الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 350الرجوع إلى "الثقافة"

أمور الأمم المغلوبة، وكيف تعالج

Share

وقفت الحرب في جميع الميادين ، ووقف العالم في مستهل عهده الجديد يواجه المشكلات الى خلفتها هذه الحرب ، وأضحى مستقبله أمانة في عنق أولئك الذين بيدهم زمام الأمر . وإذا كانت الأمم قد دفعت ملايين الأرواح والأموال ثمنا لكسب الحرب . فلا اقل من ان تكون على استعداد لدفع ما يتطلبه السلم - وهو خير وأبقي - من بعض التضحية والنزول على ارادة سياسة حكيمة عادلة تصان بها حقوق الدول وتنعم في ظلها في بحبوحة من الأمن والسلام .

وأمور الأمم المغلوبة في أيدي الدول الغالبة ، فإن أخذتها بالحكمة والروية فقد نجحت في مهمتها ، وإن أساءت التقدير وجرت وراء المطامع فقد تجعل من عهد السلام الذي طلع علينا فجره القريب هدنة بين حربين ونحن مهما أضفينا على الحرب الماضية من صفات الوحشية والبربرية فلا يمكن ان تقاس بما ستتصف به الحرب القادمة بعد أن وصل العلم إلي إحدي معجزاته ، وهي تسخير الطاقة الذرية في خدمة بني الإنسان - إنها بلا منازع ستكون حرب دمار وفناء .

ليس شئ ادعي إلي التورط في الخطأ حين التصدي لمعالجة شئون الأمم المغلوبة من عدم فهمها على حقيقتها وعدم تقدير ما هي في مسيس الحاجة إليه . والرجال العسكريون اقصر الرجال نظرا واقلهم خبرة في هذه الناحية ، فهم أكفاء في تدبير أمور القتال دون غيرها ، لذا وجب أن تنتهي مهمتهم عند كسب الحرب ويترك امر السلم لمن هم أقدر منهم على معالجة شؤونه ، لرجال درسوا أمور السلم وعرفوا أن مبادئه الصحيحة هي ما يمكن ان

يقبلها ويرتضها كل محب لخير الإنسانية في اية بقعة من بقاع الأرض .

ينادي البعض : " ألق  بعدوك إلي الأرض ودسه ولا تعطه فرصة القيام ومعاودة الكرة " ، وينادون كذلك أن أدر على خصمك الكأس التى طالما ادارها على خصمه . وينادون كذلك : " انزل بعدوك العقاب جزاء وفاقا لما اقترفه من الأثم ، وليكن عقابا صارما حتى يكون عبرة لغيره .

جميع هذه الأقوال والأحكام جائزة . صحيح أن هناك مسؤولين عن إثارة الحرب وهم مجرمو الحرب ، وهؤلاء ، فقط هم الذين يصبح عقابهم عندما تقوم الأدلة على إدانتهم . أما بقية الطبقات فلن يأتي انزال العقاب بهم والانتقام منهم بشيء سوي إثارة حفيظتهم وبث روح التذمر والتمرد والميل إلي الثأر مما قد يدفعهم إلي الثورة والأنفجار . وكفي بالجيل الحاضر ما نزل به من بلاء ، وما يقاسيه من ويلات الجوع والمرض والتشرد وما يرزح تحته من آلام نفسية نتيجة لهزيمته واندحار وطنه ، وما موجات الانتحار التي تجتاح البلاد المغلوبة إلا دليل على مقدار تدهور الروح المعنوية فيها .

أما الجيل الناشئ فبأي جرم يمكن أن يؤخذ ، وهو لا يعرف من أمر الحرب شيئا ، ولم يساهم فيها بشيء . وكيف يعاقب علي جرم اقترفه غيره ؟

ويمكن القول إجمالا إن معاملة المغلوبين على هذا النحو  سيسيء إلي قضية السلام وسيؤدي إلي انقسام شعوب العالم إلى غالب ومغلوب ، وحاكم ومحكوم ، وسيد ومسود ، وسجين وحارس ، وهذا التباين والخلاف يوسع الهوة بينهما ، ويجعل امر السلام مستحيلا ؛ إذ لا يمكن أن تطمع في سلام ما دامت مثل هذه الروح تسود شعوب العالم . ويؤثر عن الرئيس روزفلت في هذا الصدد ما جاء في إحدي خطاباته إلى الشعب الامريكي : " إن الصراع الحالي قد علمنا ان حرية الفرد وضمان حقوقه في أي بلد

من بلاد العالم مرتبطة ارتباطا وثيقا بحربته وضمان حقوقه في أي بلد آخر . " فأسس السلام لا يمكن ان تستقر في دولة ما . إذا كانت هناك دول اخري لا تنعم بالسلام والاستقرار .

إن منطق الحرب ينادي أن اسلك لعدوك نفس الطريق الذي سلكه إليك ، وكن الأسبق . ومنطق السلم يقول : " عامل الغير بما تحب أن يعاملوك به . "

وعلى ذلك من أكبر الخطأ أن نصف الشعوب المغلوبة بأنها شعوب جبلت على الإجرام وحب الشر . فهذه الشعوب - كأي شعوب الأرض - تضم طبقات متباينة من الزراع والعمال والصناع وأصحاب المهن والموظفين ، وجلهم لا يملك سوى الطاعة والانقياد لأوامر حكامه ، وإن هذه الطبقات وإن كانت قد ارتضت واعتنقت بعض المذاهب الفلسفية المتطرفة فذلك لأنها كانت تري في هذه المذاهب وسيلة لتحقيق أهداف جديدة ملأ بها الحكام رؤوسهم من الأخذ بيد الإنسانية إلى عهد جديد رائده السلام والخير . ويمكن القول بأن النازية الألمانية قد نجحت في تعليم الشعب حب الإقدام والمخاطرة لأنها كانت تمنيه بحياة أكثر أمنا واستقرارا من الحياة التى كان يحياها قبل قيامها

وإننا إذا قلبنا صفحات التاريخ وجدنا أن الشعبين الإنجليزى والفرنسي كانا من اميل الشعوب للقتال ودليل ذلك تلك الحروب التى ظلت مشتملة بينهما عهودا طوالا ، ومع ذلك فقد لا يمكن الحكم عليهما الآن بأنهما من الشعوب الميالة للحرب . وإن اشد الانجليز نقمة على النزعة الحربية الألمانية التي اثارت هذه الحرب مقتنعون بأنه من الممكن محو هذه النزعة وتقبل نزعات سلمية جديدة . وبذهب في كتابه B.vansitart " السجل الأسود - ماضي الألمان وحاضرهم " إلي انه من الأمور الميسورة تبديل الروح الألمانية ، وانه إذا كانت بعض الدول قد نجحت في هذه التجربة ، فلماذا لا تنجح ألمانيا

واليابان وغيرها من الدول المغلوبة ؟ " .

وهنا نعود فنؤكد أن الغرض الرئيسي من اتفاقيات السلام هو تمهيد السبيل . لجميع الشعوب - حلفاء كانوا أم أعداء - لحياة تظلها الحرية والعدل والمساواة التي ينشدها الجميع والتي تعتبر أقوي أسس السلام . ونؤكد  أيضا أن الأمم الغالبة يجب أن تعرف أن الانفعالات التي تلون اعمال الكثيرين بعد الحرب مباشرة إن هي إلاظاهرة وقتية تزول بزوال مؤثراتها ، وانها لا يمكن اتباعها عند البت في تقرير أمور العالم الجديد .

من المسلم به ان تبعة التدمير الذي حل بالعالم تقع على عاتق الدول التي كانت سببا في إشعال نار الحرب . ومن الإنصاف أن تتحمل النفقات اللازمة للتعمير والإصلاح . ولكن يجب أن يلاحظ ان لا تكون هذه التعويضات باهظة إلى الحد الذي يثقل كاهل هذه الدول ويشل حركتها الاقتصادية ، فان ذلك يشجع قيام العناصر المناهضة التي تعمل على نشر الاضطرابات وإقامة العراقيل امام سبل الإصلاح

وقد تنبأ  J.H.Keynes في مؤلفه " النتائج الاقتصادية للسلم " ما سيؤول إليه امر التعويضات التي فرضت على المانيا بعد الحرب الماضية . فالدول الغالبة لم تكسب شيئا بل وخسرت الكثير

وقد حاولت هذه الدول إصلاح ما جرته هذه السياسة الخاطئة فأجلت قواتها عن منطقة الرهر ، وعقدت معاهدة لوكارنو وخفضت قيمة التعويضات ، ولكن كل هذا لم يأت بالنتيجة المرجوة ، لان الأسس التى قامت عليها سياسة التعويضات كانت خاطئة من مبدئها ، قوضت صرح كل المحاولات التي تبعتها . وكانت نتائج هذه السياسة حدوث الأزمة الاقتصادية في المانيا وقيام الحزب النازي واشتداد شوكته ، واصبحت كل تسوية مآلها الفشل ، وجاء دور تشمبرلين وسياسة تهدئة الخواطر ، وأخيرا انتهي الأمر إلى الحرب أما من ناحية المبادئ السياسية التي تطبق على

الدول المغلوبة فهي امر سيكون موضع تنافس عاجل بين  الدول المنتصرة ؛ فأمريكا وبريطانيا تنتصران للديمقراطية ، وروسيا في الجانب الآخر تؤيد المبادئ الشيوعية

وقد ظهرت بوادر هذا التنافس في البلاد الأوربية المحررة وفي الصين ؛ وسيشهد العالم هذا التنافس على اشده في المدة التي تعقب الحرب ، وستكشف لنا الأيام عن تطوراته المقبلة ونتائجه .

ويري الكاتب الأمريكي المعروف MC.juerأنه من الخير لقضية السلام أن لا يفرض اللون السياسي علي

الأمم المغلوبة فرضا ، إذ في هذا الفرض ما يدعو إلى انقسام العالم إلى مبادئ ، متعددة تدفع بمعتنقيها إلى حمايتها وتاييدها ، فتقوم في العالم معسكرات مختلفة المشارب والاتجاهات قد تؤدي إلي قيام خلاف بينها .

ويعتقد أن أسلم علاج لهذه المشكلة هو أن يسن للعالم نظام يكفل حقوق الأفراد والشعوب ويطبق على جميع الدول ، ويمنحون في ظله من الحرية ما يساعدهم على اختيار نوع الحكم الذي يرفضونه ، وبهذا يسلم العالم من شر الانقسامات .

اشترك في نشرتنا البريدية