كان الرئيس روزفلت فى رسالته التى أذاعها على الشعب الأمريكى لمناسبة العام الجديد ، والتى تناول فيها موقف أمريكا من الحرب الحاضرة أشد صراحة ووضوحا منه فى أية رسالة سابقة ؛ وإذا كان الرئيس روزفلت لم يخف فى أى تصريح سابق أن أمريكا تزمع بالرغم من حيادها أن تبذل كل ما فى وسعها لمقاومة عدوان النازية والفاشيستية ، ونصرة الجبهة الديمقراطية ، فانه يحمل فى رسالته الجديدة على دول المحور وعلى أغراضها أعنف حملة ، ويصرح بصورة قاطعة أن أمريكا ستقف فى هذه الحرب صراحة إلى جانب بريطانيا العظمى ، وأنها لا تفعل ذلك مدفوعة بباعث الروابط التاريخية والشعبية المشتركة ، ووحدة النظم والمدنية والمصلحة فقط ، ولكن أيضا لأن أمريكا يجب أن تعتبر بريطانيا خط دفاعها الأول ، وأنه إذا قهرت بريطانيا ، استطاعت دول المحور أن تتحكم فى مصاير أوربا وآسيا وأفريقية والبحار ، وتمكنت بذلك من أن تسير إلى العالم الجديد بقوى هائلة ، وأن أمريكا يجب ألا تعتقد أنها تستطيع الاعتصام من الخطر بمياه المحيطين الأطلانطى والهادئ ، بل بالعكس فإن الخطر يمثل أمامها منذ الآن ، فاذا انهارت بريطانيا ، أضحت معرضة لفوهات المدافع ؛ وأن أمريكا إذا أرادت أن تجتنب ويلات الحرب المباشرة فما عليها إلا أن تقدم لبريطانيا كل ما استطاعت من سلاح ومواد وذخيرة ، وأن تشد أزرها فى وقفتها التاريخية للذود عن المدنية والديمقراطية ، وأن تغدو أمريكا بالفعل دارا لتموين الديمقراطية كلها بالسلاح ، وأن تفعل ذلك كله
بروح العزم والتضحية كمالو كانت تحوض الحرب ذاتها .
وإلى جانب هذه التصريحات القوية الواضحة عن موقف أمريكا من الفريقين المتحاربين ، يصرح الرئيس روزفلت بأمرين فى منتهى الأهمية والخطورة ، أولهما أن الولايات المتحدة ، إزاء ما توجهه إليها دول المحور من التهديد ، لا تري ثمة أى سبب يدفعها لأن تشجع حديث الصلح حتى يجىء اليوم الذى يبدو فيه عزم المعتدين على التنحى عن فكرة السيطرة على العالم . والثانى هو اعتقاد الرئيس روزفلت بناء على أحدث وأصح المعلومات التى وصلت إليه ، بأن دولتى المحور لن تنتصرا فى هذه الحرب .
لما نثبت الحرب الحاضرة ، لبثت الحكومة الأمريكية مدى حين قبل أن تستطيع تحديد موقفها إزاء الفريقين المتحاربين بصورة جلية ؛ وكان الحظر عندئذ قائما على تصدير السلاح والمواد الحربية ، وفقا لقانون الحياد الأمريكى ، وفى نوفمبر سنة ١٩٣٩ ، أصدر البرلمان الأمريكى قانون الحياد الجديد ، وأباح فيه العودة إلى تصدير السلاح والذخائر إلى المتحاربين على أساس " الدفع والنقل " ؛ ومع أن القانون لم يفرق فى ذلك بين الدول المتحاربة ، غير أنه كان من الواضح أن بريطانيا العظمى وحليفتها فرنسا يومئذ هما اللتان تستطيعان وحدهما الاستفادة منه بما تملكان من أموال احتياطية وأساطيل ضخمة ؛ ومن ذلك الحين بدأت معاونة أمريكا لبريطانيا
وحلفائها بتصدير السلاح والذخائز ؛ فلما انهارت فرنسا ودخلت إيطاليا الحرب إلى جانب ألمانيا ، أدركت أمريكا فداحة الخطر الذى تستهدف له بريطانيا بوقوفها وحدها فى وجه الخطر الألمانى ؛ وصرح الرئيس روزفلت يومئذ بأن أمريكا ستمد خصوم القوة والعدوان بمواردها المادية ، وأخذت أمريكا فى مضاعفة جهودها لامداد بريطانيا بالسلاح والذخائر والمواد الحربية على اختلافها .
ووقفت بريطانيا وقفتها المشهورة فى وجه السلاح الجوى الألمانى فى شهرى أغسطس وسبتمبر الماضيين . وأثبتت بما أنزلته بالطائرات المغيرة من الخسائر الفادحة ، متانة سلاحها الجوى ، ومناعة أهباتها الدفاعية ؛ وانهارت بذلك مشاريع الغزو الألمانى لبريطانيا ، مؤقتا على الأقل ؛ فازدادت ثقة أمريكا وثقة العالم بقوة بريطانيا ومقدرتها الدفاعية ؛ وتقدمت أمريكا خطوة أخرى فى التفاهم مع بريطانيا على بعض خطط الدفاع المشتركة فى المياه الأمريكية ؛ ونزلت بريطانيا لأمريكا عن بعض القواعد الحربية الهامة فى بعض أملاكها الأمريكية فى مياه الأطلنطيق الغربية ؛ ونزلت أمريكا من جانبها لبريطانيا عن خمسين مدمرة كاملة العدة ، فقدمت بذلك اعظم عون للأسطول البريطانى على القيام بالمهام الخطيرة التى يضطلع بها .
وقع ذلك كله قبل انتخابات الرياسة الأمريكية ؛ وكان يخشى أن تتأثر هذه السياسة الحازمة فى تأييد بريطانيا بمنافسات الرياسة ؛ ولكن الرئيس رزفلت مالبث أن خرج من هذه المعركة ظافرا بالرياسة للمرة الثالثة ، فى أوائل نوفمبر الماضى ؛ فكان ذلك ظفرا للسياسة التى اختطها من مقاومة العدوان الفاشستى ، ومناصرة الديمقراطية ، وتوطيدا لها ، وكان ذلك خير رد على الميثاق الثلاثى الذى سعت ألمانيا وايطاليا إلى عقده مع اليابان ، قبل ذلك بأسابيع قلائل ، وفيه تزعم ألمانيا وايطاليا لنفسيهما
الحق فى وضع نظام جديد لأوربا ، وتعترفان لليابان بالحق فى وضع نظام جديد للشرق الأقصى ؛ وتتعهد اليابان نظير ذلك بالدخول فى الحرب إلى جانب دولتى المحور إذا دخلت فيها أمريكا إلى جانب انكلترا ؛ وكانت ألمانيا ترمى بذلك إلى إرهاب أمريكا وتثبيط همتها فى معاونة انكلترا ؛ فجاء انتخاب الرئيس روزفلت بالعكس دليلا على أن أمريكا لا يثنيها عن ذلك أى وعيد أو تهديد .
وقد كان لذلك بالطبع أثره الواضح فى ازدياد المعاونة الأمريكية لبريطانيا ، وتدفق السلاح والذخائر والمواد الحربية إليها ؛ وكان من جراء ذلك أن لجأت ألمانيا ، بعد التهديد المقنع ، إلى التهديد المباشر ، وصرح الناطقون بلسانها بأن مضى أمريكا فى معاونة انكلترا على هذا النحو بثير موقفا دقيقا ، وإن ألمانيا لا تستطيع أن تصبر على ذلك إلى ما لا نهاية ؛ وتلا ذلك أن هددت الصحف الألمانية ، وهى لا تنطق إلا بوحى حكومتها ، بأن الأوامر ستصدر بإغراق كل سفينة تأتى بالامداد الأمريكية عن طريق المياه الارلندية .
وقد رأينا رد الرئيس روزفلت فى رسالته على ذلك كله . فقد بسط بمنتهى الشجاعة والصراحة موقف الولايات المتحدة ، وأ كد عزمها الذى لا يتزعزع على مقاومة العدوان الألمانى إلى النهاية ، ومؤازرة بريطانيا العظمى بكل ماوسعت باعتبارها خط الدفاع الاول عن أمريكا ذاتها . هذا إلى أنه لا لوم ولا تثريب على أمريكا فى موقفها ، فهى لا تفعل فى معاونة بريطانيا بمواردها إلا كما تفعل روسيا والسويد وغيرهما فى إمداد ألمانيا ببعض المواد الحربية التى تستهلكها .
على أن أهم ما يلفت النظر فى هذه الرسالة التاريخية ، هو تصريح الرئيس روزفلت بأن الولايات المتحدة لا ترى
إزاء التهديد الفاشستى وجها لأن يشجع حديث الصلح ، وبأنه يعتقد بناء على أحدث المعلومات وأصحها أن دولتى المحور لن تنتصرا فى الحرب .
فأما عن حديث الصلح ، فقد أغلق الرئيس روزفلت بابا كانت دولتا المحور تحاولان أن تلجآ إليه كلما لا حت لهما بارقة أمل فى إنهاء الحرب لمصلحتهما قبل أن تبلغ بريطانيا مرتبة التفوق فى القوى ؛ وقد بذلت أمريكا قبل نشوب الحرب وبعد نشوبها جهودا عديدة لتسوية أسباب النزاع الذى دفع بأوربا إلى الهاوية ، وكانت انكلترا وفرنسا دائما على استعداد للدخول فى أية تسوية معقولة ؛ ولكن ألمانيا وإيطاليا وقفتا فى وجه كل محاولة سلمية ، وأبتا إلا أن تلجآ إلى حكم القوة . وربما أراد الرئيس روزفلت أن يشير فى تصريحه إلى بعض المحاولات التى بذلتها دولتا المحور أخيرا فى هذا السبيل عن طريق بعض الدوائر المحايدة ، مثل الفاتيكان وغيره ، ولم تلق سوى الإعراض من جانب بريطانيا .
وأما نبوءة الرئيس روزفلت عن مصير الحرب ، فهى بلا ريب تصريح ذو شأن ؛ ومن المحقق أن كثيرين يشاطرون الرئيس اعتقاده ؛ وفى تطورات الحرب منذ أغسطس الماضى ما يشجع على هذا الاعتقاد ؛ فقد وقفت موجة الظفر الألمانى فى فرنسا عند شواطئ المانش ، وفشلت مشاريع هتلر فى غزو انكلترا ! وانكشفت قوى الفاشستية فى ألبانيا ، وفى الصحراء الغربية ، وكسبت بريطانيا معركة الامبراطورية فى الشرق الأدنى ؛ واضطربت خطط المحور فى البلقان وأوربا من جراء هذا التطور الفجائى ، واعتبرت فرنسا من جانبها بهذا التطور فازدادت مقاومة للضغط الألمانى ، وازدادت إباء لمطالب هتلر وشريكه المنهزم . هذا من ناحية تطور الحوادث الظاهرة بيد أن هناك ناحية أخرى لها قيمتها ؛ فنحن نعرف أن أمريكا
ما زالت تحتفظ بممثليها فى ألمانيا والبلاد المحتلة ، وأن الرئيس روزفلت قد أوفد من جهة أخرى بعض الثقات من المندوبين الخبراء لتتبع جهود انكلترا الدفاعية فى البر والبحر والجو ؛ ولابد أن الرئيس روزفلت استأنس فى تكوين اعتقاده بتقارير هؤلاء الممثلين والخبراء ، عن أحوال الفريقين المتحاربين .
لقد وعد هتلر جنوده فى الرسالة التى وجهها إليهم بمناسبة العام الجديد بأنهم سيحرزون فى سنة ١٩٤١ نصرا يفوق نصرهم فى العام الماضى ؛ وهتلر يكرر لجيشه وللشعب الألمانى مثل هذا الوعد منذ أشهر ؛ وإذا كان ثمة فى هذا الوعد من جديد فهو أن هتلر يشكو من أن العالم كله متحالف عليه ، بيد أن الوعد شىء ، والتنفيذ شىء آخر . وقد كانت لدى هتلر فرصة للعمل منذ يوليه الماضى ؛ ولعله كان قد أعد كل شىء لمتابعة انتصاره الساحق على فرنسا ، بالهجوم على بريطانيا العظمى ؛ ولكن وقفة سلاح الطيران البريطانى فى شهرى أغسطس وسبتمبر فى وجه الحملات الجوية الألمانية ، وضعت حدا لسيره المظفر ، وغيرت سير الحوادث فى الغرب ؛ ومن ذلك الحين تتضاءل احتمالات الغزو الهتلرى لبريطانيا شيئا فشيئا ، وتزداد قوى بريطانيا الدفاعية ، وتبدو مناعة الجزيرة فى أروع صورها .
ولا يزال هتلر حيث وقف جيشه فى يونيه الماضى على أطلال فرنسا المنهزمة يتلمس السبل لتحطيم الصخرة البريطانية ، ولا يجد أمامه حتى اليوم من وسيلة لمهاجمتها سوى الغارات الجوية المخربة ، والقرصنة فى عرض البحار . ولكن تخريب المدن ، وقتل المدنيين ، وإغراق السفن التجارية لا تكسب حربا ، ولا تنهيها ؛ وما زال على هتلر أن يجد لنفسه طريق النصر الذى يحلم بتحقيقه ، وهو طريق تزداد وعورته يوما بعد يوم . (***)

