الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 183الرجوع إلى "الرسالة"

أنا ونفسي ... !

Share

... كنت نائمًا ولكن قلبي لم ينم ، بل كان يقظان يهزني لأفيق ، ويغريني بشتى الألاعيب يلوح لي بها ، ملفوفة بثياب الأحلام زاهية وكابية ، سارة ومحزنة ... فلا أحفل بها ، فلما ضاق بي ذرعًا ، وضعني على حافة الهاوية ، ودفعني ... فأفقت فزعا ... فإذا العام على وشك الرحيل !

نظرت من النافذة فإذا كل شىء أراه نائم ؛ هذه النخلة التي تقوم حيال شباكىي ، وقبة الأعظمية التي تبدو من ورائها في عظمة وجلال ، ودجلة التي تجري صامتة مهيبة ، والقمر الذي          يغسل ماءها بشعاعه ...

وإذا على الطريق شبح يسير منهوكا ! ***

على الطريق الذي لا يمتد في سهل ولا وعر ، ولا يسير على سفح جبل ، ولا شاطىء بحر ، ولا يسلك الصحراء ، ولايخترق البساتين ... ولكنه يلف السهل والوعر ، والجبل والبحر ، والصحراء والبساتين وكل ما تحتويه ، ومن يكون فيها .. على الطريق الطويل الذي يلوح كخط أبيض ، يغيب أوله في ظلام الأزل ، ويختفي آخره في ضباب الأبد .. رأيت شبحًا يسير على .. طريق " الزمان "! *****

وسمعت صائحًا يصيح بالطبيعة : أن تيقظي ، إن العام يرحل الآن !

ففتحت النخلة عينيها ونظرت ، فلما رأته قالت : قد رأيت عشرات مثله تأتى وتذهب ، فلم تبدل شيئًا .. الفأس لا تزال باقية ، وهذا الوحش البشري لا يزال ينتظر ثمري ليسلبنيه ؛ ثم إذا قنط مني كافأنى بالفأس والنار ... فمالي وللعام الراحل ؟ وأغمضت عينيها فنامت ، ولم تكترث !

ونظرت القبة ، فلما أبصرته قالت : قد رأيت مئات مثله تجيء وتروح ، لم تبدل شيئًا ؛ فهذا النخيل قائم حولي كما كان ، والشمس تطلع علىَّ كل يوم وتغيب ، والنجوم تسطع فوقي كل ليلة ، والأرض تنتظرني ، تريد أن أهرم فتجذب أحجاري إليها وتأكلني .. وكل شىء على حاله لم يتبدل إلا الإنسان :كان الخليفة يمشي تحتي ، ويخطر بين أساطيني في حلل المجد وأردية الجلال ؛

إن أمر أطاعت الدنيا ، وإن نادى لبى الدهر ، وإن مال مالت الأرض ؛ وكان الناس يطيقون فى أجلة أمجادًا ، عبادًا  أذلاء لله ، وملوكا أعزة على الناس .. فأصبحت وحيدة منعزلة ، لا أرى إلا هذه الفئات من العامة المساكين الذين تعروا من كل جاه إلا جاه العبادة ، ومجد إلا مجد الآخرة .. فمالي وللعام الراحل ؟ وأغمضت عينيها ، وعادت تحلم ، ولم تكترث !

وتنبهت دجلة ونظرت ، فلما رأته قالت : قد رأيت ألوفًا مثله تمر في هذه الطريق فلم تعمل في الكون شيئًا ، ولم تغيير إلا الإنسان ؛ كانت تقوم على شاطئي القصور الفخمة ، تتوج هامها العظمة ، ويحل أرجاءها الجلال ، ويمثل في أبهائها المجد ، ويقف على بابها التاريخ ، يصدر عنها ، ويكتب حديثها ، وتبثق

منها أشعة الحضارة والفن ، وتسطع منها أنوار العلم والأدب ، وتومض في شرفاتها وأروقتها العمائم التي كانت على أشرف رؤوس وأحفلها بالفضائل والعلوم .. فلم يبق من هذا كله إلا أطلال ،

يريدون أن يطمسوا اليوم آثارها ويغطوا عليها بقبعة ... ولكن ذلك لن يدوم ؛ إن طريق الزمن لا يزال مسلوكا ... تم صمتت وعادت تجري كما كانت تجري ولم تكترث !

وأنصت القمر وأطل ينظر ، فلما رأى العام الراحل قال : لقد رأيت ملايين مثله ، وقد مللت مر السنين وكرّ العصور ، فمالي وله ؟ وعاد يفيض نوره على الكون ولم يكترث ! وبقيت وحدي !

*** بقيت وحيدًا .. فنظرت في نفسىي                                            لقد صحبت سبعًا وعشرين قافلة من قوافل الزمان ... فهل اقتربت من آمالي ؟ هل دنوت من الغاية التي أسعى إليها في سفري ؟ ثم سألت نفسي : ما هي الغاية التي تسعين إليها ؟ أتسيرين إلى غير ما نهاية ، كلما مرَّ عام تعلقت به فسرت معه حتى يضيق بك عام من الأعوام فيقذف بك إلى وادي الموت ؟ ألا تعلمين إلى أين المسير ؟

ولم تكن النفس ترقب مثل هذا السؤال ، فاضطربت اضطرابًا شديدًا ، وكثرت فيها الآراء ، واشتد بين أعضائها الخلاف ، ثم انشقت انشقاقا ، وانقسمت أحزابًا ، وانتثرت نفوسًا ****

قالت النفس الأولى : الغاية يا صاحبي واضحة ؛ إننا نسعى لخدمة هذا الجسم الذي نحمله ، نحيا لسدّ حاجاته ، وإجابة رغباته ، وإمتاعه بملذاته

قالت الثانية : خسئت أيتها "النفس الفاجرة !" إننا لم نسخر من أجل هذا العنصر الأجنبي ، إن الجسم ليس منا قالت الأولى : أفهو إذن من غيرنا ؟ وقهقهت ضاحكة قالت : اسخرى من نفسك ، إنه لو كان منَّا ، لما عشنا إلا فيه ولم نعش بعده ؛ إنه ثوب نلبسه ونخلعه ، أ فيكون الثوب جزءًا من اللابس ؟ قالت الأولى : إنني لم أفهم فلسفتك ، أ تزعمين أن يدي ورجلي ليستا مني ؟ قالت : نعم إن المرء لو قطعت يده أو رجله ، أو ذهب

سمعه أو بصره ، لا تنقص نفسه شيئا ، بل لقد يكون الأعمى الأصمّ أكمل نفسًا ، وأقوى عقلًا ، وأسمى روحًا ، من السميع البصير ! وإنك لتعلمين هذا ، ولكنك " نفس سوء " تريدين الاستمتاع بشهواتك ، ونحن لا نحيا لنيل الشهوات !

قالت الأولى : فلم إذن نحيا يأيتها " النفس المفكرة ؟" قالت : نحيا لنكشف خبايا الوجود ، لنستطلع طلع الكائنات ، لنعرف نواميس الكون وأسرار الطبيعة ... من أجل هذا نحيا

.******. فانبرت لها نفسي الثالثة ... فقالت : - كنت أظنك عاقلة تفهمين وتعرفين ، فإذا أنت جاهلة . ويحك ! ما نحن والوجود ؟ ما لنا وللطبيعة ؟ ماذا يعنينا أ كانت المجرة نهرًا في السماء ، أم كانت مجموعة من الكواكب ؟ وماذا ينفعنا أن يكون في المريخ ناس ، أو يكون مقفرًا لا ناس فيه ؟ ... ما لنا ولهذا الفضول ؟

قالت الثانية : إنك " نفس شاعرة " تنكرين قيمة العلم قالت : إن هذا العلم خسران لك يا حمقاء ! إنك كنت - ترين في الكسوف حادثًا غريبًا مليئًا بالأسرار يبعث فيك عالمًا  من العواطف ، فلما علمت أنه حادث طبيعي : كوكب يقوم بحذاء كوكب ، ضاع معناه ، وانتفت أسراره ، ولم يعد يثير فيك عاطفة ، أو يهيج فيك حسًّا

قالت الثانية : وما قيمة العاطفة ؟ أ تريدين أن ندع العلم من                       أجل عاطفة ؟                                                                قالت الثالثة : لا  . بل تعلمي ، ولكن ما تحتاجين                         إليه ؛ العلم دواء يؤحذ بمقدار الحاجة ، ولكن الشعور غذاء                     لا يستغنى عنه ، فنحن نحيا لنرى الجمال ونستمتع به ، ونتذوّقه           في الطبيعة وفي الإنسان وفي الفن ... من أجل هذا نحيا

فوثبت النفس الرابعة " النفس المؤمنة المطمئنة " فقالت : ياللسخف ! قالت الثالثة وقد غاظها ما قالت : أي سخف ترين من فضلك ؟ إذا كنا لا نرى الجمال فَلمَ نحيا ؟ قالت الرابعة متهكمة : كأنك تحيين الآن ! إنك يا سيدتي سجينة فاسعي لتتخلصي من قيود السجن ، تم انطلقي في فضاء

الحرية ، فعيشي في الحياة الأخرى : حياة الانطلاق  ورأيت المناقشة قد طالت وغدت مملة ، وتشعبت فيها الآراء فأسكتهن ورجعت أفكّر وحدي                * * *

قلت :إنني لا أدري لماذا أحيا ؟ ولا أعرف ما هي صلتي بالكون ! كنت أنظر إلى الدنيا من خلال الكتب ، و أشرف عليها من نافذة المدرسة ، فأراها صغيرة كقبضة الكف ، فحسبت أني إذا خرجت من المدرسة وحزت الشهادة قبضت عليها بيدي وعشت بهذا الأمل ، فلم أعرف حقيقة الحياة ، ولم أعد لها العدّة ، ولم أجد من يخبرني خبرها إلا هؤلاء الأساتذة ، وهم قوم مخادعون ، لا يبصرون التلميذ بالدنيا كما هي في ذاتها ، بل كما يريدون هم أن تكون ...

وخرجت من المدرسة ، وهبطت من سماء الخيال إلى أرض  الحقيقة ، فإذا الطريق مزروع بالشوك ؛ فانطلقت أمشي وأجاهد              بهمّة الشاب القوي الطموح ، فما قطعت من الطريق إلا قليلًا                حتى وجدت هذه (الطفيليات البشرية) تتعلق بكتفي وتستمسك            بي ، حتى إذا دنوت من أول منزل وهممت أن أستريح فيه وثبت            فسبقتني إليه ، فسرت أجاهد وأتقدم أؤم منزلًا آخر ، حتى هدني        التعب ، ونال مني النصب ، ولم أصل إلى شيء .

ولاح لي فجأة قصر عظيم على جانب الطريق ، تلمع قبابه المغشّاة بالذهب ، وتشرق جدرانه المغطاة بالفضة ، وتضىء نقوشه وزخارفه في شعاع الشمس ، ويقرأ على بابه بأحرف من النور : " هذا قصر اليأس " فراعني مظهره ، وهممت أن أحيد عن الطريق فأدخله ، ولكني نظرت إليه أولًا ، فإذا هو موحش مظلم في وسطه قبر مفتوح مملوء بالأساود والأفاعي ... وإذا هو خالٍ من البشر ، ليس فيه إلا جماعة الشعراء البائسين ، يعدّون قصائدهم لتدفن معهم في هذا القبر الأسود فلا يدرىي بها أحد ... فوليت هاربا ، وآثرت العودة إلى مقارعة الشوك ، وجهاد الحياة

عدت فقارعت وجاهدت ، فلم أصل إلى شىء ... فسألت نفسي : هل أيأس ؟ ****

سألتها وحدثتها ، ولكني جهرت بالحديث ، فأيقظت النائمين ...

أطلت عليّ النخلة ، فقالت : إلامَ تجاهد وتناضل ؟ ماذا                  تريد أيها الرجل ؟ ألا تقنع مثلي بأن تقف في مكانك حتى                 يأتيك الموت ؟

قلت : لا . إن لي غاية واحدة ، هي أن أبقى دائما أجاهد  وأناضل ! فضحكت وقهقهت أوراقها ، وعادت إلى منامها ومدت القبة رأسها فقالت : ألا تنام مثلي أيها الفتى وتحلم ؟ لماذا تعدو في طريق القبر ؟ قلت : إني أحب أن أصل إلى القبر لأني سأخرج منه إلى الفضاء الواسع ؛ سأخلع فيه ثوبي الجثماني ثم أنطلق صُعُدا    

فذهبت وهي تحدث نفسها : ينطلق صعدًا ؟ أنا هنا منذ ألف ومائة سنة ولم أنطلق صعدًا ، ثم رجعت إلى المنام وقالت دجلة وقد صفّق لي ماؤها سرورًا : - امض أيها الغلام امض ؛ إن طريقك طويل ، ولكنك قوىّ ؛  إنك لا تمشي إلى القبر لتفنى ، ولكن تدخل من باب القبر إلى عالم الخلود ، هأنا قد بلغت من العمر سبعمائة وخمسين ألف سنة ، ولكنك قد ولدت بعقلك قبلي ، وستعيش روحك من بعدي ... انطلق ... انطلق إلى حياة الخلود ؛ إنك ستبقى بعد أن تموت الجبال ، وتغرق البحار ، ويختنق الهواء ... وتدفن الصحراء !

وأمَّن القمر على كلامها ، وأطلَّ عليّ من النافذة فصافحني بشعاعه وقال : لقد صدقت ! إنك تعيش الآن لتعد العدّة للحياة ... إنك ستحيا حقًا حين تنطلق من قيود الجسم ثم صمت ... وصمت ! ***

وكان العام يقطع اللحظة الأخيرة ... فصحت به : أنا الذي يهتم بك أيها العام ... أنا الذي يودعك ويستقبل غيرك ، لا النخلة ولا القبة ولا دجلة ولا القمر ... تلك للفناء ، وأنا للبقاء ... تلك تنتظر الموت ، وأنا أنتظر الحياة ... أنا أمشي على هام السنين إلى الحياة الأخرى !

( بغداد )

اشترك في نشرتنا البريدية