الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 677 الرجوع إلى "الثقافة"

ألوان من التفكير

Share

سمعتهم يتجادلون فى أمر مساواة المراة بالرجل - وكان فهم رجل الدين الذى يميل إلى المحاجة بالقرآن . ورجل الاجتماع الذى يستمد حجته من التاريخ والمجتمعات ، كما كان فيهم من يجادل معهم بغير علم ولا هدى . . وبقيت بينهم حيناً أسمع وأرى . . وأسجل .

قال رجل الدين : إن أولئك الذين يثيرون منا هذه الموضوعات إنما يسايرون فى هذا العالم تطوراً طبيعاً فى نظم المجتمعات المتحضرة - ذلك التطور الذى يريدون أن يكون لهم من نتيجتة نصيب . ومصر من قديم الزمان ديار حضارة وسوق فلسفة ومعرض زينة ، فلا عجب أن تميل رءوس المصلحين فيها والمصلحات بخيلاء التحضر ونظرياته . وأن تجرى على الورق أقلام الكتاب والكاتبات بهذه النظريات السائدة فى حياة المتحضرين - وقد يكون ذلك كله مفهوماً على أساس أنه بحث فلسفى نظرى يستحق الجدل - ولكن لا ريب أنه من النفاق المرذول والتكلف البغيض إقحام كلمة " الإسلام " فى هذه الحلبة حول " تحرير المرأة " - كما يقولون - أو " تأمير المرأة " - كما هو الواقع - رغبة من هؤلاء المتظاهرين للمرأة فى أن يجعلوا لحكمها وسلطانها سنداً من الدين عند العامة ، وشبهة من الحق عند المعترضين .

فالقرآن الكريم برئ فى سنته وأحكامه من موضوع يسمى " المساواة " بين الرجل والمرأة - لأن هذا الموضوع الوهمى ليس إلا بدعة مختلفة فى ذهنية المتحضرين المضطربة ، وقد يصاب بعض الناس بما يسمونه " عمى الألوان ولكن الاكثرية الساحقة من المتحضرين وخاصة بين أدعياء الإصلاح - صابة بما يسمى " عمي الاتجاهات " - إذ ما هي العلاقة بين الإسلام الذى حدد الصلة واضحة بين الرجال والنساء ، وجعل الولاية والوصاية للرجل على المرأة فى كل الشئون ، وبين هذه " الامتيازات " التى يراد تسجيلها اليوم المرأة فى القانون من تسوية فى المجتمع وفى الإرث وفى شئون الزواج والطلاق . .!

وكأنما اهتزت أريحية صاحبنا الذى يزعم العلم بالتواريخ واستخفه الطرب لهذا الكلام الجميل ، فعقب عليه مؤيداً بقوله : - إن المجتمع المريض كالفرد المريض إذا زاغ شئ منه عن مجرى النواميس الطبيعة والقواعد الصحية ظهر الخلل فى جوانبه وشاع الاضطراب فى نواحيه . والقانون الطبيعى الأزلى أن للرجل على المرأة الكلمة العليا فى كل شئ - ولكن هذه الكلمة لا تعلو إلا بحقها . . فيكون الرجل رحلا حقيقياً فى ظاهره وفى باطنه مبيناً فى كل أمره ، يرتخص من نفسه وماله ثمن المروءة والرجولة والشجاعة ، ويمضى فى حياته مضاء الشهب إلى غاية معلومة وطريقة واضحة مفتدياً بآبائه الصالحين متأبياً على هوان الهينين . فهذا هو الرجل الحق الذى جبلت المرأة لتشرح صدرها ، وتخفض جناحها له . تهنز بشراء اهتزاز الأرض للغيث ، مستظلة دهرها بظله . ناعمة فى عدله ، فخوراً بقوله وفعله أياً كان هذا الرجل أباً أو ابناً ، وأخاً أو بعلاً . .

فإذا ما لحقت الشيخوخة والخور طبيعة هذا الرجل أو أدركها الموت فى مجتمع كهذا المجتمع المتعفن ( يقصد مجتمعنا هذا الذى نعيش فيه ) أصبحنا لا نرى إلا هذا النوع من الرجال المتهالكين المتهافتين ما بين دليل صاغر أو لص فاجر - أو وضيع متجبر ، أو غوى داغر ، لا هم للواحد منهم إلا العمل على تغطية القصور البادى فى رجولته باسترضاء المرأة والتخاذل أمامها والتزويج لها - وإن المرأة نفسها لا تقف مكتوفة الأيدى أمام هذا النوع من الرجال ، إذ كيف ترى نفسها مزدهرة قد آتتها الأرض زينتها ثم تستطيع هى أن تصبر على مثل هؤلاء الخائرين المتهدمين يسودونها أو يقودونها - إن عذر المرأة فى نشوزها على مثل هذا الرجل عذر مقبول وثورتها عليه وميراثها لسلطانه نتيجة حتمية . . إن هذه الثورة النسوية الحالية هى الدلالة الحاسمة على التصدع الخطير الذى أصاب المجتمع فى أقوى ركن من أركانه . وإن من أقوى العلامات على حصول هذا الاختلال هو ما نراه اليوم من قيام المرأة بجمع شملها وتكتلها فى وجه الرجل لتصبح به أن يخلى مكانه لها . .

ولكن المرأة التى لا تزال طبيعتها القديمة تشعرها بسلطة الرجل تستحى اليوم أن تقول له فى صراعها : " خل مكانك لى وازل عن حقوقك "؛- ولكنها تحوم صيحتها بما يناسب طبيعتها فتصرخ فى وجهه قائلة : " إن ساتساوى بك لأعيش معك ".

فأخذ رجل الدين سمة الإنسان العليم بيواطن الأمور وقال : - قد يحس بعض الناس أن هذه الإتحادات النسوية " بدعة مستحدثة ، والواقع أنها قديمه - فقد نشأت فى هذه البلاد ، وفى بلاد الحضارة كلها الجمعيات والاتحادات النسوية المثل هذه العلة - وهى ( تداعى الرجل وسقوطه ) - فلا وجه للغرابة إذاً فى قيام هذه الجمعيات والاتحادات التى نراها الآن تعمل دائبة على شرح نظر بأنها وتدعيم سلطانها . وفى قصص القرآن نطالع قصة يوسف الذى ادخلته امرأة العزيز على اتحادها النسوى لتعرض على أفراده من النساء أعظم مفاجأة لها ولهن . فإنها اكتشفت " الرجل " - أول " رجل " استحق عندها وعندهن هذا الاسم - " قد رأيته أكبرنه وقطعن ايديهن وقلن حاش لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم "

إنهن لم يكن رأين قبله " رجلا " يفرض نفسه عليهن ويؤثر بشخصيته وعزته فى نفوسهن . والإ فأين كان " الرحال " عندما قضى ذلك الاتحاد النسوى على يوسف بالسجن لأنه أبى لمروئته ورجولته أن يجر زيله على خطيئة امرأة . قد كان الرجال كعهدنا بهم اليوم فى تحثهم يرفلون . وفى لهوهم يلعبون . وفى حمأة ضعفهم وخورهم يتمرغون وما أبلغ حسرة المرأة التى لم تر من قبل رجلا طيار أنه قالت " وما هذا بشرا " ذلك لأن الرجل الذى عرفته وألفته كان غير هذا الطراز الجديد الحق من الرجال إن رجلها كان ماثلا أمامها دائما فى صورة شوها أخرجته لها الحضارة وفى عنقه عقود اعتادت أن تسحبه به .

وكان بين الحاضرين شاب لا يزال أخضر العود . فاعتدل فى مجلسه ورفع أنامله إلى ربطة عنقه كأنه يحاول إصلاحها ، ثم قال معترضا

- ولكن يوسف كان شاباً جميلا - وكان جماله سبب تعلق امرأة فرعون به !

فأجابه رجل الدين فى حدة : - إن جمال يوسف لم يكن ذلك الحسن الجسدى الذى اعتاد العامة أن يفهموه به فإن يوسف البدوى ابن يعقوب لم يكن جميلا جمال الغلمان والمماليك من صبية الروم والأعاجم ، بل كان جماله جمالاً فى شخصية كاملة متزنة قوية - وهو إلى سماحة وجهه كان ثابت الأركان صاحى القلب عالى النفس - لقد كان وريث نبوة وحمال أمانة وتبيع كتاب وعابد إله واحد لا يبتغى غير وجه إن فى كل ما يعمل ولا يخشى سواء - وقد أصبغ الله عليه وعلى أمثاله من نعمة الفتوة وأثواب العافية ورواه العفة وهيبة المروءة ما يجعل المرأة نقف حياله فى مكانها الطبيعى منه . وتبلغ المدى فى التعبير عن شعورها حين تعرض عليه ما قد تعرضه النساء قرباناً لسلطانه وانصياعاً لرجولته .. ..

قال شيخ من الحاضرين : - إن الحجة الحقيقية فى موضوع المرأة هو " الرجل " وغياب هذه الحجة وانهيارها فى صور رجال الحضارة المتهمين الحاليين لا سبيل معه إلى معالجة الموضوع بالجدل . فالمرأة فى دعوتها الحاضرة لا عتب عليها ولا ملام ، لأنها لا تفعل شيئاً اكثر من أن تتبوأ مقعداً وجدته خاليا - ولقد كان بينها وبين الرجل خيط اعتاد هو أن يجذبها به ، فلما أرخاء لها لم يعد لها متدوحة عن أن تتولى هى جذبه وشده .

قال بعض الحاضرين لسيدنا رجل الدين : - نحن نريد ثبتا من آيات القرآن نرجع إليه فى دعم من الحجج التى تسوقونها فى هذه القضية حتى لا يكون الكلام مرسلا بغير دليل دينى تستند إليه .

فقال رجل الدين : - اجعلوا لنا جلسة قريبة وأنا آتيكم بهذا الثبت المبين فإن البديهة قد لا تسعف المرتجل. وإنما تأتى الاحاطة بعد التدبر وإعمال الفكر .

وانفرط عقدنا على أن تكون لنا جلسة أخرى نستمع فيها إلى ما جاء فى هذا الموضوع من آيات الكتاب فلينتظر معنا من لا يقتنع إلا عن طريقه . ومن لا يرى الحجة البالغة إلا فى آياته .

اشترك في نشرتنا البريدية