كان من نعم الله علي أمريكا أن يفصلها عن سائر العالم محيطان عظيمان باعدا بينها وبين ما يكتسح سطح الأرض من شرور وأهوال ، وما يراق فيه من دماء ، وما تغني فيه من أرواح . واطمأن سكانها إلي ما وفرته الطبيعة من اسباب الأمن والهدوء ، فعشقوا السلم وحياة السلم ، واتخذوا من نعيم الحياة فنا جميلا ، بالغوا في إتقانه وأسرفوا في التمسك بأهدابه . وخافوا ان ينبههم من لذة التفاؤل هذه حادث أو داعية متشائم ، فبادروا بقطع كل علاقة سياسية تربطهم بالعالم ، وأقبل دعاتهم يملأون الجو بأن أمريكا في خير ، و أن من المستحيل أن تمتد إليها يد بالعدوان . وقد كانت الصحف الأمريكية تفد إلينا حتى الربع الأخير من العام الماضي ، وقبيل العدوان الياباني ، مملوءة مما يسكن الخواطر ، ويملأ النفوس أمنا واطمئنانا .
واليوم يصل إلينا البريد الأمريكي ممتلئا بالحرب وانبائها وما تثيره من مشاكل خطيرة لابد للنهوض بها من مجهود جبار لم يعرف العالم له نظيراً . ونريد في هذا المقال أن نعرض لطائفة من المقالات التي تصف أمريكا ، وهي تضطلع بعبء الحرب . لكي نستنبط منها صورة تلك الأمة العظيمة ، وهي تواجه للمرة الأولى في تاريخها عدوانا قويا عنيفا .
كان أول أثر ظهر على الشعب الأمريكي بعد العدوان الياباني ، هو الدهشة . وسرعان ما زالت الدهشة ، وحل محلها الغضب ، ثم العمل على دفع العدوان ، والتأهب للقتال .
ولكن ما يكتبه كثير من الأمريكيين يشعرنا أن روح التفاؤل القديمة لا تزال تعطل الإنتاج الحربي ،
وتقف عائقا دون بذل أكبر مجهود تستطيعه أكبر وأغني دولة في العالم . وقد انتشرت في أمريكا في مارس الماضي مقالة لصحفي عظيم عنوانـها "استيقظى أمريكا " يقول فيها : " لا تزال الأمة في حاجة شديدة لأن تنتبه إلي الخطر الداهم ، وما ينطوي عليه من شرور . إنها في حاجة لأن تدرك أننا إلي اليوم قد هزمنا شر هزيمة ؛ في حاجة لأن تدرك أن الولايات المتحدة قد تخسر هذه الحرب ، وتقاسي مثل ما قاست فرنسا ، وأن هذه النتيجة المحتملة ، قد تصبح مرجحة ، إذا لم يتغير التيار الذي تسير فيه البلاد اليوم . فالأمة في أشد الحاجة لأن تتخلص مرة واحدة من ذلك الشعور المخدر بأن أمريكا وإن خسرت الحرب أولاً ، فإنـها لا شك ستنتصر أخيرا " .
وهكذا يمضي الكاتب في توجيه النقد اللاذع لكل هيئة أو جماعة يبدو في نشاطها أقل قصور عن المستوي الأعلى الذي لا بد من بلوغه لتعويض ما مضي من إهمال وإغفال . ويذهب كثير من الكتاب هذا المذهب في النقد الجرىء اللاذع . ولكن هذا المقال وأمثاله إن دل على شئ ، فانه لا يدل على تقصير شديد في الانتاج والمجهود الحربي ، بل يدل على أن روح الطموح والجد عند الأمريكيين قد بلغت من العنف بحيث لا يمكن أن يرضيها إلا أن تطلب الزيادة الدائمة والتفوق المستمر .
ولابد في بلاد تدين بحرية الرأي - حتى في أحرج الأوقات - أن تظهر فيها أمثال هذه الصيحات . ولكن هنالك مقالات أخري تصف المجهود الضخم الذي يبذله الشعب الأمريكي في الانتاج الحربي ، والتضحيات العظيمة التي يبذلها عامة الناس في أمة اعتادت عيش الراحة والاطمئنان . فقد حرم على كثير من الناس ركوب السيارات بسبب قلة المطاط . وذلك في بلد تعد فيه السيارات من الضروريات لا من الكماليات . واخذ الناس يركبون أقدامهم او الدراجات عن رضي وارتياح .
واخذت مصانع السيارات تعمل للحرب وحدها وتضاعف إنتاجها ، وأنشئت مصانع جديدة فيما يشبه لمح البصر . وأصبحت مدينة "دترويت " التي كانت منصرفة فيما مضي لانتاج السيارات وحدها ، قادرة علي إنتاج المدافع ، ومحركات الطائرات .
ولعل أكبر مشكلة في الانتاج تعانيها الولايات المتحدة اليوم ، هي مشكلة المطاط ، فان هذه الدولة - الغنية ، بل المفرطة الغني ، في المواد الزراعية والمعدنية ، كانت دائما في حاجة إلى المطاط يأتيها من أرض غير أرضها ، وكان سبعة وتسعون في المائة مما تستهلكه من المطاط يأتيها من جزر الهند الشرقية وشبه جزيرة الملايو وجزيرة سيلان ، وهي أقطار أصبحت اليوم كلها - ما عدا جزيرة سيلان - واقعة تحت سلطان اليابان . وقد كانت أمريكا مدركة منذ زمن ليس بالقصير أن واردها من المطاط قد ينقطع عنها . ولكنها لم تفعل شيئا لعلاج هذه الحالة إلا في أواخر عام ١٩٤٠ ؛ وأنشئت شركة تحت رعاية الحكومة لشراء وتخزين المطاط ، ولم تلبث أن أخذت تكدس من هذه المادة مقادير عظيمة حتى بلغ المخزون منه نحو ثلاثة أرباع مليون طن . وهو مقدار ليس بالكبير إذا ذكرنا أن الولايات المتحدة تستهلك في زمن السلم نحو ٦٠٠٠٠٠ طن من المطاط الجديد سنويا . وبالاقتصاد الشديد قد يخفض هذا القدر إلى نحو نصف مليون طن بسبب تخصيص السلعة للأغراض الحربية دون سواها .
إن ألمانيا قد حرمت وسائل استيراد المطاط منذا أول الحرب . ولكن ألمانيا قد ادخرت مقادير هائلة من المطاط إلي جانب ما تنتجه من المطاط الصناعي ، الذي خصصت له منذ زمن طويل عددا كبيرا من مصانعها .
والولايات المتحدة إذا استطاعت الاقتصاد بإغفال حاجة المدنيين من عجل السيارات ، فإنها في الوقت نفسه قد ازداد استهلاكها بسبب حاجة الحرب . والسيارة
الحربية البسيطة تتطلب من المطاط الخام عشرة أمثال ما تحتاجه سيارة المدنيين . وليست عجلات السيارات بالأمر الوحيد الذي يستخدم فيه المطاط . بل هنالك مئات الأشياء الضرورية لحاجة الحرب ، وللمدنيين، ولابد فيها من استخدام المطاط . ولهذا لا بد للولايات المتحدة من تدبير خاص لتدارك حاجتها من المطاط.
وسيلان هي المكان الوحيد الذي لا يزال مطاطه في متناول الحلفاء . ولكن إنتاج الجزيرة لا يزيد على مائة ألف طن ، والطريق إليها محفوف بالأخطار . إذاً لابد من التماس وسائل جديدة . ومن أهم هذه الوسائل : استخدام المطاط القديم المتخلف من العجلات المستهلكة . وهذا المورد قد يصل إلى نحو نصف مليون طن ، بعد أن كان في زمن السلم لا يتجاوز مائتي ألف طن . وهذا المطاط " المستحدث" ، قد يفى بكثير من الأغراض بعد خلطه بالمطاط الجديد .
وهنالك مزارع المطاط في البرازيل وفي ليبريا ، ولكن إنتاجها قليل ، والمطاط الوحشي (غير المزروع) الذي يجني من البرازيل لا يؤتي أكثر من خمسين ألف طن . وهنالك خطط عديدة لإنشاء مزارع واسعة للمطاط في البرازيل ، ولاستخراج المطاط من نباتات أخرى تنمو في المكسيك وكاليفورنيا ، ولكن مثل هذه المشروعات لن تأتي بثمرة عاجلة ، لأن الشجر لا يؤتى غلته من المطاط إلا بعد مضي بضع سنوات . والأمل الوحيد في معالجة هذه الشكلة هو في الحقيقة المطاط الصناعي ، ورغم تكاليفه الباهظة . وقد بذل مجهود عنيف بعد أن شهرت اليابان الحرب ، من أجل مضاعفة إنتاج هذه السلعة ، والبرنامج القائم يضمن للولايات المتحدة الوفاء التسام بحاجتها الحربية من هذه السلعة ، بعد نفاد المقدار المخزون في الوقت الحاضر .
وبمثل هذا الجهد العنيف تعالج الولايات المتحدة ،
مشكلة إنشاء السفن . وهي أجل وأضخم مشاكل أمريكا والحلفاء جميعاً . فان خطر الغواصات والمسافات التي لا بد من قطعها لنقل الجنود والعدة والذخيرة للمحاربين في ميادين بعيدة ، كل هذا جعل الحاجة إلي السفن أكبر مشكلة يعانيها الحلفاء في هذه الحرب . ومع أن المشكلة لم تعالج علاجا ناجعاً بعد ، ولا يزال إنتاج السفن أقل مما يغرق في عرض البحار ، فان المصانع الأمريكية العديدة تبدي نشاطا ينبئ بقرب التغلب على هذه المشكلة . وقد استطاع الصناع الأمريكيون ان يصنعوا سفنهم في نصف الوقت الذي كان محدداً لها . وأمكنهم أن ينشئوا المصانع الجديدة على المحيطين الهادي والأطلسي في زمن وجيز .
والمجلات الأمريكية مفعمة بوصف مظاهر النشاط المختلفة ، والمجهود العنيف الذي يبذله الكبير والصغير ، والنساء والرجال على السواء . وعلى رأس هذه الآلة الإنتاجية إرادة وإدارة رجل واحد ، وهو دونالد نلسن ، الرجل الذي اختاره الرئيس روزفلت لتنفيذ ذلك البرنامج الهائل ، الذي يشتمل على ١٨٥٠٠٠ طائرة و ١٢٠.٠٠٠ دبابة ، وسفن حمولتها ثمانية عشر مليون طن . وهذا الرجل وحده هو الذي يسهر على المصانع ، ويسعفها بما تحتاجه من المواد ؛ وقد قال في حديث له مع بعض رجال الصحافة : " إنني لأرجو أن يكون النقد الذي نتعرض له في المستقبل أن يقال عنا إننا أسرفنا في الانتاج إلي أبعد مما تتطلبه ضرورة الحرب . فهذا وحده نستطيع أن ننتصر ، ولا بد لنا أن ننتصر ".
وإلي جانب وصف النشاط الامريكى الحربي ، قد امتلأت المجلات أيضا بوصف هزائم القوات الأمريكية في جزر هاواي والفلبين ، وكيف فوجئ سكان جزر هاواي ، وقليل منهم من استيقظ من رقاده في صباح الأحد ٧ ديسمبر الماضي بإغارة الطائرات اليابانية ، فلم يكد الصباح
أن ينتصف حتي دمرت طائرات عديدة ، وأغرقت سفن أو عطلت ، وأحرقت دور ومصانع ، وأزهقت أرواح ثلاثة آلاف من السكان . وفي ساعة واحدة دمر من الأسطول الأمريكي أكثر مما دمر في الحرب الماضية كلها . وفي هذه الساعات الجليلة الخطر ، بذلت الحامية الأمريكية جهوداً جبارة . وأبدت أمثلة رائعة من البسالة والتضحية ولكنها جهود ثم تحل دون تلك الخسارة الفادحة التي شلت قوة الأسطول الأمريكي في المحيط الهادي .
ومثل هذه الكارته حدث في الفلبين ، فبينما كانت الطائرات الأمريكية تتأهب للصعود في الجو ، أقبلت الطائرات اليابانية فجأة ، ولم تمض لحظات حتى اصبحت القوات الجوية الأمريكية في الفلبين أثراً صغيرا لما كانت عليه من قبل . وحدث مثل هذا الهجوم المفاجئ على القاعدة البحرية في كافيت ، فعطلت معظم القطع الحربية في الفلبين . ولم يبق مناص من التراجع إلي شبه جزيرة باطان وجزيرة كوريجيدور حيث قاتلت العدو قتالا مجيداً خمسة أشهر ، إلى أن نفد الزاد والأدوية ، وأصيب الجيش بضروب من الحرمان ، لا يمكن الصبر عليها ، وقد انقطع عن المجاهدين كل مدد وعون ، فلم يكن بد من أن يسلم جنود باطان في الثامن من أبريل الماضي .
وهكذا أثبتت القوات الأمريكية أنـها في مقدمة الجنود جرأة وحيلة وجلدا ، ولكن الانتصارات الفجائية اليابانية ، قد عطلت أداة الحرب الأمريكية في المحيط الهادي تعطيلا محسوسا ، وانتزعت من أيدي أمريكا قواعد عظيمة الخطر في جزر الفليين . وقد ظهر ما لأمثال تلك القواعد من عظيم الخطر ، يوم حاولت القوات اليابانية الاستيلاء على جزيرة ميدواي . فان هذه الجزيرة الضئيلة التي استطاعت أمريكا أن تحتفظ بها ، قد مكنتها من أن تحرز انتصاراً عظيماً على الأسطول الياباني ، وأن ترد الغزاة الفاتحين عن تلك الجزيرة بعد ان فقدوا أربعاً من حاملات
الطائرات ، بطائراتها وطائريها ، وعدداً من وحدات الأسطول ذات الشأن .
كذلك استطاعت القوات الأمريكية والاسترالية متحدة أن تحرز نصرا مماثلا في بحر المرجان ، وأن ترد الغزاة عن استراليا فترة من الزمن
ليس من شك في أن الزمن يعمل لمصلحة الولايات المتحدة ، ولكن هل تمهل الحوادث أمريكا حتي يمضي الزمن الكافي لأن تحشد أساطيلها وجيوشها وتهاجم عدوها في تلك الميادين البعيدة ؟
إن التكهن ضرب من العبث ، واليابان قد هدأت حدة هجماتـها ، ولكن ذلك لم يحدث إلا بعد ان استولت على أقطار فسيحة تجعلها في مركز حربي جغرافي ممتاز . وأمريكا لابد لها أن تجاهد لا لكي تسترد ما فقدت فقط . بل لكى تعاون وتمد شركاءها من الدول المتحدة ، لأن أي ضعف في ميدان من الميادين ، وأي انتصار باهر لأية قوة من قوات المحور ، في أية بقعة من سطح الأرض ، كل هذا له أثره في زيادة العبء ، الذي تضطلع به الولايات المتحدة وشعبها .

