-٢-
يجتاح البلد في الوقت الحاضر وباءان : وباء الدفتريا ووباء شلل الأطفال ، وقد حدثتك من قبل عن أعاجيب الدفتريا وألاعيبها ، وكنت إذ ذاك غارقا لقمة رأسي في بحيرة من الدماء الغالية ، لحمها فلذات الأكباد ، أخد بيد هذا ، وقد أصل به إلى بر السلامة إذا بقي فيه من آثار المقاومة ما يعين ساعدى وهو يحمله حملا ؛ أو منتشلا ذلك من قاع اليم ، وقد شرق منه الحلق أو سدث منه المنافس ، فأعينه أو لا أعينه على بلواه ؛ وكانت أم الضحية تدخل على بطفلها في أغلب الحالات وهي مغمورة بفيض زاخر من الغفلة غير المتكلفة أو غير المقصودة إذا شئت أن تسميها ؛ فالطفل غالبا ما يكون مرحا نشطا لا يغريك مظهره بالشك في الداء الكامن ؛ وأنت في حيرة كيف تقنع الأم بحقيقة المرض وما يلزمه من علاج وتحليل لإفراز الحلق للعثور على الجرثومة المزعومة . ومعظم الأمهات يقتنعن بسهولة ، وقد تحاورك الأم وتداورك محاولة إقناع نفسها وإقناعك بأن الأمر أسهل مما يوجبه إليك تدقيقك وفحصك ؛ وأذكر أما من هذا النوع تظاهرت بالأقتناع وذهبت إلي طبيب التحليل الطبي الذي قام بأخذ عينة من إفراز الحلق وماطلته في الدفع مؤجلة إياه للغد ، وأتي الغد وما بعده بخمسة أيام ، وقد تناست أن عليها لطفلها حقوقا ولطبيب التحليل حقا ، وكاد طبيب التحليل يجن لا خوفا على ماله ، ولكن لأن نتيجة التحليل أثبتت وجود الجرثومة ، وهذا يتطلب علاجا سريعا . وكان يتصل بي يوميا مستفسرا عن مريضي ومريضه ، ويعجب كيف تتهاون الأم إلى هذا الحد في صحة طفلها
فذكرني ذلك بقصة الذي ذهب إلى طبيب الأسنان ليخلع له ضرسا ثم نقده جنبيا بعد أن انهي مهمته ، فعيره القوم كيف يدفع مثل هذا البلغ مع أن هذا الطبيب يتقاضى على خلع الضرس ريالا واحدا . فاغتاظ المريض وأسرها في نفسه ، ثم ذهب إلى نفس الطبيب بعد أسبوع وجلس على كرسي العمليات وطلب منه أن خلع له الأربعة الأسنان
الأمامية ، ولما اعترض الطبيب بأنها سليمة نهره الريض وقال : ليس هذا شأنك . فافعل ما أطلبه منك دون نقاش ، فاستسلم الطبيب وأخذ يخلع الأسنان الواحدة بعد الأخرى ، حتى إذا ما انتهى من عمله نظر إليه المريض الماكر نظرة تنم على التشفي والانتقام ثم قال : " نبقى خالتين " ( أي خالصين بعد قلب الصاد تاء نتيجة زوال الأسنان الأربع البريئة ) . وهذا بالضبط ما فعلته تلك السيدة التى هربت من طبيبها لكيلا تدفع له أتعابه مقابل تحليل إفرازات طفلها ، والله أعلم ما الذي جرى له نتيجة رعونتها واستخفافها !
هذه لمحات طريفة يجب ألا تلهينا عن خطورة المعركة الدائرة بين الحرثومة والطفل المريض والطبيب المعالج . وقد نبهت في حديثي السابق إلى وجوب أخذ الأهبة وعن في يده الموسم ، وذلك بحقن أطفالنا بالطعم الواقي بمقدار ١/٢ سم لكل طفل مهما كانت أسنانهم ، وعجب ألا نعتمد على الحقن التي يأخذها الطفل في آخر السنة الأولى من عمره . بل يجب تجديد المناعة بحقن الطفل كل عام مرة واحدة كما أسلفنا .
لننتقل بعد ذلك إلى هذا الغول الأكبر الذي يسمونه شلل الأطفال . ويؤسفني أن أقول إن هذا المرض أصبح مرضا وبائيا في مصر بعد أن كان حدوثه في حكم النادر فيما مضي . فقد لوحظت زيادة كبيرة في نسبة عدد الإصابات في الأعوام الأخيرة ؛ وهذا المرض إذا تمكن واستحكم فإنه لا يعرف جاها ولا مالا . يدخل الاكواخ والقصور ، ويصيب الفقير والغني على حد سواء ويدهش ساكن القصر الشامخ كيف تطاولت الجرثومة على عتبة داره وهو المنزه عن تهمة الإهمال أو التراخي في اتباع أصول النظافة في اللبس والمأكل والمشرب . وقد تدهش معه وانت تضرب كفا علي كف مواسيا ، غير عالم أن هذه الجرثومة البهلوانية تتبع نفس الطريق الذي استفته لنفسها أختها التيفود ، أى عن طريق الذباب والبراز واللبن ومياه الشرب وحامل الميكروب .
فلقد ثبت أن جرتومة شلل الأطفال تعيش في براز الريض بعد انتهاء الدور الحار لمدة طويلة قد تصل إلى أربعة أشهر ولو اقتصر الأمر على حالات الشلل الصريحة لهان الأمر . ولكن هناك حالات خفيفة لا تتعدى في مظهرها البريء . أعراض الانفلونزا العادية دون أن تصل إلى دور الشلل . فتبدأ بأعراض رشحية في الأنف والحلق مع ارتفاع في الحرارة ، ثم تختفي الأعراض بعد يومين أو ثلاثة دون أن يصاب الطفل بالعلامة المميزة للمرض وهي الشلل ، فينظر إليه وكأنه ناقه من انفلونزا حادة أو رشح بسيط . كل هذا والجرثومة كامنة في سراديب الأمعاء تنطلق منها على دفعات في البراز نافلة العدوي إلي كل من تجده في طريقها ، إما مباشرة عن طريق اللمس أو بوساطة الذباب عند ما يحط على البراز الموبوء . هذه الحالات الحقيقة هي المسئولة عن نسبة كبيرة من حاملى الميكروب وهم الذين يندسون بين الأصحاء ناقلين المرض بلا رحمة ولا هوادة .
وقد تنتقل الجرثومة عن طريق الرذاذ المتطاير من الأنف والفم . وقد ثبت أنها لا تبقي في هذه الإفرازات إلا أياما قلائل تختفي بعدها تماما .
وتبدأ أعراض هذا المرض فجأة ؛ فقد يذهب الطفل إلى فراشه سليما معافي فإذا به في الصباح قد فقد القدرة على تحريك أحد أطرافه . ولكن العادة أن يبدأ المرض بارتفاع في الحرارة ورشح وصداع والتهاب في اللوزتين ، وقد يصاب الطفل بقيء وإسهال أو إمساك ، وهذا يشير إلى وصول الجرثومة إلى الأمعاء . ومن هناك تنتقل إلى النخاع الشوكي ويحدث تأثيرها شللا في الأطراف . أما الحالات القليلة التي تنتقل فيها الجرثومة عن طريق الأنف فإنها تنتشر من هناك بوساطة عصب الشم إلى المخ حيث تغزو مراكزه الرئيسية كمركز التنفس والدورة الدموية فتقضي على الطفل في ساعات أو أيام .
وتشخيص المرض في دوره الأول الذي يسبق الشلل كاد يكون في حكم المستحيل ، وكثيرا ما يدهش أهل المريض لأننا لم ننذرهم بالحقيقة المرة قبل وقوعها . فالغالب
أن يشخص المرض على أنه التهاب في اللوزتين أو انفلونزا معوية إذا صحبه قىء وإسهال .
يمكننا أن نستنتج مما ذكرنا أن الوقاية من شلل الأطفال تتلخص في عزل المريض وإعدام إفرازاته سواء الأنقية منها أو البرازية . وقد أبرزنا أهمية الذباب والذين ومياه الشرب في إحداث الأوبئة المحلية أو العامة . لذا يجب مكافحة الذباب بنفس الشدة التى تتبعها في أوبئة التيفود أو الكوليرا ، كما يجب أن يغلي اللبن جيدا ولمدة عشر دقائق على الأقل .
أما علاج شلل الأطفال . فاهم عناصر الراحة في الفراش حتى تختفي الأعراض الحادة ، ووضع الساق أو الذراع في وضع مناسب يقلل من العضلات المشلولة التي تعالج بالكهرباء والتدليك لتنشيط الدورة الدموية فيها وإنقاذها ما يمكن إنقاذه منها بعد ما أصيب مركز الحياة منها . ثم التذرع بالصبر وترقب الحوادث عن كثب حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا .

