الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 673 الرجوع إلى "الثقافة"

أمراض الشتاء

Share

لقد مضي الصيف بناره ومضايقاته ، ثم تبعه الخريف فبدأت أوراق الأشجار تتساقط من فروعها وقد غطتها صفرة قاتلة نالت من خضرة الربيع المنصرم . فلا أسف على الصيف بلياليه الحسان ؟ فكم سهرت لياليه الجميلة المقمرة على صريع يحتضر ، ولا أهلا بالشتاء ، فهو مفعم هو الآخر بأهواله وأخطاره ، يقدمها لك في باقة غير مزدهرة ، ورودها صفراء تمثل السقم ، وزهورها ذابلة لا تغري على الإعجاب . فيها من الأسماء كل ضخم غير مطرب ، كالدفتريا والسعال الديكي والإنفلونزا والحصبة وشلل الأطفال والجديري والتهاب الغدة النكفية والتهاب اللوزتين والحمي الروماتيزمية والالتهاب الرئوي . ولقد بدأت أشعر أثناء جولاتي اليومية بين مرضاي الأطفال ببعض هذه الزعانف تنساب في نعومة الأفعى وكأنها تجس طريقها استعدادا للمعركة السنوية التي لا تمل من تكرارها والتي نبذل نحن كل الجهود في سبيل كسبها ، والتي ستظل سجالا إلي أبد الآبدين ؛ فهي لا تنتهي إلي انتصار فريق على آخر ؛ ولكننا بوسائلنا الحديثة أمكننا الإقلال من خسائرنا في الأرواح إلي حد أدنى قد تغتبط له نفوسنا ، ولكنا لازلنا نأمل في المزيد من النصر ، فهناك أمراض قد تمكنا فعلا من الكسر من حدتها كالدفتريا مثلا . لقد كان هذا المرض فيما مضى يفتك بالأطفال فتكا ذريعا حتى اكتشفت الوسائل للوقاية منه وعلاجه . وليس بين أمراض الطفولة ما يوازيه في الخبث والخداع ، فقد تبدو أعراضه بسيطة في أول الأمر - وخاصة في الأطفال الذين سبق تطعيمهم ضد المرض - فيأتي الطفل إلي عيادة الطبيب بادي النشاط يمارس ما اعتاد عليه من التهريج والشقلبة ويخبرك أهله أنه يذرع طرقات المنزل دون ملل وبغير أن يشك هو وأهله أن ضيفا ثقيلا حل عليهم دون استئذان ؟ ولكن ما هي إلا أيام حتى ينضب هذا المعين الفياض من النشاط والحيوية فتستسلم الفريسة في استرخاء واضح إلى جلادها ، ويبدو الطفل ذليلا

ذابلا أصفر الوجه لا يكاد يقوي على الصراخ أو الحراك ؛ وبهذه المناسبة أقول إن هناك اعتقادا خاطئا شائعا وهو أن مرض الدفتريا لا يصحبه سوى ارتفاع بسيط في درجة الحرارة . والواقع أنها ترتفع في بعض الحالات إلى أربعين درجة أو أكثر .

وأكثر ما تحدث الدفتريا بين السنة الثانية والخامسة من العمر ولو أنها قد تصيب الأطفال في مختلف الأعمار ؛ والغالب أن يرث الطفل بعض المناعة عن طريق أمه ، لذا تقل الإصابات في الستة الأشهر الأولى من العمر حتى إذا بلغ الطفل نهاية السنة الأولى من عمره كانت قابليته للعدوى بالمرض حوالى التسعين في المائة - إذا يجب حقن الطفل بالطعم الواقي قبل أن يتم السنة الأولى من عمره ، وليس عند تمامها كما هو المتبع في بلادنا . وليكن الحقن بها في الشهر السابع أو الثامن مثلا . ولا بد من الإشارة إلى أن المناعة التى تحدثها هذه الحقن لا تلبث أن تزول وتخبو مع مرور الوقت ، لذا يجب إعطاء الطفل حقنة واحدة مقدارها نصف سم من الاناتوكسين كل عام وبهذا تتنبه الأجسام المضادة للدفتريا وتصبح على تمام الاستعداد لاستقبال الجرثومة الغازية في أى زمان أو مكان .

ولا بأس من الإشارة إلى أن الإصابة بمرض الدفتريا لا تعطي الطفل مناعة ضد المرض لمدة أطول من الشهرين يصير بعدها عرضة للعدوي مثنى وثلاث ورباع . ويجب أن نذكر أن خطورة الدفتريا ليست مقصورة على دور المرض الحاد لأن دور النقاهة لا يخلو من مفاجآت يتميز بها عن أى مرض آخر . إذ قد يصاب الطفل في أثنائه بهبوط فجائي في القلب إذا قام بأي مجهود حتى مجرد الجلوس في السرير أو التقلب فيه دون مساعدة والدته أو مربيته

وهذا هو السر في جعل مدة الراحة في الفراش طويلة رغم تحسن الحالة ونزول الحرارة . وهذه المدة تتراوح بين

ثلاثة أسابيع في الحالات البسيطة وستة أسابيع في الحالات الشديدة . وكم من طفل فقد حياته بعد اجتياز دور المرض الحاد بسلام بسبب الإهمال في إلزامه بالبقاء في فراشه دون حركة .

وثمة مضاعفة اخري تحدث في دور النقاهة وهي شلل الأعصاب ، وهي تبدأ خلال الأسبوع الثاني بعد انتهاء الدور الحاد ، ويلاحظ نتيجة حدوثها تغير في صوت الطفل فيبدو وكأنه يتكلم من أنفه . وكلما تناول سائلا أرجعه من فتحتي الأنف نتيجة شلل أعصاب الحلق . ويتبع ذلك بأيام ضعف الساقين فيفقد الطفل القدرة على الوقوف أو المشى ، والويل للمسكين إذا اشتد الشلل إلى عضلات التنفس فإنه يتعذب عذابا كبيرا وهو يكافح في سبيل الإبقاء على حياته العزيزة عليه وعلى من حوله .

وليست لمضاعفات النقاهة علاقة بشدة الدور الحاد . فهناك حالات شديدة تنتهي بسلام ويقضي الطفل نقاهة سهلة ميسورة . وقد تعقب الحالات الخفيفة نقاهة عاصفة يلقي المريض وأهله خلالها أهوالا تفوق الوصف . والواقع أن ملك زمام الموقف يتوقف على التشخيص المبكر والعلاج السريع ، وبذا لا نسمح لسموم الدفتريا أن تؤثر على القلب والجهاز العصبي فهذه السموم تنساب من موضع الإصابة في الحلق أو غيره إلى دم المريض وتسبح فيه مختالة تتهادى حتى يستقر بها المطاف إلي مكانها المختار من القلب والأعصاب . ومتى رابطت هناك فمن المستحيل زحزحتها مهما حقن الطفل بالمصل المضاد . والغرض من العلاج المبكر هو إلقاء القبض على هذه السموم السابحة قبل أن تصل إلى غايتها الحيوية من جسم المريض فتصير بعيدة عن متناول الطب والطبيب . وكلما كان الحقن بالمصل مبكرا كان الأمل كبيرا في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من قلب المريض وأعصابه .

إذا كان بالمنزل أطفال يختلطون بالطفل المريض فيجب حقنهم بالمصل الواقي بمقدار ١٠٠٠ وحدة ، لان هذا يكسبهم

مناعة سريعة ولو أنها قصيرة الأجل فهي لا تدوم اكثر من شهر ويجب حقنهم في الوقت نفسه بالطعم الواقي (الفاكسين) فهو يكسبهم مناعة طويلة الأجل . إلا أن اثرها لا يظهر قبل خمسة أسابيع أو سنة . كما يجب عزل المريض عزلا تاما وعدم السماح للجرثومة بالانتقال إلى من حوله عن طريق الكوب أو الفنجان أو الملعقة أو الحيوانات المستأنسة كالقطط والكلاب ، فهي عوامل هامة في نشر المرض . ولا بد أننا سمعنا بشخص يسمي حامل الميكروب وهو الذي يبدو سليما رغم كونه يحمل الجرثومة في أنفه وفمه . وقد يكون حامل الجرثومة شخصا حبيبا إلى الطفل كأمه وأبيه أو قريبا إليه كالخادمة أو المربية .

هذه قصة الدفتريا وهي قصة مرض مراوغ خداع يدلف في نعومة الأفعى إلي السراديب العليا من جسم الطفل ثم يرسل سممومه إلى أنسجته الحيوية لكي يحطمها تحطيما لولا أن تسعف بالعلاج . فخذوا حذركم منه واطلبوا من الله أن يوفقنا وإياكم إلى حماية طفلكم من هذا الداء الوبيل .

(للبحث بقية)

اشترك في نشرتنا البريدية