الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 106 الرجوع إلى "الثقافة"

أمريكا ودول المحور، رسالة ونبوءة

Share

كان الرئيس روزفلت فى رسالته التى أذاعها على الشعب الأمريكى لمناسبة العام الجديد ، والتى تناول فيها موقف أمريكا من الحرب الحاضرة أشد صراحة ووضوحا منه فى أية رسالة سابقة ؛ وإذا كان الرئيس روزفلت لم يخف فى أى تصريح سابق أن أمريكا تزمع بالرغم من حيادها أن تبذل كل ما فى وسعها لمقاومة عدوان النازية والفاشيستية ، ونصرة الجبهة الديمقراطية ، فانه يحمل فى رسالته الجديدة على دول المحور وعلى أغراضها أعنف حملة ، ويصرح بصورة قاطعة أن أمريكا ستقف فى هذه الحرب صراحة إلى جانب بريطانيا العظمى ، وأنها لا تفعل ذلك مدفوعة بباعث الروابط التاريخية والشعبية المشتركة ، ووحدة النظم والمدنية والمصلحة فقط ، ولكن أيضا لأن أمريكا يجب أن تعتبر بريطانيا خط دفاعها الأول ، وأنه إذا قهرت بريطانيا ، استطاعت دول المحور أن تتحكم فى مصاير أوربا وآسيا وأفريقية والبحار ، وتمكنت بذلك من أن تسير إلى العالم الجديد بقوى هائلة ، وأن أمريكا يجب ألا تعتقد أنها تستطيع الاعتصام من الخطر بمياه المحيطين الأطلانطى والهادئ ، بل بالعكس فإن الخطر يمثل أمامها منذ الآن ، فاذا انهارت بريطانيا ، أضحت معرضة لفوهات المدافع ؛ وأن أمريكا إذا أرادت أن تجتنب ويلات الحرب المباشرة فما عليها إلا أن تقدم لبريطانيا كل ما استطاعت من سلاح ومواد وذخيرة ، وأن تشد أزرها فى وقفتها التاريخية للذود عن المدنية والديمقراطية ، وأن تغدو أمريكا بالفعل دارا لتموين الديمقراطية كلها بالسلاح ، وأن تفعل ذلك كله

بروح العزم والتضحية كمالو كانت تحوض الحرب ذاتها .

وإلى جانب هذه التصريحات القوية الواضحة عن موقف أمريكا من الفريقين المتحاربين ، يصرح الرئيس روزفلت بأمرين فى منتهى الأهمية والخطورة ، أولهما أن الولايات المتحدة ، إزاء ما توجهه إليها دول المحور من التهديد ، لا تري ثمة أى سبب يدفعها لأن تشجع حديث الصلح حتى يجىء اليوم الذى يبدو فيه عزم المعتدين على التنحى عن فكرة السيطرة على العالم . والثانى هو اعتقاد الرئيس روزفلت بناء على أحدث وأصح المعلومات التى وصلت إليه ، بأن دولتى المحور لن تنتصرا فى هذه الحرب .

لما نثبت الحرب الحاضرة ، لبثت الحكومة الأمريكية مدى حين قبل أن تستطيع تحديد موقفها إزاء الفريقين المتحاربين بصورة جلية ؛ وكان الحظر عندئذ قائما على تصدير السلاح والمواد الحربية ، وفقا لقانون الحياد الأمريكى ، وفى نوفمبر سنة ١٩٣٩ ، أصدر البرلمان الأمريكى قانون الحياد الجديد ، وأباح فيه العودة إلى تصدير السلاح والذخائر إلى المتحاربين على أساس " الدفع والنقل " ؛ ومع أن القانون لم يفرق فى ذلك بين الدول المتحاربة ، غير أنه كان من الواضح أن بريطانيا العظمى وحليفتها فرنسا يومئذ هما اللتان تستطيعان وحدهما الاستفادة منه بما تملكان من أموال احتياطية وأساطيل ضخمة ؛ ومن ذلك الحين بدأت معاونة أمريكا لبريطانيا

وحلفائها بتصدير السلاح والذخائز ؛ فلما انهارت فرنسا ودخلت إيطاليا الحرب إلى جانب ألمانيا ، أدركت أمريكا فداحة الخطر الذى تستهدف له بريطانيا بوقوفها وحدها فى وجه الخطر الألمانى ؛ وصرح الرئيس روزفلت يومئذ بأن أمريكا ستمد خصوم القوة والعدوان بمواردها المادية ، وأخذت أمريكا فى مضاعفة جهودها لامداد بريطانيا بالسلاح والذخائر والمواد الحربية على اختلافها .

ووقفت بريطانيا وقفتها المشهورة فى وجه السلاح الجوى الألمانى فى شهرى أغسطس وسبتمبر الماضيين . وأثبتت بما أنزلته بالطائرات المغيرة من الخسائر الفادحة ، متانة سلاحها الجوى ، ومناعة أهباتها الدفاعية ؛ وانهارت بذلك مشاريع الغزو الألمانى لبريطانيا ، مؤقتا على الأقل ؛ فازدادت ثقة أمريكا وثقة العالم بقوة بريطانيا ومقدرتها الدفاعية ؛ وتقدمت أمريكا خطوة أخرى فى التفاهم مع بريطانيا على بعض خطط الدفاع المشتركة فى المياه الأمريكية ؛ ونزلت بريطانيا لأمريكا عن بعض القواعد الحربية الهامة فى بعض أملاكها الأمريكية فى مياه الأطلنطيق الغربية ؛ ونزلت أمريكا من جانبها لبريطانيا عن خمسين مدمرة كاملة العدة ، فقدمت بذلك اعظم عون للأسطول البريطانى على القيام بالمهام الخطيرة التى يضطلع بها .

وقع ذلك كله قبل انتخابات الرياسة الأمريكية ؛ وكان يخشى أن تتأثر هذه السياسة الحازمة فى تأييد بريطانيا بمنافسات الرياسة ؛ ولكن الرئيس رزفلت مالبث أن خرج من هذه المعركة ظافرا بالرياسة للمرة الثالثة ، فى أوائل نوفمبر الماضى ؛ فكان ذلك ظفرا للسياسة التى اختطها من مقاومة العدوان الفاشستى ، ومناصرة الديمقراطية ، وتوطيدا لها ، وكان ذلك خير رد على الميثاق الثلاثى الذى سعت ألمانيا وايطاليا إلى عقده مع اليابان ، قبل ذلك بأسابيع قلائل ، وفيه تزعم ألمانيا وايطاليا لنفسيهما

الحق فى وضع نظام جديد لأوربا ، وتعترفان لليابان بالحق فى وضع نظام جديد للشرق الأقصى ؛ وتتعهد اليابان نظير ذلك بالدخول فى الحرب إلى جانب دولتى المحور إذا دخلت فيها أمريكا إلى جانب انكلترا ؛ وكانت ألمانيا ترمى بذلك إلى إرهاب أمريكا وتثبيط همتها فى معاونة انكلترا ؛ فجاء انتخاب الرئيس روزفلت بالعكس دليلا على أن أمريكا لا يثنيها عن ذلك أى وعيد أو تهديد .

وقد كان لذلك بالطبع أثره الواضح فى ازدياد المعاونة الأمريكية لبريطانيا ، وتدفق السلاح والذخائر والمواد الحربية إليها ؛ وكان من جراء ذلك أن لجأت ألمانيا ، بعد التهديد المقنع ، إلى التهديد المباشر ، وصرح الناطقون بلسانها بأن مضى أمريكا فى معاونة انكلترا على هذا النحو بثير موقفا دقيقا ، وإن ألمانيا لا تستطيع أن تصبر على ذلك إلى ما لا نهاية ؛ وتلا ذلك أن هددت الصحف الألمانية ، وهى لا تنطق إلا بوحى حكومتها ، بأن الأوامر ستصدر بإغراق كل سفينة تأتى بالامداد الأمريكية عن طريق المياه الارلندية .

وقد رأينا رد الرئيس روزفلت فى رسالته على ذلك كله . فقد بسط بمنتهى الشجاعة والصراحة موقف الولايات المتحدة ، وأ كد عزمها الذى لا يتزعزع على مقاومة العدوان الألمانى إلى النهاية ، ومؤازرة بريطانيا العظمى بكل ماوسعت باعتبارها خط الدفاع الاول عن أمريكا ذاتها . هذا إلى أنه لا لوم ولا تثريب على أمريكا فى موقفها ، فهى  لا تفعل فى معاونة بريطانيا بمواردها إلا كما تفعل روسيا والسويد وغيرهما فى إمداد ألمانيا ببعض المواد الحربية التى تستهلكها .

على أن أهم ما يلفت النظر فى هذه الرسالة التاريخية ، هو تصريح الرئيس روزفلت بأن الولايات المتحدة لا ترى

إزاء التهديد الفاشستى وجها لأن يشجع حديث الصلح ، وبأنه يعتقد بناء على أحدث المعلومات وأصحها أن دولتى المحور لن تنتصرا فى الحرب .

فأما عن حديث الصلح ، فقد أغلق الرئيس روزفلت بابا كانت دولتا المحور تحاولان أن تلجآ إليه كلما لا حت لهما بارقة أمل فى إنهاء الحرب لمصلحتهما قبل أن تبلغ بريطانيا مرتبة التفوق فى القوى ؛ وقد بذلت أمريكا قبل نشوب الحرب وبعد نشوبها جهودا عديدة لتسوية أسباب النزاع الذى دفع بأوربا إلى الهاوية ، وكانت انكلترا وفرنسا دائما على استعداد للدخول فى أية تسوية معقولة ؛ ولكن ألمانيا وإيطاليا وقفتا فى وجه كل محاولة سلمية ، وأبتا إلا أن تلجآ إلى حكم القوة . وربما أراد الرئيس روزفلت أن يشير فى تصريحه إلى بعض المحاولات التى بذلتها دولتا المحور أخيرا فى هذا السبيل عن طريق بعض الدوائر المحايدة ، مثل الفاتيكان وغيره ، ولم تلق سوى الإعراض من جانب بريطانيا .

وأما نبوءة الرئيس روزفلت عن مصير الحرب ، فهى بلا ريب تصريح ذو شأن ؛ ومن المحقق أن كثيرين يشاطرون الرئيس اعتقاده ؛ وفى تطورات الحرب منذ أغسطس الماضى ما يشجع على هذا الاعتقاد ؛ فقد وقفت موجة الظفر الألمانى فى فرنسا عند شواطئ المانش ، وفشلت مشاريع هتلر فى غزو انكلترا ! وانكشفت قوى الفاشستية فى ألبانيا ، وفى الصحراء الغربية ، وكسبت بريطانيا معركة الامبراطورية فى الشرق الأدنى ؛ واضطربت خطط المحور فى البلقان وأوربا من جراء هذا التطور الفجائى ، واعتبرت فرنسا من جانبها بهذا التطور فازدادت مقاومة للضغط الألمانى ، وازدادت إباء لمطالب هتلر وشريكه المنهزم . هذا من ناحية تطور الحوادث الظاهرة  بيد أن هناك ناحية أخرى لها قيمتها ؛ فنحن نعرف أن أمريكا

ما زالت تحتفظ بممثليها فى ألمانيا والبلاد المحتلة ، وأن الرئيس روزفلت قد أوفد من جهة أخرى بعض الثقات من المندوبين الخبراء لتتبع جهود انكلترا الدفاعية فى البر والبحر والجو ؛ ولابد أن الرئيس روزفلت استأنس فى تكوين اعتقاده بتقارير هؤلاء الممثلين والخبراء ، عن أحوال الفريقين المتحاربين .

لقد وعد هتلر جنوده فى الرسالة التى وجهها إليهم بمناسبة العام الجديد بأنهم سيحرزون فى سنة ١٩٤١ نصرا يفوق نصرهم فى العام الماضى ؛ وهتلر يكرر لجيشه وللشعب الألمانى مثل هذا الوعد منذ أشهر ؛ وإذا كان ثمة فى هذا الوعد من جديد فهو أن هتلر يشكو من أن العالم كله متحالف عليه ، بيد أن الوعد شىء ، والتنفيذ شىء آخر . وقد كانت لدى هتلر فرصة للعمل منذ يوليه الماضى ؛ ولعله كان قد أعد كل شىء لمتابعة انتصاره الساحق على فرنسا ، بالهجوم على بريطانيا العظمى ؛ ولكن وقفة سلاح الطيران البريطانى فى شهرى أغسطس وسبتمبر فى وجه الحملات الجوية الألمانية ، وضعت حدا لسيره المظفر ، وغيرت سير الحوادث فى الغرب ؛ ومن ذلك الحين تتضاءل احتمالات الغزو الهتلرى لبريطانيا شيئا فشيئا ، وتزداد قوى بريطانيا الدفاعية ، وتبدو مناعة الجزيرة فى أروع صورها .

ولا يزال هتلر حيث وقف جيشه فى يونيه الماضى على أطلال فرنسا المنهزمة يتلمس السبل لتحطيم الصخرة البريطانية ، ولا يجد أمامه حتى اليوم من وسيلة لمهاجمتها سوى الغارات الجوية المخربة ، والقرصنة فى عرض البحار . ولكن تخريب المدن ، وقتل المدنيين ، وإغراق السفن التجارية لا تكسب حربا ، ولا تنهيها ؛ وما زال على هتلر أن يجد لنفسه طريق النصر الذى يحلم بتحقيقه ، وهو طريق تزداد وعورته يوما بعد يوم .                                                 (***)

اشترك في نشرتنا البريدية