الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 285 الرجوع إلى "الرسالة"

أمر ؟!!، من زينب الحكيم إلى توفيق الحكيم

Share

هناك في حلوان على يسار الداخل إلى الجهة اليمنى ( الشرقية ) الحديقة ( اليابانية ) برى الزائر : جانبا من الحديقة منسقاً بفكرة خاصة ؛ حيث هيئت بركة مائية على شكل حدوة الحصان من قاعها ، وينتهى وسطها بزاوية حادة من أعلى حواشها

وأقيم كشك على شكل مغالة، على الأرض التي تتوسط البركة من الطرف المفتوح من الحدوة، وقد زين هامشها بالزهور وسياج السلك الشائك . ووضع تحت المظالة مقاعد خشبية ، جلست على مقصد منها ، بحيث أتمكن من رؤبة البركة كلها وما يحيط بها

نق هذا الجزء من أرض الحديقة ، على شكل مهل يرتفع - بالتدريج، إلى ريزة منحدرة خضراء ، شيدت على قمتها مظلة مثل التي أجلس تحتها . أما حوائي البركة فترتفع من الجهة اليمنى ، وتنخفض من الجهة اليسرى تبعاً لطبيعة ذلك الجزء من الأرض . وأقيم على حافتها من الجهة الشمالية الشرقية ، عدة تماثيل طوبية اللون ( أى أشبه بلون طوب البناء الأحمر الضارب إلى الصفرة )

والذى استرعى انتباهي هو اتحاد جميع النمائيل في الشكل والنوعية والفن. ولم يشذ منها إلا تمثال واحد ، تبينت أنه لسيدة، وهو أكبر حجما

أحصيت تمثال الرجل الواحد فوجدتها ثمانية وأربعين تمثالاً، صف ستة عشر منها على حافة البركة اليمنى، ثم يأتي تمثال السيدة، وبتيمه على الجهة ذاتها اثنا عشر تمثالاً يقع موضع آخر واحد منها في وسط هامش البركة . ثم يتبعه في اتجاه مقابل من الجهة ا سرى عشرون تمثالا

ما عسى أن يكون المعنى الذى يشير إليه هذا الوضع ؟ إنه يشبه مجلساً ملكياً ترأسه ملكة وهؤلاء مستشاروها . لكن الغريب في مؤلاء المستشارين أنهم جميعاً سواسية في الجلسة والهيئة والسحنة والرداء وكل شيء  ، حتى تلك الدائرة الصغيرة المبارزة الموضوعة على جباهها . وردوسها كلها تارية خالية من الشعر ، أما رأس الملكة فنقطيه جدائل سميكة من الشعر ، مصنفة بشكل يحيط الرأس ويغطى الجيرة حور تلك الدائرة الصغيرة للمبارزة في وسطها

عجيب هذا : - وما معناه - ؟ الكل يرتدى ثوباً منسدلا منجها عليه بنظام واحد كون شبه قلادة حول العنق تتدلى إلى الجزء الأعلى من البطن ، أما عند السيدة فتنحدر قليلا إلى أسفل . ووضعت البا ان متقابلتين على الحجر فوق الركبتين

والراحتان منقبضتين فى يسر ، والابهامان ملتصقين ، وشكلها كما لو كان الانسان يفكر في شيء مهم يشغل كل انتباهه وجميع حواسه . نالتماثيل كلها مسبلة الجفنين ، مطبقة الشفتين ، تومى قليلا إلى أسفل ، وتتجه جميع الوجوه إلى الأمام

عجيب هذا الأمر الذي جعل من تسع وأربعين شخصية مختلفة شخصية واحدة ، تأنما تنازلت عن ذواتها في سبيل هذا الأمر الواحد ، فظهرت كلها متحدة متشابهة : أو لعلها شخصية واحدة نحت لها ثمانية وأربعون تمثالا وراءها تمثال لسيدة لا يختلف عنها كثيراً :

وأنت أيتها السيدة ، منصرفة إلى تفكير عميق مثلهم لا تمتازين إلا بشيء آخر غير الشعر ، وهو أن يديك وإن كانتا تشبهان باقي الأيدى فى وضعها إلا أنهما شاذتان عنها في نوع القبضة وتقابل الابهامين ، حيث يدل منظرها على تمسك برأى أو بمبدأ. وكأنما تعرضين هذا الأمر على مجلسك فيقبله مستشاروك بروح سلام وإعمال فكر ، بدت آثاره على محياهم، وانصرف جميعهم إلى التفكير العميق فيه بلا انقطاع؛ ويلوح أن الكل مشبع بروح الود والاخلاص والتضحية، والرأى لم يبرز نتاجه بعد ، ولم يتم حكمه ترى ما هذا الأمر الذى لا يترك أثراً للتأفف على الوجوه ، ولا على السلوك ؟ :

ما هي ذى الشمس تشع ، ويسطع نورها على التماثيل للتسعة والأربعين فيعمل اختلاف مسقط الظل عمله، فتظهر التماثيل المتحدة، بأشكال وسمات مختلفة ؛ وبذلك تنسكس طبائع النفوس على حقيقتها وإن انسمت كلها بسمة واحدة ووضع واحد ونوعية واحدة في ظاهرها. إن من المنظور يحتم تضاؤل أو تعاظم ٥٨٥ التاثيل بالنسبة لارتفاع المواضع أو انخصاصها، وبالنسبة لبعدها أو قربها. وها هي ذي عين الانسان ، تتغير نظرتها وتتبدل ، بالنسبة لهذه التماثيل مرات في وقت قصير

الشمس تحجبها للسحب ، فيدير المنظر كله من نوع آخر ومعنى آخر . وإذا ماء البركة الذي كان يتماوج ويوحى الفلسفة ،

ويدعو إلى التفكير ويستلهم منه مجلس التماثيل الاستشارى الصامت إلهامه من لحظات مضت قد تسرب ، وظهر قاع البركة جانا ، إلا من بضع نقر بها أوشال من الماء هنا وهنا . ولكن التماثيل لا تزال هي هي، في وضعها وسماتها ، تولى إلى تلك البركة في رخائها وجدتها ، وارتفاعها وانخفاضها ، وظهرها وأسنها

وعقلية تلك التماثيل ومنطق وضعها الدال على فكرة خاصة و مقصد مهم ، لانزال جادة في تفكيرها وتدبير ها لذلك الأمر الواحد ترى ما هو ؟ !

الطبيعة الصامتة تكون بيئة فخمة لذلك المجلس الصامت العشب الزبرجدى يكسو الربوة العظيمة التي خلف المملكة وحاشيتها من الناحية اليمنى ، والشجيرات الأرجوانية الزهر، نامية رابية وراء الصف المقابل من التماثيل في الناحية اليسرى ، ويهتز مع النسيم ورق وغصون الأشجار المالية خلفها جميعاً، والشجيرات الخضراء التي بين كل تمثال وآخر ، تحمل قليلاً من الزهر الأبيض النتي، يضع أوسمة على صدور بعض التماثيل ، وتمسح غصون لطيفة خضراء على رءوس البعض الآخر أو تظللها

ويحجب بعض التماثيل كلها أو أجزاء منها عن ناظرى الأشجار المشذية المتناثرة هنا وهنا ؛ والطيور محلق وتفرد ، وتهبط وتصعد، والزوار يندون ويروحون منهم المفكر والملاهي، والمستشفى والمساعي ، ومنهم الطفل ومنهم الكمل

كلها مناظر وأوضاع تستدعى الانتباه واليقظة ، ولكن يخرجني من هذا كله صوت ذلك الناقوس البعيد ، فأنظر إلى السماء فاذا بها السماء بزرقتها وسحبها وطيورها ، وأنظر إلى الأرض ، فاذا بها الأرض بترابها وأحجارها ، ومانها ودوابها وأشجارها .

وأنظر إلى ما حولى ، فاذا بي أرى المجلس الصامت بين الطبيعة الصامتة ، والكل وراء أمر غامض .

ترى ما هو ؟! وأنظر أخيرا إلى ساعتي، فاذا بها الواحدة ، ورقت النداء في الفندق قد حان ، فأنصرف مسرعة الى الحياة العملية التي لا تصاب منها الاكسرة بها تقتات ، وخرقة بها محتمى . أما التفكير ، وأما الفلسفة ، وأما التصوير فالغير هذا العالم .

اشترك في نشرتنا البريدية