الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 276الرجوع إلى "الثقافة"

أمريكا والكتاب الأبيض

Share

كاد أكثرنا أن ينسى أن بين العالم القديم والجديد  محيطاً ضخماً عرضه أربعة آلاف من الأميال ، يفصل بين  عالمين ، ويغرق ما بين شقى المعمور ، كدنا أن ننسى وجود  هذا المحيط منذ أن خاضت أمريكا له أو اضطرت لأن  تخوض غمار هذه الحرب ، وخرجت نهائياً من تلك  العزلة التي استمسكت بها دهراً طويلا ، وأخذت تشارك  العالم القديم خطوبه وحروبه ، وتشترك في مجامعه و محافله ،  وفي حل معضلاته ومشاكله . هنالك صفق كثير من  الناس طرباً ، بأن أمريكا قد أدركت ، بعد لأي ، أن  شئونها من شئون هذا العالم ، وأن الشر إذا استفحل  في جانب من الكوكب ، فإن سمه لا يلبث أن يسرى  في الجسم كله ، وأن النجاة من الشر لا تكون إلا

بالقضاء على الشر حينما وجد ، وفي أي ركن من أركان الأرض ظهر .

هناك أخذنا نحس أن أمريكا قد اقتربت من العالم  القديم ، وأن المحيط الأطلسي الضخم يوشك أن يتلاشي ، وأن ليس هنالك فوارق في التفكير والمباديء تفرق بين  العالم القديم والعالم الجديد ، وأن أمريكا - تلك الدولة  الديمقراطية العظيمة -ستلقي بنفوذها الهائل ، وقوتها  الساحقة ، في جانب الدفاع من الحق وإنصاف المظلوم ،  وفي إنشاء عالم جديد يسوده العدل بين الشعوب كبيرها وصغيرها

ثم قيل لنا  إن أمريكا لم تدخل هذه الحرب - كما دخلت الحرب الماضية - وهي جاهلة بشئون العالم ،

وبالمشاكل العميقة الدقيقة التي تكدر صفو العلاقات بين الشعوب ، بل تدخلها هذه المرة وهي على علم دقيق بما يجري في كل قطر ، ومما تجيش به الصدور في كل بلد ، وبمشاكل كل شعب وآماله وأمانيه ؛ ولدى الحكومة الأمريكية التقارير المستفيضة ، مما كتبه رسلها في كل ركن من أركان العالم بعد دراسة وتمحيص

وهكذا لم يعد هناك محل لأن يشكو أحد من أن أمريكا تؤثر سياسة العزلة ، بل أخذت الآمال تملأ قلوب الناس بأن دخول الولايات المتحدة الأميركية ميدان السياسة الدولية معناه أن صفحة جديدة ستفتح في علاقات الشعوب ، وهي صفحة نقية ناصعة خالية من شوائب البطش والعنف والاستغلال .

ونحن ، أبناء الدول الشرقية ، والدول الصغيرة ، قد كنا أول المرحبين بأن أمريكا قد دخلت ميدان السياسة العالمية منشئة ، وربة رأي ومشاريع واسعة جليلة . فلقد اشتهر عن أمريكا وعن الأمريكيين أمور عديدة محبوبة إلى قلوب الأمم الصغيرة ، اشتهر عنها بغضها للاستعمار في جميع صوره وأشكاله ، ومقتها للوسائل العنيفة تستخدم في إخضاع الضعيف لإرادة القوي المدل بقوته . ولعل أمريكا أول من ابتكر عبارة " حق تقرير المصير " ، ونادت بأنه لا يجوز فرض حالة سياسية على شعب من الشعوب أو جماعة من الجماعات إلا برضاها وموافقتها . .

من أجل هذا كله أخذنا نرقب ما يصدر عن أمريكا من رأي ، وما تبديه من فكر ، وتتبعنا ما يقول ساستها في خطبهم ، لكن نرى أى سماء جديدة ستظل العالم ، وأي أرض جديدة ستمهد لحياة الشعوب . وراقبنا بوجه خاص ما يحمله إلينا البرق ، وتنقله إلينا الصحافة عن شئوننا نحن سكان العالم العربي والإسلامي . فإذا بأهم الأمور التي شغلت أمريكا في هذا الركن الكريم من أركان الأرض أمران لا ثالث لهما : الأمر الأول مد أنابيب للبترول من

الخليج الفارسي إلى القطر المصري . والأمر الثاني : ضجة هائلة يثيرها رجال السياسة والصحافة هناك من أجل إكراه القطر الفلسطيني على قبول عدد لاحد له من مهاجري اليهود .

لا يكاد يمضي يوم حتى تنقل إلينا صحفيا أنباء من امريكا عن فلسطين ؛ منها ما يدل على اهتمام البرلمان الأمريكي بشئون ذلك القطر ، ومنها ما يشير إلى الملايين من الدنانير يجمعها اليهود من أجل شراء أرض فلسطين ، ومنها تصريحات يدلي بها الرئيس ، أو حاخام يتحدث بلسان الرئيس ؛ ومنها بيانات تصدرها الصحف ، أو ينشرها زعماء اليهود وهذه الأنباء ، والتصريحات ، مهما اختلفت مصادرها ، " فإنها جميعا تضرب على نغمة واحدة ، وتهتف بدعاية واحدة ، وهي نغمة كلها عن إعراب عن العطف الشديد على اليهود ، وضرورة منحهم فلسطين لكى تكون دولة يهودية .

لم يأت في هذه التصريحات والأنباء ذكر أو إشارة للعرب ، ولم يخطئ زعيم من الزعماء او كاتب من الكتاب في أمريكا ، فيشير ، ولو من بعيد ، إلي الامة العربية التي تسكن فلسطين ، كأنهم جميعا يتعمدون أن يغفلوا ذكر هذه الأمة التي طالما رحبت باليهود وعطفت عليهم . وحبتهم المناصب السامية ، وأغدقت لهم الخيرات .

إنني استعرض - وأنا أكتب هذا المقال - قصاصات من صحفنا اليومية ، كلها خاصة بفلسطين ، وكلها صادرة عن جهات امريكية عليا ومتوسطة ، وليس في واحدة منها اشارة يشئم منها ان في ذلك القطر سكانا ، اسمهم العرب فهل يدل هذا الإغفال العجبيب على مبلغ علم اولئك الكتاب والرؤساء بقطر فلسطين وشعبه الكريم ؟ وهل يدل ذلك الإهمال على انهم لا يعرفون ان هنالك امة اسمها الأمة العربية ، وأن فلسطين وطن من أوطانها ؟ . وبرغم هذا فقد اخذت تلك الهيئات والشخصيات الممتازة تدلي

بالرأي ، وتشير بالسياسة التي يجب اتباعها في فلسطين .

فهل يجوز لنا بعد ذلك أن نزعم أن المحيط الأطلسي قد زال ، وان امريكا قد دنت من العالم القديم ، حتى اصبحت تحس نزعاته ونبضات قلبه ، وباتت ملمة احسن إلمام بما في النصف الشرق للكرة من مشاكل . لقد اثبتت لنا تلك الإشارات إلي فلسطين - مع الأسف الشديد أن المحيط لا يزال حائلا قويا دون اطلاع تلك الديقراطية الأمريكية الجديدة على شئون بلاد الشرق القديم . فقد أخذت أمريكا تتدخل فعلا في شئون الشرق العربي . تدلي فيه بآراء هائلة ، وكأنها صاحبة حتق في تصريف شئون هذا العالم ، ومع ذلك فإنها قد اثبتت انها لم تلم بعد الإلمام الصحيح بشئون هذا الركن الخطير من الأرض .

وقد نشرت جريدة " إيكونومست " وهي من الصحف الشديدة الاعتدال ، في أول الشهر الماضي مقالا عن تدخل أمريكا في شئون الشرق الأوسط ، قالت فيه : " إن الولايات المتحدة تنوي ان يكون تدخلها دائما في شئون الشرق الأوسط . . ولكن التدخل من جانب واحد ، وبدون اطلاع على حقائق الأمور سيكون اسوا لأمريكا من سياسة العزلة . ولسوء الحظ تظهر حالتا التدخل الأمريكي في سياسة الشرق الأوسط علامات مدل على قلة النظر البعيد " .

كذلك نشرت جريدة منشستر جارديان مقالا شرحت فيه مظاهر تدخل امريكا في أمور البلاد العربية حديثا ، وقالت فيه : " اما من وجهة نظر بريطانيا ، وجميع شعوب  الشرق الأوسط ، فإن انسحاب الامريكين مرة اخرى من المنطقة نفسها افضل من هذا النوع من التدخل " .

وهكذا نري صحيفتين اشتهرتا بالاعتدال والإنصاف يصفان التدخل الأمريكي في شئون الشرق الأوسط بأنه

بجري بدون اطلاع على حقائق الأمور ، وانه أفضل للعالم ولأمريكا نفسها أن تعود إلي عزلتها بدلا من هذا التدخل الذي لم يبن علي علم وإطلاع

ومع ذلك فإن الشعب الأمريكي اشتهر بميله إلى الحرية والإنصاف ، وقد بلغ من حبه للإنصاف ان حكومته أمرت بأن تحفظ باسم الزعيم هتلر جميع الاموال المتحصلة من بيع كتابه المعروف " كفاحي " إلي أن ننتهي الحرب وبيت في هذه الأموال ، فإما ان ترد إلى صاحبها أو إلي ورثته ، أو يتصرف فيها طبقا لشرعة العدل والإنصاف . ذلك مبلغ حرص امريكا على حفظ حقوق هذا الزعيم الألماني الذي أعلن عليها الحرب ، فما مبلغ حرصها على حقوق الشعب العربي الصديق الذي لم يبد نحوها إلا كل صداقة واحترام ؟ .

كان أول مظهر لاهتمام امريكا بالشعب العربي هذا العام اقتراح قدم إلي مجلسي البرلمان الامريكي يقضي بتحويل فلسطين إلي دولة يهودية ؛ كأن البرلمان الامريكي قد فرغ من النظر في شئون أعدائه من اليابان والالمان ، وقضي في مصير أرضهم وديارهم ، فأخذ ينظر في أرض الأصدقاء والحلفاء التي تمد جيوشهم اليوم بالبترول ، وبالزاد ، وبمختلف المساعدات القيمة ، فأخذ بتصرف في تلك الأرض يمنحها لليهود لكى يقيموا فيها دولة

ثم جاء الرئيس روزفلت نفسه ، فلم يرد أن يتحدث بنفسه ، بل أناب عنه حاخامين عظيمين لكي يعلنا للعالم ان الحكومة الامريكية لم توافق على نصوص الكتاب الأبيض . ولا تدري كيف غاب عن الرئيس وعن حاخامية الفاضلين ، ان الكتاب الأبيض وثيقة ترجع إلى ما قبل هذه الحرب ، تعهدت مقتضاها الحكومة البريطانية صاحبة الانتداب على فلسطين ، أن تسلك في انتدابها على الأرض المقدسة سياسة خاصة . تعهدت بهذا أمام العالم العربي ، وأمام عصبة الأمم ، وأقرها على هذه

السياسة البرلمان البريطاني ؛ ولم تكن امريكا في ذلك الوقت عضوا في عصبة الأمم ، وليس لها صلات ببلاد الشرق الأوسط ، وهي ناعمة هادئة في عزلتها التي احبتها واختارتها . فلم يكن من المعقول ان تدعي حكومتها الموافقة أو عدم الموافقة على كتاب وعهد لا يمسها من قريب ولا بعيد . وليس لها شأن بة ولا بما جاء فية  .

وكثير من المتحدثين عن فلسطين في أمريكا يمزجون اهتمامهم بأمرها بعطفهم على اليهود الذين تعرضوا في هذه الحرب لويلات كثيرة ، وينادون بضرورة فتح أبواب فلسطين على مصاريعها للاجئين منهم ، ومساعدتهم على الانتقال إلي هذا القطر . وليس من شك في أن العالم كله ناقم على تلك القوي الشريرة التي اثارتها هذه الحرب ، وكان من جرائمها أن أصيب كثير من الطوائف والشعوب بالتشرد والتعذيب ، وأنزل الويل والثبور بساحة جماعات بريئة ، ليس لها في هذه الحرب جريرة اقترفتها ولكن هذا المصير الأليم ليس مقصورا على اليهود وحدهم ، فقد عم شعوبا وجماعات عديدة ، عانت في هذه الحرب أشد الويلات ، ولم يبد أولو الأمر في أمريكا اكتراثا بهم وبمصيرهم ، ومما يعانون من ضروب العذاب ، بل قصروا عطفهم ودعابتهم على اليهود ، ونادوا بأنه يجب إرسالهم إلى فلسطين وحدها دون سائر اقطار العالم . ومن العجيب حقا أن أولئك الكتاب والقادة الأمريكيين ، لم ينادوا بفتح أبواب أمريكا نفسها لهؤلاء اللاجئين ، وأمريكا تزيد في المساحة والثروة بنحو ألف مرة على قطر فلسطين .

ونحن مضطرون في هذه الحال لأن نستنتج ان ليس الغرض الصحيح من كل هذه النداءات والتصريحات إغاثة الشريد ومساعدة الملهوف ، وإلا لأمكن إيواء اللاجئين بسهولة في أقطار واسعة فسيحة بدلا من فلسطين التى نالت قسطها - بل وفوق قسطها - من الهجرات اليهودية ، والتي اصبحت اليوم تضيق بمن فيها . ولا نستطيع ان

نتحدث عن الغرض الحقيقي الذي تسعى نحوه السياسة الأمريكية ، لأننا لا نريد أن ندلى بحكم في أمر لم يتح لنا الإلمام بدخائله ، وليس بمستحسن أن نحكم بالظواهر وحدها .

ولقد أسرفت الدعايات الأمريكية في امر الهجرة إلى فلسطين إسرافا يوشك ان يسيء إلى الحكومة والشعب الأمريكي أبلغ الإساءات . فلقد طالعنا بالأمس تصريحا خطيرا من حاكم ولاية نيويورك ، ولعله ان يكون احد المرشحين للجمهورية الأمريكية هذا العام ، ينادي فيه صراحة بأن حكومته يجب أن تتخذ الإجراء اللازم للضغط على بريطانيا لكي تعدل عن سياسة الكتاب الأبيض . فهل دري حاكم ولاية نيويورك ما هذا الكتاب الأبيض الذي ينادي بتمزيقه ؟ ألم يدر بخلده أن هذا الكتاب يتضمن عهدا قطعته دولة محترمة بملء حريتها ومن تلقاء نفسها ، وتقيدت ، امام العالم كله ؟ فإذا كان مما يستبيحه حاكم نيويورك أن تحنث الدول بمواثيقها وتنقض عهدها فلم كانت كل هذه الحرب ، ولم كان كل هذا التشهير بألمانيا ناقضة العهود ، وممزقة المعاهدات ؟

لقد قيل في تفسير الظاهرة العجيبة في السياسة الأمريكية انها راجعة إلي أن هذا عام الانتخابات ، وكل شخص حريص على إحراز اصوات اليهود . وإننا لا يسعنا إلا أن نرجو أن يكون هذا القول صحيحا ، فأن أسفنا عظيم على أن يكون النظام الدمقراطي دافعا الناس إلي الإدلاء بهذه الآراء الفجة ؛ ولكن أعظم منه ألف مرة اسفنا على أن تكون أمريكا دولة تنكب مختارة عن شرعة العدل والإنصاف !

اشترك في نشرتنا البريدية