الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 379الرجوع إلى "الثقافة"

أنانية

Share

كنا قد تواعدنا على أن نقضي يوما من أيام راحتنا في جهة من جهات الريف أنا وزميلان من زملائي . ورغبنا في أن نتقاسم أعباء طعامنا وشرابنا فيما بيننا . ولكني قبل أن أسترسل في سرد ما جرى أري أن أقدم هؤلاء الثلاثة ليعرفهم القارئ قبل أن أحدثه عنهم.

فأحد هؤلاء الثلاثة هو أنا بطبيعة الحال وكما هو ظاهر . وإنما قدمت نفسى على زملائى لأني سأنسبهم إلى فأقول مثلا إن الثاني كان صاحبا من أصحابي المقربين الذين أطمئن إليهم وآنس إلى عشرتهم . أما الثالث فإنه كان صاحب صاحبى ولم تسكن تربطنى به صلة وثيقة . ولكني جالسته مرة أو مرتين فوجدته شابا من النوع الرياضي الذي يعرفه الناس باسم (سيور ) . وكان خفيف الظل لطيف المحضر فيه شئ من الخفة المستحبة . سهل الأخلاق ،

في طبعه مروية وكياسة . فهو يكاد يقبل من إخوانه كل شئ ، ويكاد لا يعترض من تصرفاتهم معه على شيء ، فحببه هذا إلى نفسي . وليس شئ في الواقع أقرب إلي القلوب من السهولة والبساطة

قلت إننا رغبنا في حمل زاد ذلك اليوم . فعرض صاحبي أن يتولى عنا الشحم واللحم . وتقدمت أنا لأتعهد بتوريد الفاكهة والحلوي . وبقي الخبز والقهوة والماء ، فجعلناها من نصيب ثالثنا - صاحب صاحبى - وبعد أن تفاهمنا على ذلك وتواعدنا على أن نلتقي في الصباح الباكر لندرك القطار الأول انصرف كل منا إلى سبيله ، ولم أشأ أن أعود إلى داري قبل أن أقوم شخصيا بتدبير ما تعهدت به ، فجعلت أطوف على الفاكهيين أحمل من هذا موزا مغربيا ، ومن ذلك بلحا عراقيا ، ومن ذلك برتقالا فلسطينيا ، أريد أن أفاجيء زملائي بما لم يكونوا يتوقعونه . واليسير في هذه الشئون كما لا يخفى واسع كثير . فما بالك بفاكهة كثيرة

لا مقطوعة ولا ممنوعة كالتي اشتريتها ... وأصبح الصباح وبكرت إلي المحطة ، فوجدت صاحبي وقد أتخم جعبة احتقبها فبدت تحت إبطه عظيمة حافلة توحي إلي الناظر إليها أنها جمعت فأوعت . وتساءلنا عن زميلنا ما أخره وقد اقترب موعد القطار ، وخشينا أن يكون قد اعترضه ما خوفه . وأزفت الساعة وبدأ المسافرون يجرون ليدركوا القطار بعد أن كانوا يخبون ويهرولون . وأطلقت القاطرة من صفارتها ما يؤذن بقرب قيامها فقلنا ندخل ويدركنا صاحبنا ونحن في القطار إن كان لنا نصيب في صحبته . وفعلنا ، وما كدنا نقع على مكان نجلس فيه حتى تحرك القطار . ونظرنا فإذا زميلنا الثالث يدخل علينا وفي بدء خيزرانة رفيعة ذات عقل كحيلة جميلة ، وفي طرقها جلدة عريضة يضرب بها فوق كفه الآخري وهو يقول : سلام عليكم ! .

ففرحنا بمقدمه وحمدنا الله على أنه لم يفته القطار وتطلعت انا انظر إلى ما وراءه لعلى أري الخادم الذي جاء يحمل متاعه . فلم أجد احدا ، وفطن هو إلى ما أريد فقال : - كلا . ليس معي أحد . ولقد قدرت أن فيما تحملانه الكفاية . ولم اشأ أن أريد الطين بلة بمائي وقهوتي ، على ان هذا الماء ميسر بإذن الله في كل مكان . والقهوة سنجدها إن شاء الله في كل مقهي والخير ما أظننا في حاجة إليه . .

فنظر كل منا إلى صاحبه نظرة استفسار عن حقيقة ما يرى وما يسمع . إذ من أين نجد في الريف ماء صالحا لشرب أمثالنا ؟ وأين أتجسد تلك المقاهي التي يتحدث عنها هذا الزميل المتفائل الطروب ؟ ثم ما هذا الرأي الغريب الذي يراء في عدم حاجتنا إلي الخبز ؟

وظهرت على وجهي أمارات خيبة الأمل وأوشكت أن تفضحى ملامحى فثم لهذا الرجل العابث عن عدم

ارتياحي لمسلكه . ولكن صاحبي تدارك الموقف بضحكة من ضحكاته الخفيفة وقال :

- هكذا دأبه في كل شأن ! فلا يسؤك صنيعه . وسنعرف كيف نعالج هذا الحرج الذي أوقعنا فيه متي وصلنا إلي مستقرنا سالمين .

فبلعتها . . ولم أجد بدا من أن أتذرع بالصبر . وتظاهرت بتذوق هذه الدعابة السمجة . وجلست معهما متجلدا أحاول أن أظهر لهما غير ما أبطن ، وثقل ذلك على نفسي ، فإني رجل صريح ، حبب الله إلى الإيثار ، فصار يمتعني أن أعطي أضعاف أضعاف ما يصيبني من السرور حين آخذ ، ولكن كل ذلك بشرط أن أجد من يبادلني هذا الطبع . فإن أنا صادفت ذا أثرة أدركت طبعي نكسة . وانقلبت عليه صفوانا لا يلقي مني مهما عزني غير التراب . وأخيرا وصلنا متنزهنا فنزلناه ، وكان الأثر السئ الذي تركه صاحبنا في نفسي قد تقشع عنها في الطريق رويدا رويدا ورأيتني أعود إلي راحتي واستبشاري بفضل هواء الصباح البليل ومناظر المروج التي لبثنا نجتازها قرابة ساعة ، وقضينا صباحا هنيئا مليئا بالنشاط والاغتباط . فلعبنا كما يلعب الأطفال . وتواثبنا كما يتواثب الفراش . وضحكنا كما يضحك السكاري - ونحن صاحون علم الله .

فلما حان وقت الطعام بسطنا ما حملنا فأقبل الزميل الثالث ينهش ويقضم وهو يهز رأسه يمينا وشمالا من فرط تقديره لجودة ما يمضع وما يزدرد . ولما فرغ من ذلك عرج على موزي يلقمه . وعلى برتقالي يمتصه واحدة بعد واحدة . حتى إذا استوفي مال واضطجع ، وادعي الشبع ، وقال : عجبت لكم كيف فكرتم في الماء مع هذا البرتقال السائغ الذي أطعمنا وأسقانا ! ثم أين يكون الماء القراح إلي جانب هذا الشراب المعقم الطهور الحلو الذي لا يمدد المعدة ولا يثقل الأمعاء وكنت كما قلت قد سري عني ، وزال عن مزاجي

ما كان قد عكره في الصباح وبدأت أحس صحة نظر صاحبنا . "فإننا حقيقة لم نكن في حاجة ماسة إلي الخبز أو الماء بقدر ما كنا نظن ، وبدت لنا القهوة نافلة لا لزوم لها بعد ما أصبنا في يومنا ذاك من طعام شهي ووقت هنى ولم أكتم زميلنا في ساعة رضاي هذه أنه رأي رأيا فأحسن فيه التفكير والتقدير . فابتسم لهذه النتيجة السارة وقال مازحا : يا بنى لقد بدأت مثلك أتوخي راحة من حولي قبل أن أنظر إلي أمر نفسي . وكنت أعتقد أنى بذلك وصلت إلي غاية الغايات في حسن الخلق ، وبلوغ الكمال في آداب المعاشرة . ثم ظهر لي آخر الأمر أن ذلك كله لم يكن إلا عنوانا على ضعف الخلق . وضيق الأفق عند النظر في شئون هذه الحياة . وأن الرجل السمح هو الرجل السهل الذي لا يضيق بشيء ، والذي يرضي عن أي شئ ، وعن كل شئ . ولقد كان لي صديق - أناني حقا - هو الذي تلقيت عنه هذه النظرة إلي الحياة فهذبتها وشذبتها ، حتى صارت إلي ما أنا فيه اليوم . أما هو فكان لا يرى في هذا الوجود غير شخصه . ولا يقبس أمرا من أمور هذه الدنيا إلا بمقياس مصلحته الخاصة .

كنا نركب الترام فتجيء جلستي إلي جوار النافذة ويري هو أن هذه النافذة ترسل نسمات بليلة إلي وجهي - والوقت حر والهواء مرقوب فيه - فيطلب إلي في بساطة أن أقوم من مكاني فأفعل وأنا لا أعرف ماذا يعني ولا ما هو صانع بعد ذلك ، فيجلس مطمئنا في مكاني ، ويترك لي مكانة البعيد عن النافدة مشيرا إلى بطرف إصبعه أن أجلس فيه . . فإذا كنا في الشتاء وآذته النافذة بما ترسل عليه من لفحات البرد جلس هو في مكاني البعيد وأجلسني أنا إلى جوار النافذة .

كان يدعوني إلي لعب التنس فإذا استقر كل منا في مكانه وبدأنا اللعب لا البث حتى أراه قد وقف واستوقفني ثم دعاني إلي أن نتبادل أماكننا . فإذا أخذت مكانه تبين

لي أن الشمس كانت تواجهه وأن ضوءها آذاء وبهر عينيه وعطل نشاطه في اللعب ، فتخلى لي عن هذه التاعب كلها لأنصرف في مغالبتها كما يحلو لي ، ووقف هو راضيا عن نفسه في الجهة الأخري كأن شيئا لم يحدث بيني وبينه .

ومن عجيب أمر صاحبي هذا أنه كان حسن النية سليم الطوية ، بلغ من سذاجة النفس وطهارة القلب ما كان يجعلني أنظر إليه لا على أنه زميل أو صديق ، بل على أنه ولد من أولادي الذين يسرنى ويسعدني أن أضحي بشيء من نفسي في سبيل إسعادهم وراحتهم . ولذلك كنت أتقبل فصوله هذه بالقبول الحسن . وتطيب لها نفس ولا ينقبض خاطري كنت لا أمسك مسبحة - وقد كنت من هواة السابح ، أتخيرها ، وأجد في البحث عنها ، وأدفع فيها أثمانا غالية - أقول كنت لا أعثر على مسبحة تعجبني فأزدهيبم بمنظرها في يدى ، وأبدأ في ذكر الله عليها حتي تمتد أصابعه إليها بحركة آلية فيتناولها مني وتبقى في كفه طول الوقت الذي يجتمع في فيه ، فيحرمني لذة تقليبها بين راحتي والاستمتاع برنة حباتها وأنا أساقط بعضها فوق بعض

وكنت لا أمسك عصا - وأنا من هواة العصى أيضا إلا ويسحبها مني ثم يظل يبعث بها ويتوكأ عليها متثاقلا ويضرب بها الأرض ، ولعلها أرق من أن يفعل بها مثل ذلك فيحول بني كذلك وبين ما طمعت في الاستمتاع به منها . ويذهب هو بكل ثمرات اقتنائها ، ولا يكون نصيبي منها إلا أنى أنا الذي أشتريتها ودفعت ثمنها .

وإن أنس لا أنس يوما كنا فيه معا في أحد المصايف السورية . وهناك عرض علينا بعض التجار عباءات فاخرة ذات وشي حسن وتطريز جميل ، يكفي أن يسيل الإنسان واحدة منها على كتفيه لتركبه كل خيلاء الغطاريف من أجواد العرب في أيامهم الأولى . فوقعت هذه المطارف في نفوسنا أحسن وقع . ولم أتردد لحظة في شراء واحد منها لنفسي . وعرضت على صاحبي أن يشتري واحدا لنفسه

أيضا ولكنه قال إنه لا يري موجبا لذلك رغم استحسانه لها وإعجابه بها . ولم أكن أدري كيف يستطيع مثل هذا الرجل الغريب أن يوفق بين هذا الإعجاب الذي بيديه وبين عدم الحرص على أن يكون له واحد مثلى المختال فيهما معا وتسترعي بهما أنظار المصطافين إلينا كلما رحنا بهما أو غدونا . ولكن اليوم التالي مباشرة كان كميلا بأن يكشف لي عن كل شئ . فإني لم أكد أستيقظ من نومي حتي كان صاحبي يختال في بردتى الجديدة ذهابا وجيئة في شرفة الفدق الذي كا ننزل فيه . ولم يسق واحد من نزلاء ذلك الفندق إلا وقد اقترنت عنده صورة هذه العباءة الفخمة بشخص صديقى هذا من دوني . وعافت نفسي أن ألبسها بعد ذلك حتى لا يظن القوم أنه هو الذي خلعها علي .

وأن أفرغ من حديث هذا الصديق إذا أنا استرسلت في ذكر قصصه معي . ولكني أكتفى بأن أقول إنه هو الذي أمدني بهذا الخلق الجديد الذي دخل على طبعي فأنكرتموه مني هذا الصباح . والمرء - كما يقول الرسول الكريم - على دين قرينه

ولاحت مني نظرة إلى صاحبي فرأيته يتنهد وقد استهواء هذا الحديث العجيب ، وأدرك أن تنهده هذا لابد أن يكون له خبئ ، وأن من ورائه قد تكمن قصة طريقة يخلو الإستماع إليها في هذا المجلس الظريف . فألححت عليه في أن يفضي إلينا ما في نفسه إن كان هذا الحديث أثار في ذهنه ذكريات قديمة . فقال :

- وأي ذكريات ؟ : لقد كان سبب بقائي إلي اليوم كاليهودي التائه أنانية زميل لي كنت قد اتخذته لنفسي صديقا وعشت معه زمانا لم يخطر ببالي فيه أن أتخذ لي صاحبة أو أن يكون لي ولد . ثم جاء العهد الذي لابد فيه للطائر الهائم أن يتخذ لنفسه وكرا . فأخذت أبحث عمن أكمل

به نصف ديني . وأخيرا جمعت عن اسرة طيبة تقيم في الإسكندرية ومن بين أفرادها فتاة تجمعت فيها كل المزايا التى يبحث فيها مثل فقد كانت فتاة مثقفة ، وديعة ، من منبت طيب . وهي -كما وصفها الواصفون - فوق ذلك ذات سماحة تحجبها إلى القلوب . وكان لصاحبي هذا في الثغر أقارب وأصهار . وكنا قد اعتدنا أن نصطاف معا وأن يقصد هو إلى هناك في مستهل كل سيف ليدير لنا امي المكان الذي نقيم فيه فأوسبته في ذلك العام أن يتصل بأهل عروسي ، وأن يخبرهم عن كتب ، وأن يري ( بضاعتي ) ليعرف كيف تقع في نفسي .

وسافر البطل على بركة الله فأعجبته العروس . فدخل بها في نفس المنزل الذي كنت أقدر أن أصطاف معه فيه . وتركنى وراءه لأبحث عن عروس غيرها بل لأفعل ما هو شر من ذلك أيضا ، وهو أن أبحث عن صديق غيره لأقضي معه بقية حياتي ...

ثم اتجه صاحبنا بحديثه إلي وقال : - والحمد - على أن وهبنى على الكبر صاحبي هذا الذي لم يعجبك في أول النهار وإن كان - كما يبدو لي . قد أعجبك في آخره . فهذه هي الأنانية كما عرفتها أنا ، لا كما تتحدثون عنها أنتم في مسبحة أو في عصا . . إنها زوجة صالحة وبيت عامر قد طارا جميعا بفعل زميل الثاني قال صاحبنا الثالث العابث : يا أراك إلا كافرا بنعمة الله ! فمن يدريك العل صاحبك بتغلي الآن في تلك النار التى خطفها منك ليستأثر بها من دونك ، في حين تنعم أنت بصحبة أمثالنا وتنقلب معهم في هذا الرغد الذي نحن فيه ؟

وسمعت صاحبي يعود فينتهد وهو يقول : - أجل ! من يدري ؟

اشترك في نشرتنا البريدية