الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 122الرجوع إلى "الثقافة"

أمريكا وسط المحيطين

Share

أهاب فريق من كبار الكتاب فى أمريكا الأسبوع الماضى بحكومتهم ، يستحثونها على الاسراع فى بذل المعاونة الفعالة لبريطانيا وحلفائها . وبلغ من تحمسهم أن اتهموا الرئيس روزفلت بالبطء والتردد فى تنفيذ قانون الإعارة والتأجير . وهذه الظاهرة ترينا كيف سار الرأى العام الأمريكى شوطا بعيدا فى موقفه من هذه الحرب ، منذ بدايتها إلى اليوم . وبعد أن كان رئيسه يبذل كل جهد جبار لقيادته وإرشاده ، ويلقى من جراء ذلك عنتا شديدا وخصومة قوية ، بات الكثير من أفراد الشعب الأمريكى ضجرين أشد الضجر من أن الرئيس يمشى بتؤدة وبطء ، حين تجب الجرأة والاقدام والسرعة .

لقد كان الشعب الأمريكى فى أوائل هذه الحرب مخدرا بحب السلم والدعة . وباحساس غامض بالطمأنينة ،

البعيدة كل البعد عن أسباب القلق والفزع . وأبى الناس أن يروا أن هذا الاحساس إنما هو ناشئ عن حلم لذيذ ، وثقل عليهم أن يوقظهم من هذا الحلم العذب حادثة أو كارثة . ولماذا يتسرب إلى قلوبهم الفزع ، ومن حولهم محيطان عظيمان يفصل الأول بينهم وبين أوربا وما اشتملت عليه من ويلات وشرور ، والآخر - وهو المحيط الأعظم - كفيل بأن يدرأ عنهم خطر اليابان ، وما قد تضمره لهم من بغى وعدوان ؟ فلم يكن بد من أن يظل الشعب الأمريكى زمنا مستمتعا بهذا الحلم الجميل .

ولم يكن إيقاظ الشعب من هذا الحلم بالأمر السهل اليسير . ولكن ضجة الخطوب كانت من الشدة بحيث تخترق السمع الأصم ، وبريق الحقيقة كان باهرا بحيث لم يكن بد من أن يزول الحلم اللذيذ ، وأن يفتح الراقد عينيه ،

ليرى أن هذه الجنة التى ينعم فيها ، قد بنيت على أسس واهية ، وأن نار الجحيم ليست بعيدة عنه كل البعد .

أفاقت أمريكا إذا بفضل جهود طويلة عنيفة بذلها رؤساؤها وقادة الرأى فيها . واستنفدت هذه الجهود وقتا طويلا ، ما كان ينبغى أن تستنفده . والحوادث وحدها سترينا إذا كانت أمريكا قد استيقظت قبل الأوان أو بعد الأوان . ولكنها انتبهت على كل حال ، فرأت نفسها بعيدة كل البعد عن بواعث الطمائنينة، وأن هنالك أخطارا ثلاثة تهددها : أولها خطر باطنى من داخل البلاد الأمريكية نفسها ، والآخران من أطراف المحيطين .    ولقد يقال فى الدفاع عن بطء الرأى العام الأمريكى فى إدراك هذه الأخطار ، أنه  كان مشغولا باختيار الزعيم الذى يتولى قيادته فى هذا الوقت العصيب . ومن الصعب أن يطلب إلى الحوادث أن تمهل شعبا حتى يختار زعيمه ، وتستتب أموره .

لقد أعلنت دول المحور مرارا أنها لا تريد بأمريكا شرا ، وأن من الحمق أن يتوهم إنسان أن ألمانيا ترمى إلى غزو القارة الجديدة . وليس من شك فى أن كثيرا من الأمريكيين تمنوا صدق هذا الزعم ، وبذلوا جهدا عنيفا لكى يستطيعوا تصديقه ؛ ولكنهم اضطروا بعد لأى إلى التسليم بأن تلك الأخطار حقيقية لا وهمية ، وأن الشر حائق بهم لا محالة ، إذا لم يبذلوا أعظم الجهود لدرئة ودفعه . أما الخطر الأول ، وهو الكامن فى جوف القارة الأمريكية نفسها ، فمثله كمثل الداء الكامن الذى يحاول أن ينال من الجسم الذى احتواه وآواه . ويشبه هذا الخطر جرثومة الداء فى أنه يدخل الجسم وينتشر فيه بعض الانتشار دون أن يحس به الجسم أو ينتبه لوجوده .

وهذا التهديد لكيان القارة الأمريكية يعتمد على العدد الهائل من الألمان فى المكان الأول - والطليان فى المكان الثانى - الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة ، من جهة ، وإلى أمريكا اللاتينية من جهة أخرى .

كثير من هؤلاء المهاجرين قد نزحوا إلى القارة الجديدة منذ زمن بعيد ، قبل أن تتكون دولة إيطاليا وألمانيا . وفى أثناء الحرب الكبرى التى اشتركت فيها الولايات المتحدة ، كان الأمريكان الذين من أصل ألمانى مخلصين أشد الأخلاص فى ولأئهم لأمريكا ، ولم يحاولوا إثارة شغب أو اضطراب فيها . ولكن هنالك المهاجرون الجديدون ، الذين تدفقوا إلى القارة الأمريكية شماليها وجنوبيها ووسطها ، فى الأزمنة الحديثة ، وهؤلاء حديثو العهد بالوطن الذى نزحوا منه ، وليس ببدع أن يكونوا شديدى العطف عليه ، حريصين على منفعته وخدمته ؛ كذلك تدفق إلى أمريكا فى أثناء العهد النازى عدد كبر من (( اللاجئين )) . وقد سرت إشاعات قوية بأن حكومة ألمانيا استطاعت أن ترسل بين هؤلاء ((اللاجئين )) عددا من أكبر دعاة النازية ، وأشدهم إخلاصا لمبادئها ورعاية لمصالحها ، ورغبة فى تنفيذ أوامرها بالغة هذه الأوامر ما بلغت من الشدة والعنف .

تدفق هؤلاء اللاجئون والمهاجرون قديمهم وحديثهم لا إلى الولايات المتحدة وحدها - وهى دولة ذات حول وطول وسلطان ، وسكان يزيدون على المائة والثلاثين مليونا - بل نزحوا كذلك إلى الجمهوريات اللاتينية ؛ كبلاد المكسيك ، والبرازيل والأرجنتين وما إليها . وهم يؤلفون فى كل من هذه الجمهوريات جاليات قوية نشيطة . تعيش فى بلاد سكانها قليلون ، ونظامها السياسى ليس على جانب عظيم من القوة والاستقرار ، وحالتها الحربية لا تبعث إلى الأرتياح ؛ فليس لها أساطيل تستحق الذكر ، وجيوشها قليلة العدو ضعيفة العدة ، وحكوماتها ليست بعيدة عن أن يؤثر فيها بمختلف الطرق والمؤثرات .

ولقد أحست الولايات المتحدة منذ زمن طويل أن ضعف هذه الدول يجعلها طعمة للمعتدى ، وأن فى هذا خطرا على كيان الولايات المتحدة نفسها ؛ فاستنت لذلك مبدأ منرو تحذر به دول أوربا من أن تمد يدها بالعدوان

على قارة أمريكا ، وتعلن به أنها لن تسمح بأقل تغيير فى الحالة السياسية لتلك القارة .

واستطاعت أمريكا فعلا أن ترغم الدول الأوربية على احترام مبدأ منرو ، وسلمت القارة الأمريكية من الغزو والعدوان .

وقد سلكت ألمانيا الحديثة مسلكا جديدا نحو أمريكا ، لم تنتبه له ألمانيا القديمة . فأخذت فى تنظيم الجاليات الألمانية فى جميع الجمهوريات ، وانتدبت لإدارة فروعها وأقسامها رجالا مدربين على المبادئ النازية أحسن تدريب ، ولم تحجم حتى من استخدام رجال السلك السياسى والقنصلى  لهذا الغرض ، ولهذا زادت فى عددهم زيادة هائلة . وكان من الطبيعى أن يرحب كثير من الألمان بهذا التنظيم ، وأن ينضووا تحت لواء الجماعات النازية فى أمريكا عن رغبة ، وأن يدفعوا ما يطلب إليهم من مال عن رضى وارتياح ؛ وكانت هنالك وسائل كثيرة لإكراه المحجمين والمترددين .

هذه الفرق النازية تستطيع أن تقوم بأعمال عديدة متنوعة . وفى الولايات المتحدة نفسها قد يكون المجال أقل اتساعا منه فى أمريكا اللاتينية . ومع هذا فان أقوالا كثيرة قد قيلت حول نشاط هذه الجماعات فى حصولها على معلومات ثمينة ، وإرسالها عبر المحيط ، وفى إتلاف بعض المصانع وتدميرها . ولا تزال ذاكرتنا فى حوادث من هذا الطراز قريبة العهد جدا .

غير أن مطمح أنظار ألمانيا الحديثة هو أمريكا اللاتينية عامة ، والجنوبية خاصة . ففى هذه الجمهوريات جاليات ألمانية قوية العدد ، جمة النشاط ؛ وفى حسن تنظيمها وتنسيقها ما يجعل لها قوة أكبر بكثير من مجرد العدد ، وفى إقليم واحد من أمريكا الجنوبية ، وهو بلاد الأرجنتين وأورجواى والبرازيل الجنوبية ، بضعة ملايين من الألمان المهاجرين . وإذا جد الجد استطاعوا أن يقوموا بعمل حاسم فى هذه الأقاليم يزيد به نفوذ ألمانيا ، التى ترى فى

هذه الأقطار موارد ثروة عظيمة لا ينضب معينها .

والولايات المتحدة بمقتضى مبدأ مونرو ، مضطرة لأن تدفع كل خطر عن هذه الجمهوريات العديدة والمساحات الواسعة ، التى تفصلها عنها آلاف الأميال . وهى تدرك من غير شك أن عددا غير قليل من زعماء الجمهوريات اللاتينية بات متشبعا بالمبادئ النازية ، لأنها وحدها تضمن له الحكم والزعامة . ولهذا نرى الولايات المتحدة بادرت بتأليف جيش قوى فى أرضها ، لا لأنها ستضطر لأن تحارب فى أرض الولايات نفسها ، بل لأن الحاجة قد تلجئها لإرساله إلى تلك الجهات النائية التى يضطرها مبدأ منرو إلى الدفاع عنها .

أما الخطر الذى يأتى الولايات المتحدة من المحيط الأطلسى فإنه لا يصبح خطرا داهما إلا إذا انتهت المقاومة البريطانية ، وبسط النازيون نفوذهم على العالم القديم . هنالك تصبح جزر الأزور فى يد ألمانيا ، وتصبح أفريقية الغربية خاضعة لنفوذها ؛ وليس بين هذه وبين البرازيل سوى بضع ساعات تقطعها الطائرات الحديثة . فقد انقضى الزمن الذى كان فيه عبور المحيط الأطلسى بالطائرات أعجوبة من الأعاجيب ، وليس بين أفريقية الفرنسية وأمريكا الجنوبية سوى ألف وسبعمائة ميل ، وفى الطريق جزر تقرب هذه السافة إلى أقل من النصف . فاذا أضيف إلى هذا الاعتبار احتمال استخدام حاملات الطائرات ، اتضح لنا أن غزو أمريكا من الجو ليس بالشئ العسير .

وقد تنبهت الولايات المتحدة بعد لأى إلى أن جزيرة جرينلدة قد تتخذ قاعدة للغارات الجوية والبحرية عليها ، وهى بحكم موقعها أدنى إلى أن تكون من صميم القارة الأمريكية برغم تبعيتها لدانماركة . فبادرت بالاتفاق مع وزير دانماركة فى واشنطن على أن تحتل القوات الأمريكية  هذه الجزيرة .

على أن ألمانيا لو تم لها النصر التام فى العالم القديم ، لما كانت فى حاجة إلى غزو الولايات المتحدة . فان لجنة

البحرية فى مجلس الشيوخ الأمريكى رفعت فى شهر مايو سنة ١٩٤٠ تقريرا تقول فيه : (( إن جميع الشواهد التى بين أيدينا تدل على أن من الممكن التغلب على الولايات المتحدة من غير فتح ولا غزو ، وذلك بمحاصرتها محاصرة بحرية فى نقط تبعد بنحو ألف ميل عن السواحل الأمريكية فى مأمن من إغارة الطائرات .. ولن يكون هنالك صعوبة كبرى فى أن ينشئ العدو قواعد حربية - ولو بالقوة - فى نصف الكرة الغربى ، يستطيع أن يصيبنا منها بضرر كبير . وكذلك يتمكن العدو من الاستيلاء على ممتلكاتنا البعيدة ، ويستخدمها فى مضايقتنا والاغارة علينا . وبفقد هذه الممتلكات ، وضياع تجارتنا الخارجية ، وتعرض جهاتنا الساحلية للاغارات المستمرة ، تصبح هزيمتنا أمرا لا يمكن تجنبه ، خصوصا إذا ذكرنا أننا فى أثناء هذا كله نكون عاجزين تماما عن أن نلحق بالعدو ضررا أو نشتبك معه فى حرب صريحة )) .

إلى جانب هذا كله لا بد من الإشارة إلى الخطر الثالث ، المرتبط أشد الارتباط بالنشاط النازى ، وهو دولة اليابان التى تريد أن تهيمن على آسيا ، وأن تنفرده بالتصرف فى شئونها . وقد أثارت فى الصين حربا شعواء ظلت نارها تستعر خمس سنين ، وليس هنالك ما يدل على أن نهايتها قريبة . ولليابان أسطول قوى يجئ فى المرتبة الثالثة بعد أسطول بريطانيا والولايات المتحدة مباشرة . ولها ممتلكات وجزر عديدة فى المحيط الهادى . وقد اتسع نفوذها نحو الجنوب حتى شمل الهند الصينية وسيام ، برغم أن الأولى لا تزال اسميا تابعة لفرنسا ، والثانية (( مستقلة )) . وهكذا أدخلت اليابان فى نطاق نفوذها أفكارا قريبة كل القرب من الممتلكات الأمريكية والبريطانية فى المحيط الهادى وفى جزر الهند الشرقية . ولقد استطاعت اليابان أن تزيد مركزها منعة وقوة لا بالانضمام للمحور بميثاق خاص فحسب ، بل أيضا بمعاهدة (( عدم اعتداء )) عقدتها مع

روسيا ، فأصبحت فى مأمن من أن تناصبها دولة السوفيات العداء ، إذا هى حدثت نفسها بالخروج من حيادها والسير فى خطة عدوان جديدة .

فليس من الاسراف إذا فى شئ أن يقال إن الخطر محدق بأمريكا من كل جانب . وإن القوة الوحيدة التى تقيها هذا الخطر فى أوسع صوره هى المقاومة البريطانية . ولو زالت هذه المقاومة ، لكان مصير أمريكا معلقا بارادة دول المحور وحليفتهم الآسيوية .

وقد بات الشعب الأمريكى مدركا لهذه الحقيقة ، أو على الأقل قادة الرأى ورجال الحكم فيه . فقد أذاع وزير البحرية الأمريكية فى يوم الجمعة الماضى حديثا قال فيه : (( لم نعد الآن فى ذلك المركز الوضيع المشبع بالجبن الذى يسمح لنا بأن نطلب من الآخرين أن يبذلوا جميع التضحيات اللازمة لتحقيق النصر الذى ندرك أنه ضرورى لنا . . . إن أمريكا تطوق تدريجيا بقوات عسكرية تختلف مبادئها ونظمها عن المبادئ والنظم الأمريكية ... قوات أعلنت مرارا أنها عدو لنا . وقد اتحدت بميثاق لا يتردد واضعوه فى التصريح بأنه موجه إلينا . . . وآخر حلقة فى سلسلة تطويق أمريكا هو الميثاق الذى أبرم أخيرا بين السوفيات واليابان ، والذى شد أزر دعاة الحرب فى اليابان . وحينما ترى دول المحور أن وقت إعلان العداء قد حان بصورة تحقق مصالحها ، تبدأ أعمالها العدائية فى الحال ، دون أن نملك لها شيئا سوى أن نجثو مستسلمين مستكينين )) .

إن الأمور التى ذكرها الوزير لم تتغير اليوم كثيرا عما كانت عليه منذ عام وبعض عام ؛ ولكن الرأى العام الأمريكى قد تحول كثيرا ، بحيث بات من الممكن لبعض وزرائه أن يصارحه الحديث من غير أدنى موارية ، وأن يطلعه على الأخطار التى تهدده ، برغم وجود محيطين عظيمين يفصلان بينه وبين العالم القديم .

اشترك في نشرتنا البريدية