الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 187الرجوع إلى "الثقافة"

أمريكا فى الحرب

Share

كان من نعم الله علي أمريكا أن يفصلها عن سائر العالم محيطان عظيمان باعدا بينها وبين ما يكتسح سطح الأرض من شرور وأهوال ، وما يراق فيه من دماء ، وما تغني فيه من أرواح . واطمأن سكانها إلي ما وفرته الطبيعة من اسباب الأمن والهدوء ، فعشقوا السلم وحياة السلم ، واتخذوا من نعيم الحياة فنا جميلا ، بالغوا في إتقانه وأسرفوا في التمسك بأهدابه . وخافوا ان ينبههم من لذة التفاؤل هذه حادث أو داعية متشائم ، فبادروا بقطع كل علاقة سياسية تربطهم بالعالم ، وأقبل دعاتهم يملأون الجو بأن أمريكا في خير ، و أن من المستحيل أن تمتد إليها يد بالعدوان . وقد كانت الصحف الأمريكية تفد إلينا حتى الربع الأخير من العام الماضي ، وقبيل العدوان الياباني ، مملوءة مما يسكن الخواطر ، ويملأ النفوس أمنا واطمئنانا .

واليوم يصل إلينا البريد الأمريكي ممتلئا بالحرب وانبائها وما تثيره من مشاكل خطيرة لابد للنهوض بها من مجهود جبار لم يعرف العالم له نظيراً . ونريد في هذا المقال أن نعرض لطائفة من المقالات التي تصف أمريكا ، وهي تضطلع بعبء الحرب . لكي نستنبط منها صورة تلك الأمة العظيمة ، وهي تواجه للمرة الأولى في تاريخها عدوانا قويا عنيفا .

كان أول أثر ظهر على الشعب الأمريكي بعد العدوان الياباني ، هو الدهشة . وسرعان ما زالت الدهشة ، وحل محلها الغضب ، ثم العمل على دفع العدوان ، والتأهب للقتال .

ولكن ما يكتبه كثير من الأمريكيين يشعرنا أن روح التفاؤل القديمة لا تزال تعطل الإنتاج الحربي ،

وتقف عائقا دون بذل أكبر مجهود تستطيعه أكبر وأغني دولة في العالم . وقد انتشرت في أمريكا في مارس الماضي مقالة لصحفي عظيم عنوانـها "استيقظى أمريكا " يقول فيها : " لا تزال الأمة في حاجة شديدة لأن تنتبه إلي الخطر الداهم ، وما ينطوي عليه من شرور . إنها في حاجة لأن تدرك أننا إلي اليوم قد هزمنا شر هزيمة ؛ في حاجة لأن تدرك أن الولايات المتحدة قد تخسر هذه الحرب ، وتقاسي مثل ما قاست فرنسا ، وأن هذه النتيجة المحتملة ، قد تصبح مرجحة ، إذا لم يتغير التيار الذي تسير فيه البلاد اليوم . فالأمة في أشد الحاجة لأن تتخلص مرة واحدة من ذلك الشعور المخدر بأن أمريكا وإن خسرت الحرب أولاً ، فإنـها لا شك ستنتصر أخيرا " .

وهكذا يمضي الكاتب في توجيه النقد اللاذع لكل هيئة أو جماعة يبدو في نشاطها أقل قصور عن المستوي الأعلى الذي لا بد من بلوغه لتعويض ما مضي من إهمال وإغفال . ويذهب كثير من الكتاب هذا المذهب في النقد الجرىء اللاذع . ولكن هذا المقال وأمثاله إن دل على شئ ، فانه لا يدل على تقصير شديد في الانتاج والمجهود الحربي ، بل يدل على أن روح الطموح والجد عند الأمريكيين قد بلغت من العنف بحيث لا يمكن أن يرضيها إلا أن تطلب الزيادة الدائمة والتفوق المستمر .

ولابد في بلاد تدين بحرية الرأي - حتى في أحرج الأوقات - أن تظهر فيها أمثال هذه الصيحات . ولكن هنالك مقالات أخري تصف المجهود الضخم الذي يبذله الشعب الأمريكي في الانتاج الحربي ، والتضحيات العظيمة التي يبذلها عامة الناس في أمة اعتادت عيش الراحة والاطمئنان . فقد حرم على كثير من الناس ركوب السيارات بسبب قلة المطاط . وذلك في بلد تعد فيه السيارات من الضروريات لا من الكماليات . واخذ الناس يركبون أقدامهم او الدراجات عن رضي وارتياح .

واخذت مصانع السيارات تعمل للحرب وحدها وتضاعف إنتاجها ، وأنشئت مصانع جديدة فيما يشبه لمح البصر . وأصبحت مدينة "دترويت " التي كانت منصرفة فيما مضي لانتاج السيارات وحدها ، قادرة علي إنتاج المدافع ، ومحركات الطائرات .

ولعل أكبر مشكلة في الانتاج تعانيها الولايات المتحدة اليوم ، هي مشكلة المطاط ، فان هذه الدولة - الغنية ، بل المفرطة الغني ، في المواد الزراعية والمعدنية ، كانت دائما في حاجة إلى المطاط يأتيها من أرض غير أرضها ، وكان سبعة وتسعون في المائة مما تستهلكه من المطاط يأتيها من جزر الهند الشرقية وشبه جزيرة الملايو وجزيرة سيلان ، وهي أقطار أصبحت اليوم كلها - ما عدا جزيرة سيلان - واقعة تحت سلطان اليابان . وقد كانت أمريكا مدركة منذ زمن ليس بالقصير أن واردها من المطاط قد ينقطع عنها . ولكنها لم تفعل شيئا لعلاج هذه الحالة إلا في أواخر عام ١٩٤٠ ؛ وأنشئت شركة تحت رعاية الحكومة لشراء وتخزين المطاط ، ولم تلبث أن أخذت تكدس من هذه المادة مقادير عظيمة حتى بلغ المخزون منه نحو ثلاثة أرباع مليون طن . وهو مقدار ليس بالكبير إذا ذكرنا أن الولايات المتحدة تستهلك في زمن السلم نحو ٦٠٠٠٠٠ طن من المطاط الجديد سنويا . وبالاقتصاد الشديد قد يخفض هذا القدر إلى نحو نصف مليون طن بسبب تخصيص السلعة للأغراض الحربية دون سواها .

إن ألمانيا قد حرمت وسائل استيراد المطاط منذا أول الحرب . ولكن ألمانيا قد ادخرت مقادير هائلة من المطاط إلي جانب ما تنتجه من المطاط الصناعي ، الذي خصصت له منذ زمن طويل عددا كبيرا من مصانعها .

والولايات المتحدة إذا استطاعت الاقتصاد بإغفال حاجة المدنيين من عجل السيارات ، فإنها في الوقت نفسه قد ازداد استهلاكها بسبب حاجة الحرب . والسيارة

الحربية البسيطة تتطلب من المطاط الخام عشرة أمثال ما تحتاجه سيارة المدنيين . وليست عجلات السيارات بالأمر الوحيد الذي يستخدم فيه المطاط . بل هنالك مئات  الأشياء الضرورية لحاجة الحرب ، وللمدنيين، ولابد فيها من استخدام المطاط . ولهذا لا بد للولايات المتحدة من تدبير خاص لتدارك حاجتها من المطاط.

وسيلان هي المكان الوحيد الذي لا يزال مطاطه في متناول الحلفاء . ولكن إنتاج الجزيرة لا يزيد على مائة ألف طن ، والطريق إليها محفوف بالأخطار . إذاً لابد من التماس وسائل جديدة . ومن أهم هذه الوسائل : استخدام المطاط القديم المتخلف من العجلات المستهلكة . وهذا المورد قد يصل إلى نحو نصف مليون طن ، بعد أن كان في زمن السلم لا يتجاوز مائتي ألف طن . وهذا المطاط " المستحدث" ، قد يفى بكثير من الأغراض بعد خلطه بالمطاط الجديد .

وهنالك مزارع المطاط في البرازيل وفي ليبريا ، ولكن إنتاجها قليل ، والمطاط الوحشي (غير المزروع)  الذي يجني من البرازيل لا يؤتي أكثر من خمسين ألف طن . وهنالك خطط عديدة لإنشاء مزارع واسعة للمطاط في البرازيل ، ولاستخراج المطاط من نباتات أخرى تنمو في المكسيك وكاليفورنيا ، ولكن مثل هذه المشروعات لن تأتي بثمرة عاجلة ، لأن الشجر لا يؤتى غلته من المطاط إلا بعد مضي بضع سنوات . والأمل الوحيد في معالجة هذه الشكلة هو في الحقيقة المطاط الصناعي ، ورغم تكاليفه الباهظة . وقد بذل مجهود عنيف بعد أن شهرت اليابان الحرب ، من أجل مضاعفة إنتاج هذه السلعة ، والبرنامج القائم يضمن للولايات المتحدة الوفاء التسام بحاجتها الحربية من هذه السلعة ، بعد نفاد المقدار المخزون في الوقت الحاضر .

وبمثل هذا الجهد العنيف تعالج الولايات المتحدة ،

مشكلة إنشاء السفن . وهي أجل وأضخم مشاكل أمريكا والحلفاء جميعاً . فان خطر الغواصات والمسافات التي لا بد من قطعها لنقل الجنود والعدة والذخيرة للمحاربين في ميادين بعيدة ، كل هذا جعل الحاجة إلي السفن أكبر مشكلة يعانيها الحلفاء في هذه الحرب . ومع أن المشكلة لم تعالج علاجا ناجعاً بعد ، ولا يزال إنتاج السفن أقل مما يغرق في عرض البحار ، فان المصانع الأمريكية العديدة تبدي نشاطا ينبئ بقرب التغلب على هذه المشكلة . وقد استطاع الصناع الأمريكيون ان يصنعوا سفنهم في نصف الوقت الذي كان محدداً لها . وأمكنهم أن ينشئوا المصانع الجديدة على المحيطين الهادي والأطلسي في زمن وجيز .

والمجلات الأمريكية مفعمة بوصف مظاهر النشاط المختلفة ، والمجهود العنيف الذي يبذله الكبير والصغير ، والنساء والرجال على السواء . وعلى رأس هذه الآلة الإنتاجية إرادة وإدارة رجل واحد ، وهو دونالد نلسن ، الرجل الذي اختاره الرئيس روزفلت لتنفيذ ذلك البرنامج الهائل ، الذي يشتمل على ١٨٥٠٠٠ طائرة و ١٢٠.٠٠٠ دبابة ، وسفن حمولتها ثمانية عشر مليون طن . وهذا الرجل وحده هو الذي يسهر على المصانع ، ويسعفها بما تحتاجه من المواد ؛ وقد قال في حديث له مع بعض رجال الصحافة : " إنني لأرجو أن يكون النقد الذي نتعرض له في المستقبل أن يقال عنا إننا أسرفنا في الانتاج إلي أبعد مما تتطلبه ضرورة الحرب . فهذا وحده نستطيع أن ننتصر ، ولا بد لنا أن ننتصر ".

وإلي جانب وصف النشاط الامريكى الحربي ، قد امتلأت المجلات أيضا بوصف هزائم القوات الأمريكية في جزر هاواي والفلبين ، وكيف فوجئ سكان جزر هاواي ، وقليل منهم من استيقظ من رقاده في صباح الأحد ٧ ديسمبر الماضي بإغارة الطائرات اليابانية ، فلم يكد الصباح

أن ينتصف حتي دمرت طائرات عديدة ، وأغرقت سفن أو عطلت ، وأحرقت دور ومصانع ، وأزهقت أرواح ثلاثة آلاف من السكان . وفي ساعة واحدة دمر من الأسطول الأمريكي أكثر مما دمر في الحرب الماضية كلها . وفي هذه الساعات الجليلة الخطر ، بذلت الحامية الأمريكية جهوداً جبارة . وأبدت أمثلة رائعة من البسالة والتضحية ولكنها جهود ثم تحل دون تلك الخسارة الفادحة التي شلت قوة الأسطول الأمريكي في المحيط الهادي .

ومثل هذه الكارته حدث في الفلبين ، فبينما كانت الطائرات الأمريكية تتأهب للصعود في الجو ، أقبلت الطائرات اليابانية  فجأة ، ولم تمض لحظات حتى اصبحت القوات الجوية الأمريكية في الفلبين أثراً صغيرا لما كانت عليه من قبل . وحدث مثل هذا الهجوم المفاجئ على القاعدة البحرية في كافيت ، فعطلت معظم القطع الحربية في الفلبين . ولم يبق مناص من التراجع إلي شبه جزيرة باطان وجزيرة كوريجيدور حيث قاتلت العدو قتالا مجيداً خمسة أشهر ، إلى أن نفد الزاد والأدوية ، وأصيب الجيش بضروب من الحرمان ، لا يمكن الصبر عليها ، وقد انقطع عن المجاهدين كل مدد وعون ، فلم يكن بد من أن يسلم جنود باطان في الثامن من أبريل الماضي .

وهكذا أثبتت القوات الأمريكية أنـها في مقدمة الجنود جرأة وحيلة وجلدا ، ولكن الانتصارات الفجائية اليابانية ، قد عطلت أداة الحرب الأمريكية في المحيط الهادي تعطيلا محسوسا ، وانتزعت من أيدي أمريكا قواعد عظيمة الخطر في جزر الفليين . وقد ظهر ما لأمثال تلك القواعد من عظيم الخطر ، يوم حاولت القوات اليابانية الاستيلاء على جزيرة ميدواي . فان هذه الجزيرة الضئيلة التي استطاعت أمريكا أن تحتفظ بها ، قد مكنتها من أن تحرز انتصاراً عظيماً على الأسطول الياباني ، وأن ترد الغزاة الفاتحين عن تلك الجزيرة بعد ان فقدوا أربعاً من حاملات

الطائرات ، بطائراتها وطائريها ، وعدداً من وحدات الأسطول ذات الشأن .

كذلك استطاعت القوات الأمريكية والاسترالية متحدة أن تحرز نصرا مماثلا في بحر المرجان ، وأن ترد الغزاة عن استراليا فترة من الزمن

ليس من شك في أن الزمن يعمل لمصلحة الولايات المتحدة ، ولكن هل تمهل الحوادث أمريكا حتي يمضي الزمن الكافي لأن تحشد أساطيلها وجيوشها وتهاجم عدوها في تلك الميادين البعيدة ؟

إن التكهن ضرب من العبث ، واليابان قد هدأت حدة هجماتـها ، ولكن ذلك لم يحدث إلا بعد ان استولت على أقطار فسيحة تجعلها في مركز حربي جغرافي ممتاز . وأمريكا لابد لها أن تجاهد لا لكي تسترد ما فقدت فقط . بل لكى تعاون وتمد شركاءها من الدول المتحدة ، لأن أي ضعف في ميدان من الميادين ، وأي انتصار باهر لأية قوة من قوات المحور ، في أية بقعة من سطح الأرض ، كل هذا له أثره في زيادة العبء ، الذي تضطلع به الولايات المتحدة وشعبها .

اشترك في نشرتنا البريدية