كان طبيعيا أن يستعين أولو الأمر في الدولة الإسلامية برجال من غير العرب على تصريف شئون الدولة الهامة، لأن الإسلام تغلغل بين شعوب كثيرة غير عربية ، وهي بعد شعوب عريقة في الحضارة غنية برجالها وبكفايات أبنائها ، بينها كانت العرب حديثي عهد بنظم الحكم والإدارة التي مارستها تلك الشعوب فرونا طويلة . والإسلام مع ذلك دين سمح لا يفرق بين الأجناس ، إذ قضت تعاليمه على ما وفر في نفوس العرب من نعرة قبلية كاذبة وعصبية جاهلية ذميمة ؛ وتتمثل هذه التعاليم في قوله تعالى : " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " وفي قول رسول الكريم: " لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى". هذا إلي أن الرسول قد ضرب بنفسه أروع مثل في تطبيقه لهذه التعاليم حين قرب إليه سلمان الفارسي وبلالا الحبشى واستعان بهما على كثير من أمور المسلمين .
غير أن الاستعانة بالعناصر غير العربية كانت محفوفة بالخطر دائما ، فنحن نعرف كيف استفحل أمر البرامكة الفرس في العصر العباسي الأول حتى قضى الرشيد عليهم ، وكيف استشري خطر الترك في العصر العباسي الثاني حتى أصبح الخلفاء في أيديهم كالدمي يعينونهم ويعزلونهم ويسملون أعينهم ويقتلونهم كيفما شاءوا . وكان ذلك راجعا في الواقع إلى إيثار الخلفاء للراحة والدعة وتسليمهم مقاليد الأمور لوزرائهم الأجانب ، وكان هؤلاء في العادة أذكاء نشيطين محسنون استغلال الظروف فيزيدون من ثرواتهم ويجعون حولهم الأعوان ويشددون قبضتهم على زمام السلطة شيئا فشيئا ، ويصحو الخليفة الغافل آخر الأمر فيجد نفسه مسلوب السلطان ضعيف النفوذ قليل الأعوان ؛ وتدخل الدولة بذلك في عهد جديد قوامه حكم دكتاتوري مطلق يتمتع به القواد والوزراء ، وتنازع دموي لا ينقطع للوصول إلي ذلك الحكم . مما يؤدي بالدولة سريعا إلي التفكك والانهيار .
ولكن لا يسعنا مع هذا إلا أن نعترف أن كثيرا من الوزراء الأجانب في الدول العربية كانوا أقوياء الشخصية ممتازي الكفاية مخلصين في القيام بما عهد إليهم من جسيم المهام ، وكانت مناصب هؤلاء ، الوزراء الكبار تورث كما تورث العروش ، غير أنه كان يخلفهم في العادة خلف ضعاف مستهترون يضيعون ثمار جهود آبائهم ويعجزون عن الاحتفاظ بمكانتهم ، ويفوضون ما شيدوا لذويهم من صروح المجد .
وبدر الجمالي - موضوع هذا المقال - كان من أولئك الوزراء الذين خلدوا ذكرهم في التاريخ ، فهو أرميني وزير لخليفة عربي ، هو المستنصر بالله الفاطمي فأدى مهمته خير اداء . ولكن سير الحوادث اقتضى أن يكون مقدمه إلى مصر حدا فاصلا بين عهدين : عهد قوة الدولة وتمركز السلطة حول شخص الخليفة الفاطمي وعهد ضعف الدولة وتمركز السلطة حول شخص الوزير ، مما حدا بالمؤرخين إلى أن يقسموا فترة الحكم الفاطمي في مصر إلى عصرين : أول وثان وهذا الأخير هو ما أطلق عليه " عصر الوزراء العظام"..
وبدر الجمالي هو أبو النجم بدر بن عبد الله الأرميني الأصل ؛ اشتراه في بلاد الشام وهو غلام الأمير جمال الدولة ابن عمار ، فتربى عنده ونشأ في كنفه ، ولذا سي بالجمالي نسبة إليه ؛ وبصفه ابن منجب الصيرفي في كتابه " الإشارة إلى من نال الوزارة " فيقول : " كان عزوف النفس، شديد البطش على الهمة ، عظيم الهيبة مخوف السطوة" وقد ساعدته هذه الصفات على الأنخراط في سلك وظائف الدولة وعلى أن يرقي في هذه الوظائف حتى ولي إمارة دمشق للخليفة المستنصر الفاطمي سنة ٤٥٥ هـ ، ولكن شدته أثارت ضده الجند والأهالي جميعا ، فاضطر إلى الخروج من المدينة في العام التالي لولايته عليها ؛ ولكنه لم يلبث أن عاد واليا عليها وعلى الشام كله عام ٤٥٨ هـ . وما لبثت دمشق
أن تارث عليه مرة ثانية بعد أربعة أعوام فانسحب إلى عكا ، وكان على رأس الثوار في هذه المرة عدو بدر العتيد الشريف أبو طاهر حيدرة بن الحسن الحسيني الذي كان عالما محدثا عظيم المكانة بين الناس ؛ وكانت هذه الثورة الثانية أعنف من سابقتها وأشد ضراما ، فتخرب من جرائها قصر الإمارة والجامع الأموي ونهبت خزائن بدر نفسه ، فاضطر إلي الخروج من دمشق بعد إذ أفلت زمامها من يده ؛ ولكن ذلك الأرميني الصعب الراس لم يلبث أن عاد إلى دمشق في العام التالي وانتقم من غريمه حيدرة انتقاما بالغ القسوة ، فقتله ثم سلخ جلده ، وقيل إنه سلخه حيا (١) . وهذا عمل لا يستطيع التاريخ أن يغتفره لبدر بسهولة.
أتفق بدر بعد ذلك الأعوام القليلة التي سبقت استدعاء المنتصر له إلى مصر عام ٤٦٦ ه في حروب مع بعض امراء الترك الذين كانوا لا يتفكون يغيرون على أملاك الدولة الفاطمية في الشام محاولين أن يقتطعوا أطرافها ليضموها إلي دويلاتهم التي كانت خاضعة اسميا لسلطان الخليفة العباسي؛ وفي تلك الأثناء أفلح بدر في أن يكون لنفسه حرسا كبيرا من بني جلدته الارمن وكذلك جيشا خاصا يدين له جنوده بالطاعة العمياء
ويحسن بنا قبل الحديث عن بدر في مصر أن تتحدث عن حالتها قبل مقدمه إليها ؛ كان على رأس الدولة الفاطمية في ذلك الوقت المستنصر بالله خامس الخلفاء الفاطميين في مصر وأطولهم عهدا ، فقد خلف أخاه الظاهر وهو في السابعة من عمره عام ٤٢٧ ه . وظل متربعا على عرش الخلافة حتى توفي عام ٤٨٧ ه . وهو في السابعة والستين . ويمكن ان نقسم هذه الأعوام الستين التي اعتلي فيها المستنصر العرش إلى فترات ثلاث :
١ - فترة الرخاء المستنصري (من ٢٧ ؛ إلى ٤٤١ هـ) : وفيها فاقت القاهرة غيرها من مدن العالم الإسلامي في الفخامة والعمران ، وتمتعت البلاد بالهدوء الشامل والأمن المستتب . وقد وصف الرحالة الفارسي ناصر خسرو الذي زار مصر ما بين سنتي ٤٣٩ و ٤٤١ حالة البلاد في ذلك الوقت فقال : إن الخليفة كان محبوبا من الشعب ، وإن
أحدا لم يكن يخشىي سلبا أو تعديا في ظل حكومته ، وإن تجار الجواهر والصيارفة لم يكونوا يحفلون بإغلاق حوانيتهم إذ لا يخشون عليها من اللصوص . وقد كان لهذا اثره العميق في نفس الرحالة الفارسي الذي أرجع الفضل فيما رآء من رخاء وأمن إلى سياسة الفاطميين وبالتالي إلى مذهبهم فترك مذهبه السني واعتنق المذهب الإسماعيلي الشيعي، وعندما عاد إلي وطنه أصبح من أخلص دعاة الإسماعيلية حتى اضطهده السلاجقة السنيون.
٢ - فترة الحكم البازوري (من ٤٤٢ إلى ٤٥٠ هـ ) : لم تلبث مصر بعد زيارة ناصر خسرو لها بقليل أن حلت بها أيام سيئة ، إذ استقلت بلاد المغرب عن الدولة الفاطمية ، وتلقتها بلاد اليمن . وهددت المجاعة مصر وكاد يعصف بها تنازع العناصر المتألبة المتعادية ، لولا أن فيض الله للبلاد رجلا استطاع أن يجنب البلاد ويلات المجاعة وما يتبعها من الأوبئة والفوضى والجرائم ، ذلك هو أبو محمد الحسن البازوري الذي كان مديرا لخاصة والدة الخليفة ، إذ عهد إليه المستنصر بالوزارة عام ٤٤٢ هـ . فيض البازوري على زمام السلطة تسع سنوات استولى فيها على مخازن الغلال ، وأمكنه بحكمته وحسن تصريفه للأمور أن يبعد الخطر عن مصر خلال هذه المدة ؛ ولكن المستنصر قبض عليه عام ٤٥٠ هـ بتهمة مراسته لطغر ليك السلجوفي ودعوته إباء لغزو مصر ، وأبعده إلي نفسي مع زوجته وأولاده حيث قتل . وليس هناك ما يثبت صحة هذه التهمة . ولعل الأمر لم يعد وشابة من وشابات القصور ، وما كان أكثرها في تلك الأيام .
٣ - فترة الفوضى والتدهور (٤٥٠ إلى ٤٦٥ هـ) بدأ الفساد والاضطراب يدبان في مصر بعد مقتل البازوري ، فتعاقب على كرسي الوزارة في تسع سنوات أربعون وزيرا ، وكانت السلطة العملية بيد الجنود التركية الذين طردوا الجنود السودانية أنصار أم الخليفة إلى الصعيد . وهناك قام هؤلاء بكثير من أعمال العنف والفوضي ، كما اكتسح بعضهم الدلتا حتى وصلوا إلى الإسكندرية فاستقروا بها .
ومما زاد الطين بلة انخفاض مياه النيل سبع سنوات متتاليات (من عام ٤٥٧ إلى عام ٤٦٤ هـ) فاجدبت الأرض
وعزت الأفوات حتى أكل الناس القطط والكلاب والجيف ، بل بلغ بهم سوء الحال أن أكل بعضهم بعضا . ويطيل المؤرخون في وصف الحالة الأليمة التي عانتها مصر في تلك السنوات العجاف التي أطلقوا عليها اسم " الشدة العظمى " انتهز الأتراك هذه الفرصة وعائوا في البلاد فسادا ، فاتلفوا قصور الخلفاء الجميلة ، ونهبوا المجموعات الفنية التي لا تقوم كما أغاروا علي المكتبات النفيسة وبددوا ثرواتها العلمية التي أنفق الخلفاء الفاطميون في جمعها الكثير من الجهد والمال . وكان طبيعيا أن يحل الطاعون بعد ذلك بالبلاد ، فأخذ يحصد الأرواح حصدا ، ولم ينج من من منجله الرهيب دار
ومس الضر الخليفة نفسه ، فباع أثاث قصوره وتحفه الغالية وملابسه الثمينة وحليه التي لا تقدر بمال ، ثم أصبح مدينا بحياته لبنت أحد الفقهاء إذ كانت تجري عليه رغيفين في كل يوم . أما نساء القصر فقد هربن من الوباء إلى بغداد ، عاصمة الخلافة العباسية السنية ..
ازداد نفوذ ناصر الدولة بن حمدان زعيم الجند الأتراك حتى اضطر الخليفة إلى أن يسلمه إدارة شئون البلاد ، فلم يزده ذلك إلا طغيانا ، وبدأ بأن حذف اسم الخليفة من خطبة المساجد في الوجه البحري ، وهدد بوضع مصر تحت سيادة بغداد ، بعد أن كان البساسيري أحد قواد العباسبين قد هدد بغداد نفسها بوضعها تحت سيادة القاهرة عام ٤٥٠ هـ . فما أعجب دورة القدر .
انتهت أيام الشدة العظمي ففاض النيل وغلت الأرض غلة وفيرة عام ٤٦٥ هـ . فتنفست البلاد الصعداء وبدأت تفيق من ذلك الكابوس المخيف . انتهز المستنصر الفرصة ليتخلص من ابن حمدان بعد أن ضاق به ذرعا ، فأوعز بقتله إلى قائد تركي آخر هو الدكز ، ونجح هذا في مهمته فقتل ابن حمدان وبعث برأسه إلى الخليفة (١). ولكن لم تلبث الفوضى أن عمت البلاد مرة ثانية من جراء مفاسد الجند الأتراك وعلى رأسهم الدكز نفسه . وكذلك بسبب سوء إدارة الوزير ابن ابي كدينة ، فلم يجد الخليفة المسكين بدا من الاستعانة بذلك الرجل الحازم القدير بدر الجمالي فأسرع عام ٤٦٦ هـ باستدعائه من الشام .
(للبحث بقية)

