الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 452الرجوع إلى "الثقافة"

أمام مجلس الأمن، الموقف ينجلى ونبات الدول تظهر

Share

كانت جلسة مجلس الأمن يوم الأربعاء ٢٠ سبتمبر بداية جلاء الموقف في القضية المصرية ، فقد تكلم فريق من مندوبى الدول المشتركة فى المجلس ، وبدا من كلماتهم وما اقترحوه من مقترحات لحل القضية أين تتجه الريح فى هذه الهيئة ، وأصبح فى الاستطاعة أن نحدس ما سيكون عليه القرار المرتقب .

ولقد تولى مندوب البرازيل الدور الأساسى فى الإفصاح عن نيات جانب كبير من الدول تجاه هذه الشكلة . وظاهر من تأييد أعضاء هذا الفريق لأراء مندوب البرازيل ومقترحاته ، أو تناولها بقليل من التعديل ، أن الأمر كله مناورة مبيتة انفق عليها من قبل . وكل من كانت له صلة سابقة بهذه الهيئات الدولية ، وكيف تسير الأمور فيها ، يعلم أن الخطط تبيت وبتفق عليها فى الأروقة الخلفية ، وأن ما يقوله العضو الذي عهد إليه بالاقتراح ، وما يعلقه على اقواله الآخرون في الجلسة الرسمية لا يعدو أن يكون تمثيلا وإجراء صوريا.

ويبدو أن جل هم مندوب البرازيل ومن أيده لم يكن الوصول إلى حل المشكلة ، يضع الأمور فى نصابها ، ويقر الحقوق لأربابها ، وإنما كان همهم أن يصلوا إلى حل يخرج

المجلس من المأزق الذي وضعته القضية فيه . فالقضية نزاع بين طرفين ، أحدهما دولة قوية ، يحرص جانب كبير من الدول على إرضائها ، أو على الأقل مداراتها ، والطرف الثانى دولة تطالب بحق واضح لا يستطيع المجلس جحوده إلا إذا انكر رسالته ، وحكم على نفسه بالفشل كهيئة قامت لإقرار السلام ، وتحقيق العدالة والمساواة وبين الشعوب .

لهذا كانت المناورة التى تمت ، أن يظهر المتكلمون العطف على الأمانى المصرية ، ولكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أن الخلاف القائم ليس من الخطورة بحيث يلجأ إلى مجلس الأمن لحله ، والوسائل العادية لتسويته من مفاوضات وطرق دبلوماسية لم تستنفذ بعد ، ولهذا يقترح العودة لها مع حفظ القضية بالمجلس ، وإحاطته علما بما يتم من خطوات فى المفاوضة .

ويتلقى مندوب بريطانيا الأمر كأنه مفاجأة ويتريث فى قبول المقترح وإن كان يعلن مبدئيا رضاه عنه مع تحفظ واحد هو أن تقرر شرعية معاهدة سنة ١٩٣٦ أو على الأقل يقرر الرجوع إلى محكمة العدل الدولية لتقرير ذلك عند الاقتضاء ، وتهب بلجيكا مؤيدة الاقتراح البرازيلي مع إدخال التعديل الذى طلبه مندوب بريطانيا .

وتؤيد فرنسا المقترح تأييدا حارا . ويتحفظ مندوب الصين فى تأييده ، ويشير إلى ضرورة النص فى القرار على أن المجلس أحاط علما بخطوات الجلاء التى تمت من جانب بريطانيا ، ويؤيد وحدة مصر والسودان إذا رغب السودان فى ذلك ، ويتكلم مدوب الولايات المتحدة مؤيدا ومظهراً بقوة ضرورة قيام العلاقات بين مصر وبريطانيا على أساس الصداقة ، ويدعوهما للتفاهم ، ويقرر العطف الأ كيد على الأماني المصرية ؛ ولكنه يشير إلى ضرورة محافظة الدول على التزاماتها الدولية ولو كرهت .

أما مندوب روسيا فقد ذهب مذهب مندوب بولاندا ، من تاييد طلب مصر في الجلاء العاجل الناجز عن مصر والسودان ، وإن كان اشار إلى إرجاء البت في نظام الحكم في السودان حتى تعرف رغبة أهله .

وهكذا تجلى الموقف ، فهناك فريق ظاهر التأييد لمصر وهو للآن يشمل بولاندا وروسيا ، وبالضرورة يضم لهذا الفريق سوريا ، وهؤلا ، يقترحون إصدار قرار بإجلاء الجيوش البريطانية عن مصر والسودان . وفريق آخر يرى العودة للمفاوضات ، ومنه الولايات المتحدة والبرازيل وفرنسا والبلجيكا والصين ( وإن كان تعليقها وتعديلها أقرب لمصلحة مصر ) ويبقى بعد ذلك استراليا وكولومبيا ، والراجح ايهما متضمنان للقائلين بالرجوع للمفاوضة ؟ فلنا ان نوطد انفسنا على توقع ترجيح الرأى القائل بالعودة للمفاوضات ، وإن كنا نأمل أن تدخل على القرار بعض تعديلات أو تضاف إليه بعض توصيات يقصد منها إلى إرضاء مصر بعض الإرضاء الصورى .

وكنا نتوقع هذه النتيجة وأشرنا فى كثير من المرات فى هذه المجلة إلى شكنا فى جدوى الاتجاه لهذه الهيئات الدولية ، وليس فيها ما بقت فى عضدنا أو يزعزع ثقتنا بأنفسنا وعدالة قضيتنا ؟ فقصارى ما يقال في التعليق على هذه النتيجة ان المجلس حكم على نفسه بالعجز والعقم قبل ان يحكم

على مصر ، وقد أضاف فشلا جديدا يضم إلى قائمة فشله الطويل في حل المشاكل الدولية .

وإذا كان فى هذه النتيجة ما يؤلم ، فإن فيها درسا يفتح اعيننا واعين غيرنا من الأمم الصغيرة والأمم المظلومة على حقيقة هذه الهيئات الدولية التى تسيطر عليها الدول القوية وتسيرها فى الطريق الذى تملية مصالحها وأهواؤها ؟ فخير ما تفعله تلك الأمم ان تولى هذه الهيئات ظهرها وان تهيئ نفسها للكفاح بتقوية نفسها ، وانخاذ العدة للأحداث التى قد تفيد منها .

ولقد كسبنا إسماع صوتنا للعالم ، وشرح قضيتنا ، فإذا كان القضاة قد تأثروا بغير عوامل الإنصاف والعدل ، فليس هذا ذنبنا ، وان يثنينا ذلك من الجهاد .

إننا لم نسمع لمجلس الأمن حبا فى الخصوصة ، أو رغبة فى التشهير بخصمنا ، ولكننا سرنا إليه كارهين ، بعد أن أعيتنا الحيل ، وبعد ان اضمنا السنين فى مفاوضات عقيمة ينقض فيها الخصم اليوم ما أبرمه بالأمس ؟ وماذا يضيره ان تطول المفاوضات ، وألا تصل إلى نتيجة ، وهو باق محتفظ بقوته ونفوذه ؟ إنما يشقى بهذا الطول من بمافى ذلك الاحتلال ، وشقاء تسلط الاجنبى ، أما بريطانيا ، فلها أن تفرح بهذا الظفر الهين ، ولكنها سترى أنه نجاح لا يقربها مما تنشده من مودة وصداقة مع الشعب المصرى والشعوب العربية ؛ وسنجد أن دنت هذا الفتن ، وسد هذا الثغر الذي فتحه مندوبوها ، سيحتاج لوقت طويل وجهد كبير ، حتى تعود المياه إلى مجاريها .

أما مندوبو مصر فقد أدوا رسالتهم خير أداء ، وأظهروا قضية مصر والسودان بوضوح وجلاء ، ولم يدخروا وسعا فى تقديم الحجج المؤيدة لحقوق ؟ ومجهودهم هذا جدير من البلاد بكل تقدير أيا كانت النتيجة .

وإذا كان طريق مجلس الأمن لم يؤد بنا إلى الغابة المنشودة ، فأمامنا طرق أخرى يجب ان نشقها حتى نصل إلى تحقيق آمالنا كاملة . ( . . )

اشترك في نشرتنا البريدية