويقصرن اهتمامهن على اللباس والخدم وقصص الرواج والثراء لما كانت لها هذه الشخصية - والذكاء ينهض على أساس طبيعي ويربي بالمجتمع . ونحن الرجال بما تمارس من اختبارات وبما نكابد من كسب أو خسارة وتصادف من أخطار ، بل بما ترتكب من أخطاء تتعلم وتنمو وتزيد حكمة . والمرأة كذلك ان تكون إنسانا حكما كاملا إلا إذا مارست جميع الأعمال التي يعملها الرجال واقتحمت ميادينه وتعرضت للأخطار .
وهذه الصورة الجديدة للمرأة قد لا تحجب بعض الرجال الذين يؤثرون جهل المرأة على معرفتها وقصورها على نضجها ، وهم يحسون سيطرة ويمارسون تسلطا عليها في هذه الحالة . ويعتلون هذه المرتبة أو الميزة العالية لهم عليها . ولكن المرأة الرشيدة يجب أن تنتبه وترفض أن تكون لعبة الرجل . ونحن الرجال نعرف أن المدرسة والجامعة لا تربياننا ، وإنما الذي يريبنا هو هذا المجتمع الذي نختلط به ونصطدم بمشكلاته ونحن لا نستقطر الحكمة وننضج النضج الفلسفي إلا بعد أن نخطئ، ونصيب ونخسر ونكسب وننجح ونفشل ، ونتساق ساعة للهوي ثم نفيق عقبها سنين ، لأننا عرفنا الحقائق المرة ومارسنا هذه الدنيا في حرية واستقلال بلا خوف من سلطة أو من تقاليد .
وهذه الحكمة التي ننالها نحن الرجال من اختباراتنا لهذه الدنيا يجب أن تنالها الرأة بمثل الوسائل التي نتوسل نحن بها . . أي بالعمل والإنتاج والاختلاط والاستقلال والاختيار .
وكان لنا صاحب آخر حضر هذا الحديث من أوله رأنا انتهينا من حديثا إلي هذه النتيجة قال :
هذا هو صدي ما في نفسي ونفس كل غيور على مستقبل هذا الوطن - ولقد أطلق وزير المعارف الحالي طلقته الأولى التي وقعت قذيفتها في كفر الدوار . وأظن ان الزحف الشامل سوف لا يتأخر كثيرا وان يردنا عن جهتنا الجديدة شئ بإذن الله حتى ولو عاد إلى التحكم في شئون المدارس " وزير التقاليد " القديم أو زميله ذلك
الآخر الذي كان شرا منه يوم فكر في تحريم العلم على الطالبات ، وهداه تفكيره النوراني إلى استدعاء من كانت منهن تتلقى علومها في الخارج فعاد بالبلاد في قفزة واحدة إلى عهد الجاهلية الأولى حين كانوا يئدون البنات . . خشية العار
قلت : يا صاحبي سوف أنشر حديثكما إلي جانب ما نشرت من احاديث اخرى في هذا الموضوع لتكون القضية بين يدى الغراء بكل " أوراقها ، و مستدلها فإنها قضيتهم ولهم أن يحكموا فيها بما يشاءون .

