الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الثقافة"

أنا الغريق ...

Share

-٤-

وكان أحد أصدقاني قد دلني على أسرة في بوردو بها سيدة وفتاتان ، إحداهما جميلة متزوجة ، والثانية تكاد تكون زميمة ، لم تتزوج ، وهي أكبر من أختها سنا . والأولي فرحة صرحة ، والثانية حزينة كئيبة ، والأولى طويلة ممتلئة ، والثانية قصيرة بدينة ، والأولي غضة ناعمة ، والثانية كالغصن الجاف ، والأولي ثرثارة ضحكا طائشة . والثانية قليلة الكلام ، رزينة مثقفة ثقيلة الظل .

فكنت أتردد على هذه الأسرة وأتحدث كثيرا مع ربة البيت .

قالت لي مرة : - إن جوليان ( أبنتها الكبرى ) غارقة في لجة من التفكير . كأنها في حلم دائم ، ذلك لأنها قاربت الثلاثين ولم تتزوج ، وقد رأت اختها محوطة بحب زوجها ، يسعدها في بيتها ، يسعدها رؤية ولدها الصغير ، فزاد ذلك من بؤسها وحزنها .

وتنهدت ثم قالك : - يا ويلنا من أبنائنا ، إننا نشقي بهم صغارا وكبارا . فقلت : يا سيدتي إن لدينا خبرا مأثورا يقول : " المال والبنون زينة الحياة الدنيا" .

قالت :  - نعم إن الحياة بدون أسرة تكون ناقصة .

ولكن الأسرة قد تكون أيضا مصدر شقاء ، إننا نحن الأمهات نعرف ما يحول بنفوس بناتنا ، عند ما يكن قد جاوزن سن الأقتران ، فإنهن يكن في حالة من اليأس والرجاء معا . وتنهدت ثانية ثم قالت :

- تريد الفتاة أن تكون سعيدة في حياتها ولا تري للسعادة شبحا إلا في الزواج . فقد يخيل إليها أنها وهي جوار زوجها ملكة جالسة على عرشها ، فلا تأمل شيئا في حياتها أكثر من أن يسعدها الحظ فتقترن بشاب يحبها ويغمرها بحنانه ويكون ملجأ لها ، فقد كنت يا سيدي وأنا شابة قبل أن أتزوج أعتقد أنه لا يهنأ لي بال ، ولا أتذوق السعادة إلا وانا في بيت زوجي . وكان الزواج كل شئ في حتى كنت أظن أن له أثرا في اعتدال مزاجي ، وتلطيف أخلاقي ، وتقوية عقلي وجسمي . وكأني في نفس شيء لا يستحقه غير زوجي . وكانت عواطف وإحساساتي وحي وكأنها رهينة ذلك الزوج .

- يا سيدتي وقد تكون هذه حالة الرجل أيضا قبل زواجه ، فإنه كثيرا ما يري أن الزوجة الطيبة هي كل سعادته ، وإنه ينتظر حظه وأماله ليعثر عليها في شخص زوجته فيدفعه ذلك إلي أن يتعلق بمن يراها وتملك منه نفسه

قالت : نعم ، ولكن هذه وذاك لن يلبثا أن يقعا في خيبة

من الأمل . لأن عثور الحظ أكثر ما يكون في البحث عن زوجة صالحة أو زوج طيب . ولقد وقعت أنا في هذا الحظ العاثر ، فما لبثت إلا قليلا مع زوجي حتى شجر بيننا خلاف في الرأي والذوق والإدراك والفهم والمأكل والملبس والمشرب ، وكنا دائما على طرفي نقيض . وبعد أن تزوجته بقليل واختلفت معه ، كنت أري أن كل رجل خير منه ، وأن كل خلق غير خلقه أفضل منه ، وما كنت أري منه غير عيوب مجسمة ، حتى لقد تمنيت كثيرا أن أتخلص منه ولو بموته أو بموتى ، ولكنني علمت أني كنت مخطئة ، إذ شعرت بالوحدة والعزلة من أولادي وأقاربي عند ما فقدت زوجي ، وفقدت بفقده كل حنان وعطف .

وطرق الباب طارق ، فدخلت سيدة زائرة ، فاستأذنت وخرجت من عندها .

ركبت القطار إلي مرسيليا مساء ، فوصلت إليها صباحا ونزلت في نزل بها ، فقابلت شيخا من شيوخنا الاجلاء ، وعالما من علمائنا المعروفين ، ولم تكن بيني وبينه صلة كبيرا لاتي عرفته في باريس ، ولم اجتمع به إلا مرة او مرتين ، ولكنه عند ما را في هرول إلي ، وسلم علي ورحب بي ، ودعاني إلي مزله ، فأعجبني حديثه واراؤه ، فكنت اجتمع له كل يوم من ايام مكني في مرسيليا وانا انتظر السفينة التي تعود في إلي مصر

ورأيت بمرسيليا جماعة من الشرقيين مصريين وسورين وأتراك ، بين تاجر وطالب علم وسائح ، فذقت به المقادير هناك إبان الحرب ، فلم يقدر علي الرجوع إلي بلاده ؛ فكنا مجتمع معا ونتحدث في الشرق وأحواله ، والشرقيين ومآلهم بعد عدم الحرب .

وصارت معرفتي بشيخنا الجليل إلي صداقة صادقة ، فكنت أجلس معه كثيرا ، واستمع حديثه في الجد والهزل ، والحق والباطل ؛ فقد كان جعبة أفكار وآراء في الناس

والحياة والاجتماع والعلم والأدب ، يقول كل ما يجول بخاطره في صدق وصراحة ، غير مبال بما يؤخذ عليه ، ولا مغتبط عما يبدو من سامعيه من الارتياح إلي حديثه أو تصديق آرائه .

حدثني مرة فقال : - لقد مضي علي منذ تركت مصر إلي اليوم ، وتخليت عن منصب في الحكومة هناك خمسة وعشرون عاما ، قضيتها في باريس وغيرها من مدن أوربا وعواصمها .

وقال : - ولا أرغب في العودة إلي تلك البلاد التعسة . قلت : - ولماذا ؟ أليست بلادنا في حاجة إليك وإلي أمثالك ؟ فمسح بيده على كتفي ونظر إلي وقال : كأنث تتملقني : قلت : - بل أقول حقا ، فان الرجال عندنا قليل ! فأجابي في شيء من عدم المبالاة ، وانسم ابتسامة سخرية واستهزاء :

- إن هذا بلد عجيب فاننا محن المصريين لا نعتمد إلا على غيرنا ، ولا محترم إلا الدحيل في بلادا ، ولا شق بشيء من مواهبنا ، ومن أسف أن حقد الزملاء بعضهم على بعض أظهر ما يكون بيننا ! قلت :

- عجبا وعفوا ! لقد شاهدت أثناء مقامي في فرنسا ، ومعاشرتي لكثير من رجال ونساء وشبان وشيوخ ، من أهم مختلفة يردون موارد العلم في باريس ، أن هؤلاء جميعا يحبون باريس ، ويعجبون بالثقافة اللاتينية وفنوبها ، ويتمدحون بما في عاصمة الفرنسيين من ادب رائع وإدراك دقيق ، وعلم واسع ، وحرية عامة للقريب والبعيد ، والصديق والعدو ، ولا يفارقون هذه المدينة إلا لحاجة

تدعوهم بلادهم إليها ، وذلك لإعجابهم أو إغراقهم في الإعجاب بكل ما رأوا وسمعوا ، ولكني لم أر واحدا منهم ذكر بلده بسوء أو نقم عليه ، كما نذكر نحن مصر غاب يشوه ذكرها ، وكما تذكر قومنا مما لا يرضي به احقر الناس لنفسه وقومه ، ولسنا أسوأ حالا من غيرنا في كثير من عاداتنا وأخلاقنا.

فهز شيخنا رأسه ، ونظر إلي وقال : - وا أسفاء . وهذا ايضا من الأخلاق المكروهة فينا . ولكنا جميعا إذا ذكرنا بلادنا وقومنا بسوء فذلك مظهر من مظاهر الالم في نفوسنا ، لاننا يجب ان تكون بلادنا خيرا مما هي عليه ، ولعل فيما نبديه وتراه من نقص فينا ينبهنا أو ينبه الجيل الآتي إلي إصلاح هذا النقص .

قلت : - إننا نتعلم فيما نتعلم هنا حب الوطن والتفاني في خدمته ، فما كان أجدرنا بمحاكاة هؤلاء الناس الذين نعجب بهم وبأخلاقهم . فلو أننا اجتمعنا وبحثنا العلل الشائعة فينا لكان لنا شأن آخر.

فقال محدثي ، وتحرك من مجلسه ، واتجه إلي كأنه يريد أن ينقص علي ، وكأن في نفسه شيئا كامنا يريد أن يكشف عنه :

- نعم ولكن الإجماع بيننا على شيء لا يكار يكون . وفتح فيه إلي آخره وأدركته غصة ، وقال : - إذ من مميزات بلدنا بروز الشخصية في كل شيء والأهمام بالفرد قبل المجموع ، فكما عمل اجماعي لا ينفع ، بل أثبت الأعمال وانفعها ما كان عملا فرديا ، ولم أر في أمة من الأمم غسل التعاون مثل ما أري في مصر ، في مصر الجماعة فاشلة ، والفردية ناجحة ، وقوة الإجماع ضعف ، وفوحدة الفردية قوة ، لأننا نخدم الفردية فتقوي بنا وتضعف بها .

قلت : - لعل هذا صحيح في جملته . وهو علة من العلل التي يجب أن نعمل علي إزالتها ، ولكن ....

فاستمر في حديثه في لهجة من المزاح وقال : - هذه أمة  ..... وقطب وجهه وقال : - إن كل واحد منا يعمل لنفسه ، والشعب ضائع بيننا لا يرشده مرشد ولا يهديه هاد .

وسكت قليلا ، ونظر أمامه ، ثم حول نظره إلي وقال : - إنني لست من الشيوعيين ، ولكني أري أن هذا الإهمال لا يجوز بأي حال من الأحوال ، إذ بينما نجد طبقة من الناس تنتقل من حال إلي حال ، وتصعد من اسفل إلي أعلي ويساعدها الحظ فتخرج من الأكواخ إلي القصور ، ومن الفقر إلي الغني ، وندفع بأهلها وأبنائها من الجهل إلى العلم ، ومن الظلمة إلي النور ، ولا تفكر في غيرها ، نجد الشعب كما هو منذ قرون : فقيرا ، قذرا ، جاهلا ، لا يعرف لنفسه كرامة ، ولا يفكر في أنه كغيره من بني الانسان ، ولا يتقدم خطوة واحدة إلي الأمام .

قلت : إنك يا سيدي من الناقمين المتشائمين . قال :

حقا ، إني بائس ، أو أكاد أكون بائسا من حال هذا الشعب ، وإني لأخشي أن يكون الجمود سجية وطبيعة فينا ، فإننا رغم معاشرتنا للأجانب النازلين فينا ، وما نراه فسيهم من نظام في الحياة ومن مظاهر في الحضارة ، لا تزال على ما كنا عليه من قرون ، وإننا محن المتعلمين أول من يسأل عن هذه العيوب الظاهرة فينا ، لأن الشعوب التي مثلنا يجب أن ترشد وأن تقاد فسرا ، وهذا يحتاج إلى قادة يضحون بأغراضهم وأهوائهم في سبيل في شعوبهم ، ومن أسف أننا لسنا من هؤلاء ، لأننا نشأنا على الأثرة

وحب النفس . ولا أخفى عليك أبي مثل السواد الأعظم من المصريين أبحث عن سعادتي قبل كل شئ .

ثم هز رأسه الضخم الأصلع ، ونظر إلي بعينين ذابلتين وقال :

- أملنا فيكم الآن عظيم ، فربما كنتم خيرا منا ومن أسلافكم

وكان هذا الشيخ من الظرفاء الماجنين ، الذين لا يبالون بما يقولون ولا عما يفعلون ، مجلس ثمه فيحدثك فتصغي إلي حديثه ويلذك سماعه ، وتميل إليه كل الميل ، ويخاطبك بلا كلفة ، وينزل من شيخوخته إلي شبابك ، فيخيل إليك أنك تجالس شبا أصغر منك سنا ، فتجاريه في أحاديثه إليك اناث تجالس شابا اصغر منك سنا ، فتجاره في أحاديثه بدون مراعاة لكرامة شيخوخته . ومن الناس من تحبه وتميل إليه ، ولكن لا يدفعك ذلك إلي احترامه الواجب عليك . ولقد كان ينبسط في الحديث فيقول ما لا يقوله مثله لمتلك ، ولكنه كان مع هذا كله حلو الحديث فكه المجلس في تبسط وحفة روح وصراحة محبوبة .

قال لي مرة : - أتدري كيف تعلمت ؟ كنت في كتاب من كتاتيب الريف ، أذهب إليه حاف القدمين ، عاري الرأس ، لا يستر جسمي غير جلباب واحد أزرق ، أخرج من بيتي ومعي قطعة من خبز وقطعة من جبن قديم ، وآكل في الطريق ، وفي يوم الخميس والجمعة يلزمني أبي أن أسير وراء عجل يدير ساقية ، وفي يدي سوط أضرب به العجل إذا تواني ، وقد رآني أبي مرة ألعب في الغيط والعجل واقف ليس وراءه أحد ، فتناول السوط من يدي وضربي به ، فلما تركني حقدت عليه ، وكرهن الحياة بين أهلي ، فخرجت هائما إلي أن وصلت إلي بلدة (المركز ) ، وبينما أنا سائر في الطريق أدركني جندي وأمسك بيدي وقادني إلي ( المركز) ومنه إلي القطار . فإلي القاهرة ، وأسلمني إلي إحدي المدارس في ضاحية من ضواحي المدينة .

فما لبثت أن أصبحت تلميذا مجدا ، وقد أعجبي ما أنا فيه من نعم ما كنت أحلم به ، ثم توسم الناظر مني ميلا إلي الرياضة ، إذ كنت في مقدمة زملاني الرياضيين ، وظهر اني أميل إلي الهندسة ، وكان معلمي يقول لي : إنك من التلاميذ النجباء فأرسلني الحكومة إلي فرنسا فنجحت تجاحا باهرا والتحقت بكلية العلوم والطب .

وفجأة نظر أمامه وقال : - انظر - انظر . قاتل الله هذه الفتاة الجميلة وأقبلت سيدة فسلمت وجلست ، فأخذ شيخنا يمازحها ويداعبها .

وكان لا بد من الرحيل والرجوع إلي مصر ، فعلمت أن سفنا ستسافر معا إلي الشرق محروسة بارجتين حرينتين ، لتأمن غوائل الغواصات ، وكنت كلما حاولت كوب سفينة وعلمت بيوم مغادرتها للينا وهممت ركوسها ، قالوا إن يوم الرحيل قد أجل ، لعدم أمن الطريق . وكانوا يقولون إن الطريق في البحر غير مأمون ، لأنه لا يكاد يخلو من غواصة ألمانية تمخر في جوفه . وتتجس واحبه ، وكانوا يتحدثون عن براعة قواد هذه الفواصات وشجاعة ملاححبها ، واستبالهم في مواقفهم ، وإخلاصهم في عملهم ، ورغبهم الخفة في الطاعة وحب النظام . وقالوا إن هذه الصفات هي التي ستكسبهم الظفر . وكثيرا ما تحدثوا في المجالس بلهجة تنم عن الخوف من هؤلاء والإعجاب بهم والحقد عليهم معا ، ثم من صفاتهم الخلفية وحب الألمان لبلادهم ، وأن الالماني لا يفرق بين الوطنية والحندية ، إذ خدمة الوطن وخدمة الحبش لديه سواء ، وان هؤلاء الألمان يعيشون للذوبان عن بلادهم التي هي رمز عظمتهم ، وأن الروح الجرماني روح حربي . وإذا أراد أعداؤهم أن يحطوا من قدرهم قالوا :

- إن الجنس الجرماني جنس وحشي بربري ، لا يعرف الشفقة ولا الرحمة ، وانه يعيش في عالم من الكبر والخيلاء ، ويعتمد على القوة ، ولا يعرف الحق . ويروون عن أمبراطورهم العبارة المأثورة عنه : " القوة تمحو الحق وتزيله " . ورووا عنه أيضا انه قال : " لو همت السماء بالسقوط على الأرض لرفعتها بأسنة الرماح والسيوف " .

وكنا نسمع كل يوم أن سفينة غرقت ، وأن غواصة قذفت سفينة بضربة فأغرقتها بمن فيها ، فكان يتملكني الخوف أحيانا ، وأحيانا أجدني غير مبال مما سيكون ، وأفكر في أن الحياة خير وشر ، فبدأ خاطري وتطمئن نفسى.

ولما علمت وعد قيام تلك السفن ذهبت إلي الميناء ، فرأيت رجالا ونساء وأطفالا يصعدون ، وآخرين يودعون ، ويرجعون وهم يبكون ؛ وكان أكثر المسافرين من الجنود . على أن السفينة لم تكن بارجة حربية . ورأيت أسرة الجرحي ونقالاتهم صاعدة نازلة ، فهذا جندي مضمد وجهه بالأربطة ، وهذا جندي مقطوع الذراع أو الساق ، وهذا أعرج ، وهذا أعمي ، وهذا صحيح ولكنه جريح ، وهذه امراة يحمل طفلها ، وهذا شاب وهذا شيخ ، وهذا . . وهذا

وكأنما كل راكب ذاهب إلي ساحة الموت ، وكلهم عابس الوجه ، مقطب الجبين ، ذاهل ، حزين ، بائس .

فحملت إحدي حقائبي الصغيرة ، وسرت وراء الحمال ، متدافعين بالمناكب ، والعرق يتصبب ولم يكن الجو حارا ، ولا الشمس طالعة . وما زلت أخوض في سواد الناس ، وأسير من مضيق إلي مضيف ، واصعد واعدلي ، حتى وصلت إلي حجرتي ، ووضعت متاعي بها ، ووقفت لباسها انظر الرائح والجائى ، والصحيح والسقيم ، وأتأمل في تلك الوجوه الكئيبة العابسة .

وما كادت البارحة تهم بالقيام حتى سمعت طلقة ( مدفع ) فذعرت وقفزت إلي أعلي ، وما كدت استقر في مكاني حتي سمعت طلقة أخري ، فاشتد ذعري ونظرت إلي سيدة كانت بجانبي مع أطفالها وقالت :

لا تخف باسيدي . هذه تجربة للمدافع التي بالسفينة . فقلت : - وهل بالسفينة مدافع ؟ فقالت : - نعم لتصد هجوم الغواصات . ثم نظرت إلي وقالت : - لقد امتقع لونك ، فهل أنت خالف ؟ قلت بدون روية : - نعم لا أنا لا أخف : فقالت : - فماذا تكون حل أبنائنا في ساحة القتال ؟ قلت مضطربا في شئ من العى والخصر ، وهززت رأسي في لهجة من الكذب الصراح :

- لا - لا أبدا . أنا لا أخاف . وتركتها صاعدا مضطربا ، متظاهرا بالشجاعة ، حتى وصلت إلي مكان ( المدفع ) فرأيت حوله جماعة من المسافرين والدخان متصاعد من فوهته ، والجند يمسحون جوفه .

وسارت السفينة على مهل رويدا ، رويدا ، والمودعون على شاطي البحر يشيرون بأيديهم وقبعاتهم ، منهم الباكى ومنهم الصامت ، فكنت أغبطهم ، واحدث نفس بأنهم في مأمن مما عسي أن نلاقيه من ذعر وهول !

والتفت ورائي فرأيت مئات من الجنود الجرحي على سطح السفينة ، بجوار كل واحد عدته ، وهم سمر الوجوه ضئيلة أجسامهم ، خائرو القوي ناضبة مياه وجوههم .

فقلت لجاري : إلي أين بذهب هؤلاء ؟ فقال : هؤلاء من جنود مدغشقر ، جاءوا لمساعدتنا ، وهم الآن راجعون إلي بلادهم ، لأن هذه السفينة ذاهبة إلي مدغشقر عن طريق بور سعيد .

فلما سمعت بور سعيد ، قلت في نفسي - تري أنري سماء مصر وأرضها ؟ وقلت ناظرا إلي صاحبي ؛

- عن طريق بور سعيد ؟ عن طريق بور سعيد ؟ فقال محدثي : - نعم ياسيدي ، عن طريق بور سعيد

وكلما ابتعدت السفينة من الشاطئ أظلم الحو في وجهي ، وكنا في منتصف النهار وما زالت السفينة تمخر عباب الماء وعلي قرب منها تلك السفن التي ترافقنا ونرافقها ، حي

اقترب المساء ، ونسج الأصيل في السحب خيوطه الذهبية ، وأخذت الشمس تستغر وراء تلك السحب مرة ، وتمزقها أشعتها تارة ، وكأ،ها نافورة من عينين ، أوعين تتفجر مياها لازوردية ، وطورا تظهر مغنعة بنقاب شفاف ، وهي تتدلي وتقرب شيئا فشيئا من سطح الماء فتمي فيه بكتلة من نار . وما كادت تقرب من الماء حتى غاصت فيه ، واحتفت وسط أشعتها الملكية . ثم سقطت في اليم سقوط الجندي الباسل في ساحة القتال .

ثم دارت السفن دورة وكأنها ترجع إلي الوراء ، وأظلم الجو وهي تخب خبيبا ، ثم شاهدنا على بعد نورا واقتربنا من شاطي مضيء فقيل لنا هذه مرسيليا قد عدنا إليها .

( لها بقية)

اشترك في نشرتنا البريدية