الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 198 الرجوع إلى "الثقافة"

أمير الكهربا، " فراداي Faraday

Share

وجه فلاستون إلي فراداي سؤالا يستوضحه فيه عن المباحث التي كان ينفق عليها أوقاته وجهوده . فقال له فراداي : " صبرا يا سيدي فقد تجني منه الحكومة أموالا طائلة . وقد صدقت تنبؤات فراداي ، فإذا بحوثه في الكهرباء ) وابتكاراته فيها هي الأساس الذي شيد عليه اكثر الصناعات الحديثة . وقد أحصى ما حبيته امريكا من الصناعات القائمة على ) اكتشاقات فراداي ( فإذا هو الوف الملايين من الجنيهات .

هناك مئات من الصناعات والعامل قائمة على مباحث (فراداي ) في الكهريا ، وفي هذه يشتغل ملايين العمال ، ولولاها لما وجدت الثروات الضخمة ، ولما كان الرخاء على ما هو عليه ، فلقد اسفرت نظرياته وأراؤه عن اعمال تبلغ أموالها ملايين لا تحصي .

ظهر ( فراداي ) في أواخر القرن الثامن عشر للميلاد في إنكلترا ، وكان أبوه حداداً . وقد عاني في أول حياته ضنكا شديدا سيما بعد أن اصيب والده بداء أقصده عن العمل . أما تعليمه فكان عادياً تلقى مبادئ القراءة والكتابة والحساب ، وكان كما يقول عن نفسه يقضي الوقت خارج

المدرسة لاهيا في البيت أو في الشارع ، ولم يظهر منه أثناء هذه المدة ما يدل على نبوغ  أو مقدرة عقلية فائقة وفي الثالث عشرة من عمره استخدمه بائع كتب وعلمه تجليد الكتب ، وصادق أن وقع بين يديه كتاب

(وط - watt)  في ترقية العقل فقرأه وهو يجهله  ، ثم اطلع على كتاب ( أحاديث عن الكيمياء ) لمستر مارست ، كما قرأ أيضا أثناء التجليد الفصل المتعلق بالكهربا في دائرة

المعارف البريطانية ، فأكثر فيه رغبة الاستزادة والبحث في حقائق الكهربا .

هذه الرغبة دفعته إلي شراء بعض الآلات البسيطة ليجرب بها بعض التجارب في بيت أبيه . وهنا أدرك بأنه في حاجة إلي التعليم .

كيف السبيل إلي ذلك ؟

حضر بعض الحاضرات التي كان يلقيها المستر ) ناائم في داره حول الفلسفة الطبيعية ، وبمساعدة بعض اصدقائه سمع له بسماع محاضرات السير همفرمي دابقي في المعهد الملكي وقد دون ) فراداي ( هذه المحاضرات وزيتها بالرسوم التي تفسر معانيها ، ثم ارسلها مع كتاب إلي السير ) دابقي ( بطلب منه أن يساعده في طلب العلم وخدمته

رأي فيه السير  دايتي ( ذكاء وقابلية يمكن الاستفادة سيما فأخذ بيده ومهد له اسباب التقدم وصادف ان خلا منصب  معاون في المعهد الملكي ، فاستدعاء وعرض عليه المنصب فقبله . وكان عمله ينحصر في بادي الامر في

مساعدة  المحاضرين في إعداد  معدات التجارب العلمية المختلفة لقاء أجر زهيد جدا . وهنا بدأت مواهبه تبرز ، ومداركه تتفتح ، وعمل ) دايقي ( على تموها ، فإذا هو يشغل سكرتير للسير) دايثي ( وإذا هو عضو في الجمعية الفلسفية بلندن يحاضر فيها نتائج تجارية ونحوه .

كان لهذه المحاضرات وقع كبير عند علماء الانكليز ،   لفت أنظارهم وأعلت من مقامه عندهم ، فانتخبوه عضوا في الجمعية الملكية

ذاعت شهرته العلمية بعد انتخابه هذا فانتخبته جمعيات البلدان الأخرى العلمية عضو شرف ومنحته أوسمتها، ولهالت عليه أقلب الشرف من مختلف الجامعات والحكومات ، وكافأنه الحكومة البريطانية علي خدماته الجلي للعلم ، بأن أقطعته معاشا دائميا ساعده علي متابعة تجاربه ومواصلة بحوئه ودراساته إلي ان وافته منبته سنة ١٨٦٧

طلب أحدي محرري المجلات  من (فراداي ) أن يكتب مقالا عن نشوء المغناطيسية والكهربا ، فأخذ يحضر مقاله . وراي ان يعيد التجارب التي سبق له أن أجراها ليتحقق من صحة نظرياته واستنتاجاتة ، وقد أوحت إليه تجاربه هذه أن ينشكر وسيلة يستطيع بها جعل القطب المغناطيسي يدور حول السلك اثار فيه التيار ، وإخري يستطيع بها جعل السلك يدور حول القطب المغناطيس

ليس من شأننا أن نبحث في طريقته التي جعلت القطب مدور حول السلك او السلك يدور حول القطب ولكن يمكن القول أنه نجح في تجاربه نجاحا لم يسبق إليه ، نجاحا نتج عنه فتح جديد لبحوث خطيرة في المغناطيسية الكهربية ، على ضوئها قام العلماء فيما بعد في إجراء تجارب اخري ادت إلي الوقوف على ما هو ألجب من السحر

قد يبدو لبعض الناس أن تجارب (فراداي ) ليست من الأهمية بمكان ، وأنها أمور بسيطة لا تستحق عناية الباحثين ولا اهتمام العلماء

ولكن كيف تكون تجاربه بسيطة لا يؤبه لها ، وعلى أساسها بنيت كل الصناعات الكهربية ، وكانت الدعائم  التي قامت عليها تطبيقات كهربية هامة ؟

لم يقف ( فراداي ) عند هذا الحد لقد دفعه حب العلم ودفعته الرغبة في الاسترادة إلي مواصلة البحث في مسائل فتح منها تقدم الكهربا وارتقاؤها

وضع أمامه هذا السؤال

لقد أحدثت بوساطة التيار مجالا مغناطيسيا . فلماذا لا أحدث تيارا من المغناطيس ؟

لجأ إلي المختبر ، وأجري تجاربه ليجد حلا لهذا السؤال ، ويعد لأي خرج بنتائج بإهرة ، إذ أحدث تيارا بتأثير المغناطيس ، وبين أن التيار التأثيري يحدث في سلك أو موصل إذا تحرك بالقرب من المغناطيس ، كما أوضح أن القوة الدافعة التأثيرية - وهي التي تنشأ عنها التيارات

التأثيرية - تحدث كلما قطع الموصل خطوطا من خطوط المغناطيسيه ، وكما تغيرت القوة التي تخترق دائرة هذا الموصل . فوضع ذلك القانون العام الذي تحدث بمقتضاه التيارات التأثيرية

على اساس هذه البحوث والتجارب قامت تجارب اخري ادت إلي كشوف تقدمت بعلم الطبيعة خطوات واسعة ، تنتج  عنها المحركات والمولدات وما يتفرع عنها من المستنبطات الحديثة كالتلفون ، والتلغراف ، واللاسلكي ،

والنور الكهربي ، وألوف من الآلات الصغيرة والكبيرة التى ذلت استخدام الكهربا في شؤون الحياة . وقد صدق احد العلماء حين قال : لولا قوانين التيارات الكهربية التأثيرية التي وضعها(  فراداي ) لبقيت أفعال الكهربا سرا غامضا . فهو بذلك قد جلا كثيرا من غموضها وسهل استخدامها لما يعود علي الإنسان بالفائدة والتقدم .

نشر ( فراداي ) في سنة ١٨٣٣ بحوثا جليلة في التحليل الكهرئي Electrolysis  تدور حول علاقة التيار الكهربي المنار في الدائرة الكهربية بمقدار ما يتحلل من المادة اثناء مروره فيها ، ووضع بذلك قوانين التحليل المعروفة ( بقوانين فراداي في التحليل)  ، ولا يخفي انه على أساس هذه القوانين بنيت صناعة التلبيس الكهربي والآراء الكيماوية الجديدة في بناء المادة الكهربية

وإليه ينسب وضع أكثر الاصطلاحات المستعملة في التحليل ، كالآنود Anode والكاثود Cathode والايون  ion والالكتروليت Electrolyte وصنع أول آلة دقيقه  القياس الطاقة الكهربية ، وبحث في الكهربا المستمدة

من الأعمدة القولتية  Voltaic Cells وقال إن التيار الذي يأتي منها هو نتيجة لتفاعله الكيماوي ، وعزز هذه الأقوال بتجارب عدة . وله بحوث في موضوعات اخري استدل منها علي ان التأثيرات الكهربية متشابهة وتحقيقتها واحدة مهما تنوعت مصادرها وتعددت .

لقد أجري (فراداي ) بحوثه هذه وتجارية التي أتينا علي نتائجها بإيجاز خلال عشر سنوات . وهي في نظر العلماء تمثل دورا من أدوار الكشوف التي ينذر أن يوفق إلي مثلها شخص واحد . وقد اعقبتها فترة سكون دامت اربع سنين . وفي سنة ١٨٤٥ دخل ميدان العلم العملي ثانية وأضاف مأثر جديدة لا تقل خطورة وأهمية عن مأثره السابقة التي تعد من أمجد الأعمال العلمية الخالدة .

تعرض لموضوعات عويصة في علاقة النور بالكهربا وطبيعة النور المستقطب ومغناطيسية المواد ، وقال بأنه لابد أن يجيء يوم يثبت فيه أن هناك صلة بين الضوء والأهتزازات الكهربية المغناطيسية في الاثير . وجاء بعده (كلارك مكسويل ) ويعد درس وتحليل خرج بمعادلات

رياضية اثبت منها ان في الفضاء اضطرابات كهربية مغناطيسية تتصف بصفات الضوء ، أي أن الاضطرابات الناشئة من شرارة كهربية تبدو في مظهر امواج في الاثير لا تراها ، ولكنها كالأمواج التي تحدث الضوء والحرارة وتسير جميعها بسرعة الضوء وقدرها ( ١٨٦٠٠٠ ) ميل في الثانية........

لا يخفى أن الرياضيات من امضي الأسلحة التي يستعملها العلماء ليتمكنوا بها من الوقوف علي دقائق العلوم وتطبيقها ، فلولا المعادلات والارقام لما كانت مولدات ولا محركات ولا تقدم في الصناعات أو الآلات ؛ فمن العلماء

فريق اتخذ العلوم الرياضية قاعدة لمذهب علمي، ثم يحقق هذا المذهب بالتجربة والامتحان والاستقراء ، ومنهم فريق يبدأ بالتجارب من غير أن يقصد بتحقيق رأي خاص ، ويخرج منها بنتائج بيوتها ويستخرج منها أحكاما عامة

لم يكن ( فراداي ) من هؤلاء ولا من أولئك ، ولكنه كان " ذا نظر نافذ إلي طبيعة الأشياء ، حتى كان ريشة سحرية كانت تخط على صفحات عقله الآراء المبتكرة ، فيمتحنها في مختبره ببراعة نادرة المثيل ، وفي الغالب كانت تحاربه تثبت

صخبا . فكشف مكتشفات خطيرة في نواميس الكهربا والمغناطيسية جعلته في المقام الأول بين علماء الطبيعة ، جديرا بلقب أمير علماء الكهربا

ولم تقتصر بحوثه وتجاربه علي الكهربا فحسب ، بل إنه جال في ميدان الكيمياء ، وقد نشر أول مقال له في مجلة العهد الملكي حول( تحليل الكلس الكاوي ) ، وقرأ أمام الجمعية الملكية رسالات علمية تبحث في مركبات جديدة من الكلور والكربون ، ومركب آخر من اليورون

والكربون والهيدروجين ، كان لها وقع عظيم عند العلماء وأجري بعض التجارب مع ( ستودارت ) في بعض امزجة الصلب لتقسيمته وحفظه من الصدأ ، واستنبط بمعاونة دايقي مصباح دايفي الذي يستعمله أصحاب المعادن في المناجم واجري تجارب عدة في تسيييل الغازات ، وكشف البنزين

باستقطاره من قطرات الفحم الحجري ، ولا يزال مقدار البنزين الذي استقطره محفوظا في المتحف البريطاني ولا يخفي ما لهذا الاكتشاف من أثر في كثير من الصناعات الحديثة .

أظن أني لست بحاجة إلي القول إنه من الصعب الإلمام بمأثره في الكيمياء والكهربا في مقال او مقالين ، ولكن يمكن القول إن (فراداي ) من اعظم العلماء العمليين ، ومن الذين تركوا مأثر خالدة لا يزال العالم ينعم بها وبما فتح عنها من تطبيقات هي أساس التقدم العظيم الذي أصاب الصناعة الحديثة

وعلي ذلك فهو من أكبر أمراء العلم الذين وضعوا الأركان والأسس التي تقوم عليها غرائب الكهربا ومقومات العمران الحديثة

(نابلس)

اشترك في نشرتنا البريدية