- ٣ -
. . ويغني المداحون جملة من القصص التي تتصل بالسيرة النبوية ، وتروى بعض المعجزات والخوارق التي تنسب إلى النبي وإلى أصحابه ، على أنها لا تتصل بسند صحيح عند علماء الحديث والآثار ، ورواة التاريخ والأخبار . فعلماء الدين يردونها وينكرونها ، وينظرون إليها من هذه الناحية نظرة الاستهانة والأمتهان . وليس موقع الصدق في هذه القصص مما يعنينا هنا ، ولكنا نعرض لها من الناحية الفنية فيما تمثله من المعاني الإنسانية ، وما تصور من الحقائق النفسية ، وما تعرضه من المظاهر والدلائل المائلة في البيئة الإسلامية ، وهي في هذا كله جديرة بالنظر والعرض ، والدراسة والبحث .
وأكثر هذه القصص ذيوعا وشيوعا قصة " الجمل والغزالة " وهي قصة موضوعة قطعا ، ويبدو لي أنها وضعت في البيئة الإسلامية بعد أن وقف العرب على أحاديث الحيوان والطير في آداب الهند وقصصهم ، وتتألف هذه القصة في بنائها من منظرين متشابهين ، يمثل الدور في الأول الجمل ، وتقوم بالدور في المنظر الثاني الغزالة . والغابة في الدورين واحدة ، يراها القارئ واضحة فيما نعرض عليه من واقع القصة .
تبدأ القصة فتذكر أن النبي كان جالسا مع الصحابة ، فمثل بين يديه جمل أسقمه المرض والهزال وأخذ يشكو إليه ، ويستجير به ، فقد كان في شبابه قوي العزم ، ينهض بحمله مهما يكن ثقيلا ، وكان صاحبه يبالغ في إكرامه ، ويفتخر به عند قومه وأصحابه ، ثم نزل به المرض فضعف حالة ، وبدا هزاله ، وأصبح لا يصلح لعمل ، فعزم صاحبه على أن يبيعه للجزار ويخلص منه ؛ فأجتمع عليه من هذا همان : هم المرض ، وهم الخوف من المدبح ، واستبدت به حسرتان : حسرة على قوته وشبابه ، وحسرة على صاحبه وقلة وفائه ، ولو كان له قلب رحيم لأشفق عليه في مرضه ، وزاد في العناية به أضعاف ما كان يبذله له وهو قوي ؛
فطيب النبي خاطره ، ووعده بأن يجيره من جحود صاحبه ، ويخلصه من همومه وأحزانه ، ثم نهض عليه الصلاة والسلام ونهض الصحابة معه إلي بيت اليهودي صاحب الجمل ، وطرق بلال الباب ؛ فخرجت جارية مليحة ولكنها مفقوعة العين ، فسألها النبي عن سيدها فقالت هو بالبيت ، فسألها عن السبب فما نزل بعينها ، قالت إنه أثر لطمة عاتية من سيدها ، فمسح عليها النبي فعادت عينها كما كانت ، فانطلقت تزغرد وتخبر سيدها بما جرى ، فقال سيدها : إنه لابد أن يكون هذا ساحرا أتى إلينا لخدعنا بسحره . ثم يخرج ، فيحدثه النبي بقصة الجمل وشكواه ، ويطلب منه أن يجيره من شكواه ، وأن يعود إلى سابق بره به . ولكن اليهودي يرتاب في أن الجمل ينطق ويتكلم ويقول إن نطق الجمل يا محمد " أنا اعتقه وأصلي وأصوم " ثم يتغير المنظر فجأة في القصة ، إذ ينظر النبي فيرى غزالة في شرك اليهودي تبكي وتستغيث ، ويسألها النبي عن حالها ، فتقول إن اليهودي صادها وهي تبحث عن القوت لأولادها ، وقد فارقتهم ثلاثة أيام كاملة وهم على الطوى ، وتسأله أن يضمنها عند اليهودي حتى تذهب فترضع أولادها وتعود ، وبعد حوار عنيف بين النبي واليهودي ، يقبل اليهودي أخيرا ضمان النبي للغزالة على أن تذهب لرؤية أولادها وتعود وهو موجود ، وتذهب الغزالة إلي أولاها وتحدثهم عن حالها ، وتتعجلهم في أن يرضعوا حتى تسرع بالعودة إلي اليهودي لأنها جاءت بضمان النبي . وهنا تبدو في القصة وثبة من وثبات الخيال ، إذ ما كاد أولاد الغزالة يعرفون أن أمهم جاءت إليهم بضمان النبي حتى يحرموا لبنها على أنفسهم ، ويطلبوا منها أن تسرع بالعودة حتى لا يبقى النبي المصطفى مربوطا بضمانها عند يهودي فظ غليظ القلب ، فتودعهم أمهم وداعا اليما يثير كوامن الشجون . وتعود إلي حيث كانت في أسر اليهودي ، ولكن علي الرغم من كل هذه الدلائل فإن اليهودي لا يرق ولا يلين ، ويصر على أن
يتكلم الجمل حتى ينظر في حاله ، فما يتم كلمته حتى ينطلق . الجمل بين يدى النبي فيروي قصته ويبث شكواه فلا يلبث أن يذعن ويشهد أن محمدا سيد المرسلين ، وتنتهي القصة بأن يسلم اليهودي ويحسن إسلامه ، ثم يطلق الغزالة من إساره ، ويعتق الجمل من سوء حاله . .
هذه هي قصة الجمل والغزالة . وهي أكثر ما يتغنى به المداحون ، ونكتفي بإيرادها مثلا ونمطا من ذلك القصص الكثير الذي يغنونه عن السيرة النبوية ، والإشادة بمكارم النبي صلى الله عليه وسلم ومحامده ، مثل قصة "اليتيم المظلوم" وقصة "قميص النبي" وقصة " عامر اليهودي " وقصة " انشقاق القمر" إلى آخر ما هناك من القصص التي يطول سردها واستعابها ، على أنه متشابه في وقائعه وفي مقاصده وهنا لابد من أن أشير إلى معنى مشترك يلاحظه الباحث في تلك القصص . وهو معنى له مغزاه ودلالته ، ذلك أن البطل فيها غالبا ما يكون يهوديا ، ودائما تصف هذه القصص اليهودي بالعناد والمكابرة والخداع والمخائلة والشح والمتغثبر ؛ وسواء أكانت هذه القصص قد وضعت في زمن متقدم أم في زمن متأخر فإنها بهذا تمثل حقيقة من نواحي الدور الذي اضطلع به ذلك العنصر العنيد المتشبت بتقاليده في البيئة الإسلامية ، وإنها لحقيقة لماتزل قائمة لم تغير الأيام منها أي شئ .
وتأتي بعد هذه الطبقة من القصص التي تتصل بالسيرة النبوية وبمعجزات النبي طبقة أخرى تتصل وقائعها بالصحابة والتابعين ، مثل قصة معاذ بن جبل في بلاد اليمن وقصة " وفاة سيدنا عمر" ، وقصة " خاتم علي بن أبي طالب " . وتختص السلسلة العلوية من آل البيت بجانب كبير من هذه القصص التي تتحدث عن مناقب الحسن والحسين وزين العابدين وغيرهم ؛ ومن الواضح أن هذه القصص إنما هي أثر من آثار التشيع للعلويين ، ذلك التشيع الذي كان له اثره العميق في كل نواحي الثقافة الإسلامية .
ثم تأتي الطبقة الأخيرة من قصص المداحين ، وهي طبقة خاصة بالأقطاب من أهل الولاية في مصر ، وأشهر هذه القصص " قصة السيد البدوي مع فاطمة بنت بري وما جرى بينهما من غرائب الأحوال " و " قصة الأميرة خضرة الشريفة وما جرى لها في بلاد النصارى وكرامة السيد البدوي حين أتى بها " وقد تحدثت عن هاتين
القصتين في شئ من الإفاضة والتحليل في الكتاب الذي وضعته عن السيد البدوي وناقشت آراء المستشرق " جولد سبير " وغيره من المستشرقين في قصة " بنت بري ، وأثرها في حياة السيد ، فليرجع القارئ إلي ذلك إذا شاء ؛ على أني سأعود فيما بعد فأتحدث عن قصص " السيد البدوي من ناحية خاصة بما يقتضيه سياق البحث واستيفاؤه .
ومن القصص التي تتصل بالأولياء وكراماتهم ، " قصة سيدي إبراهيم الدسوقي وما جرى منه من العجائب والغرائب والكرامات ، وقد كتب على هذه القصة أنها من " نظم ولي الله المجذوب الشيخ طاهر بن يعقوب " وهي القصة الوحيدة التي قرنت بأسم مؤلف من بين جميع هذا القصص ولكن يظهر أنه مؤلف منحول ، وأن هذا الاسم قد وضع على القصة للتشويق بقراءتها ، أما وقائع القصة فإغراق في التهويل والمبالغة إلى أبعد مدى ، فهي تزعم أن مغاضبة وقعت بين إبراهيم الدسوقي وأمه في سؤالها عن حاله . واستنكارها لسلوكه ، فما كان منه إلا أن حملها بين يديه وطار بها إلى السموات ، وهناك أخذ يطالعها بمعارض النار والجنة وما فيهما من طوائف المعذبين والمنعمين ، فتسأله عن كل نار من النيران ، ولمن أعدت من المذنبين ، فيخبرها بذلك في حوار متسلسل طويل يستغرق جانبا كبيرا من وقائع القصة ، وبتقصى كل ما يقع بين الناس من الذنوب والشبوات ، ومن ثم جاءت هذه القصة أروع ما تكون في وعظ العامة ، وأقرب ما تكون في الدخول علي نفوسهم بالزجر والردع عن المعاصي ، وليس من شك في أن واضع هذه القصة قد جرى فيها على نمط قصة المعراج ، وتأثر بوقائعها إلى حد كبير ، وكذلك كان لقصة المعراج أثرها وشأنها في الأدب الشعبي كما كان لها أثرها وشأنها في الأدب العالمي للخاصة , فمن هذه القصه استمد أبو العلاء المعري الفكرة في قصته الخالدة " رسالة الغفران " كما استوحاها ابن سعيد الأندلسي في قصته " التوابع والزوابع " وهي كذلك الفكرة التي حلق بها "دانتي" الشاعر الإيطالي في "الكوميديا الإلهية"
وبعد ، فأحسبني قد استطعت أن أقدم إليك صورة عن مواكب المداحين وأغانيهم ، فإن المقال التالي حيث نسير في موكب طائفة أخرى من أولئك الشحاذين ، ولعلها ان تكون أطرف وألطف.

