( مهداة إلى الدكتور سعيد عبده )
أتذكر ياصديقى سعيد عندما تساجلنا منذ عامين على صفحات مجلة حبيبة إلى قلبينا ، أنت تقول إنها القرمزية وأنا أصمم على أنها الحصبة الألمانية ! وإنى لأضحك من نفسى كلما تذكرت كيف كاد يودى هذا النقاش برباط الود بين صديقين عزيزين امتدت صداقتهما إلى ربع قرن منذ أيام التلمذة فى مدرسة الطب ، فكم كنت أتخذ من قلمك الشائق مثلا يحتذى ، ومن حسن خلقك وكريم طبعك مثالاً لما يجب أن يتحلى به الزميل . فحز فى نفسى إذ ذاك أن يحاول الزمن خدش هذا الجو الصافى بينى وبينك ، ولأجل ماذا ؟ كنت تقول إن الغالب فى وباء ذلك العام كانت الحمى القرمزية ، وأنا أقول إنها الحصبة الألمانية ، ولعنة الله على الاثنتين !.
ولا يمكن أن ينكر أحد أنه كانت هناك حالات حمى قرمزية لا شك فيها ، ولكنها كانت حالات فردية تلاشت بجانب وباء الحصبة الألمانية الذى اجتاح كل منزل تقريباً . ولم أكن إذ ذاك محايداً يرقب المعركة من خيمته الكائنة على المثل البعيد ، بل كنت - حفظكم الله - فى للمعمان أخفف الآلام وألعق الجراح . فأدركت بعد نظرة طويلة أن العدو الأكبر فى المعركة كانت الحصبة الألمانية . أما القرمزية فلم تكن أكثر من حليف - ياليته وقف محايداً - لأنه لم يتطوع بأكثر من شرذمة من جنده أرسلهم على سبيل إظهار الشعور لا اكثر . فاختلط الأمر علينا جميعاً ، فمن قسم له أن يرى الميدان من زاوية واحدة حيث دقت القرمزية أسفينا ، خيل له أن هذه الملعونة ملء السمع
والبصر . ومن قدر له أن يجول جوله أكبر - ولو قليلا - حانت له الفرصة ليرى الألمانية فى ميدانها تسعى ولا ينازعها فى زحفها منازع .
ومرت الأيام وهى التى يداولها الله بين الناس ، فما بالك بالجراثيم التى تعيش فى عالم لا يستظل كائنوه بقانون يحول دون طغيان أحد منها على الآخر ثم بدت جحافل الربيع الماضى من بعيد وقد ملأ غبارها الجو فأخذنا نتساءل : من القادم يإترى ؟ واذا بالقرمزية تتقدم الصفوف فى ثوبها الأحمر الزاهى ، ولفرط لحفتها على قيادة المعركة لأول مرة فى تاريخ غزوها لوادى النيل تراها وقد غمرت بحرابها ذات اليمين وذات اليسار ، فى نفس الوقت مع زميلاتها مثل الحصبة والغدة النكفية والجديري وغيرها ، محاولة ، وهى الأنثى من اسمها ومن اصطباغ وجنات ضحاياها باللون الوردى الجميل أن ترفع رأسها حباً فى الظهور ، غير مائلة بأن فى لفت الأنظار قضاء على حركتها على أيدى الطب العلاجى والوقائى وهما المتحفزان دائماً لهذه العناصر المفاجئة الواردة من عالم الجراثيم .
نعم يا صديقى سعيد ؛ إنها القرمزية هذه المرة بحق ؛ وإني أقولها إقراراً لواقع لا شك فيه .
وكأنى بالحالات المتناثرة التى شاهدناها منذ عامين كانت طلائع حملة الموسم الماضى وما سوف يكون عليه الموسم الحالى ، فلما استوثق الميكروب السبحى من الميدان الذى سوف يطرقه ، لم يتردد فى الزحف نحو الأرض الموعودة التى تطلع إليها منذ زمن بعيد ، فالذى كنا نعلمه عن القرمزية فيما مضى أنها نادرة الحدوث فى البلاد الحارة ، بل لقد مضت سنوات عديدة بعد اشتغالى بالطب قبل أن أرى حالات قرمزية صريحة كالتى شاهدتها فى الوباء الماضى ، والغريب أن بياض البشرة الذى طالما ربطوه بها لا يسرى كقاعدة ثابتة ، لأنى شاهدتها فى أطفال من ذوى البشرة السمراء . وقد لاحظت أن ظاهرة القئ فى بداية المرض موجودة فى جميع الحالات . ويفاجأ أهل الطفل - والطفل نفسه طبعاً - بارتفاع سريع فى الحرارة مصحوب بقئ شديد ورعشة قد تتطور إلي تشنج عام . وإذا نظرنا إلى حلق
الطفل راعتنا شدة التهابه ، فاللون أحمر ثانى . واللوزتان متضخمتان غاضبتان تكاد تنفر عروقهما من شدة اللهب . وبعد مضى يوم أو أكثر قليلاً يظهر الطفح الوردى فيعم الجسم كله ما عدا فروة الرأس وما حول الفم . وقبل اكتشاف السلفا والبنسلين كانت الحرارة والطفح يستمران على أشدهما مدة تتراوح بين خمسة وثمانية أيام بعانى المريض خلالها آلاماً شديدة ويتعرض لمضاعفات عدة ، أهمها التهاب الأذن والتهاب غدد الرقبة والنهاب المفاصل ، وقد تصل الجرثومة فى الحالات الشديدة إلى الدم محدثة تسمعاً دموياً حاداً قد يودى بحياة المريض ؛ وقد اختفت هذه الأساطير القديمة تقريبًا مع التحسن المطرد فى وسائل التشخيص والعلاج المبكرين ، ويفضل ما ينعم به ابن آدم فى هذه الأيام الرائعة الجميلة من طرق فى العلاج لم يكن يحلم بها آباؤنا .
ويتميز دور النقاهة بمضاعفة هامة هى التهاب الكليتين ، ويشك فى جودها إذا تغير لون البول إلى أحمر أو بنى ، وقد ترتفع درجة الحرارة قليلاً أو كثيراً ، وعند فحص البول بوساطة المجهر نجد فيه كريات حمراء وأسطوانات بكثرة .
وبعد انتهاء الطفح يبدأ دور القشر ، فتنفصل طبقات الجلد السطحية على هيئة قشور رقيقة قد يمضى الشهران قبل انفصالها كلية . وقد يشخص المرض على حقيقته فى هذا الدور فقط عندما يشاهد الطبيب مريضاً ناقهاً من التهاب شديد باللوزتين ، وقد يقشر جلده دون أن يلاحظ من حوله وجود الطفح أثناء الدور الحاد .
وتأتى العدوى فى هذا المرض عن طريق الرذاذ المتطاير من حلق المريض أو حامل الجرثومة ، أو عن طريق اللعب والحيوانات المستأنسة والأدوات المنزلية كالكوب والملعقة والفنجان . لذا يحب عزل المريض وأدواته عزلاً تاماً .
وهكذا أدمجت القرمزية نفسها فى قائمة الشبهات المزعجة التى يقدمها خادم الجراثيم إلى مائدة الطفل كل صباح وكل ظهيرة وكل أمسية ، فعلينا أن نعمل لها ألف حساب فى طبنا الوقائى ، وإلى خطورتها ألفت نظر إدارة الصحة المدرسية وزارة المعارف العمومية .
