لما كانت المعركة الأولى (سنة ١٩٣٨) كنت مع الأستاذ شاكر علي الأستاذ قطب، فكيف أكون الآن مع قطب على شاكر؟ ذلك لأني دائماً مع ما أرى أنه الحق. والأستاذ شاكر صديقي من ربع قرن، والأستاذ قطب رفيقي على مقاعد الدرس في دار العلوم من ربع قرن، وليس بي الآن مدح ولا هجاء، ولا إغضاب ولا إرضاء. ولكن بيان الحق الذي أراه، ولعلي مخطئ فيما أرى
وأنا اعلم أن للصحابة منزلة لا يدنو منها أحد منا، وإننا مهما سعى الصالحون منا فإنهم لا يلحقون غبار أحدهم، فضللا عن أن يحاذون أو يسبقوه. وإن لبني أمية في نشر الإسلام وفي فتح الفتوح فضلا لا ينكره أحد، وأنه كان منهم عظماء حقا إن عد عظماء الرجال، ولكن هل كانت دولة بني أمية دولة إسلامية؟
لقد هدم معاوية أكبر ركن في صرح الدولة الإسلامية حين أبطل الانتخاب الصحيح، وجعله انتخاباً شكلياً مزيفا، وترك الشورى، وعطل الكفايات، وسن هذه السنة السيئة، بل هذه الجناية التي جرت أكثر البلايا، والطامات التي تملا تاريخنا السياسي، فهل نقول لمعاوية: أحسنت في هذا؟ بل إني لأسأل، هل يقول هذا محمد رسول الله صلى الله عله وسلم لو كان حيا؟ إن معاوية صحابي جليل، وله مناقبه وفضائله، ولكن حكم الدين على الجميع، ومقاييس الإسلام بها كل كبير، فهل كان معاوية في عمله هذا متبعا أحكام الإسلام؟
هذه واحدة وإن كانت بألف وهذا الاستبداد، والحكم الفردي، الذي سار عليه ملوك بني أمية، وتحكيم آرائهم وشهواتهم في مصلحة الأمة، ودماء أفرادها وأموالهم، دون تقيد بكتاب أو سنة، أو رجوع إلى
علم أو فقه هل هو من الإسلام؟ واختيارهم شر الولاة، من الطغاة الظالمين، وتحكيمهم في رقاب الناس، هل هو من الإسلام؟ هل يقر الإسلام تولية مثل الحجاج على رجوته وعظمة نفسه، وخالد لقسري، وأمثالهما من الجبارين؟
وإثارتهم العصابات والخلافات، بين القبائل وبين الشعراء وتمهيدهم سبيل اللهو والاستهتار، لأنفسهم وللناس، ولا سيما جيران بيت الله، وأهل مدينة رسول الله؟
وعدوانهم على الحريات، وعلى المقدسات، وقتلهم العلماء من أمثال الحسين وسعيد بن جبير، وإيذاؤهم سعيد بن المسيب، وضربهم الكعبة بالحجارة وبالنار، هل هو من الإسلام؟
إن هذه كلها أشياء ثابتة، لم يفترها عدو، ولم يضعها خصم، وهذه كلها تناقض الإسلام أشد التناقض، بل إن بعضها لم تأت بمثله الجاهلية الأولى
وما كان عليه العباسيون، ومن جاء بعدهم، من الطغيان والعدوان على الأنفس والأموال، واتباع غير سبيل الهدى، كل ذلك يسأل عنه بنو أمية، لأن من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ومن عمل بها إلى يوم القيامة
وأنا اكبر بني أمية. وامجد آثارهم، وارفع أقدارهم ولكن لا أستطيع أن أقول إن دولتهم كانت دولة إسلامية، لأني أكون قد مدحتهم بذم الإسلام، والإسلام أحب إلي واعز من بني أمية، وبني هاشم، وأهل الأرض جميعا
دمشق
