ذلك هو الرأى الذى رجحت كفته فى المناظرة التى أقامتها أخيرا كلية الآداب ، ووقف الأستاذ أنطون الجميل يكافح عن القومية ، والأستاذ أحمد أمين ينادى بالعالمية ، ومن وراء كل منهما حشد من الأساتذة والطالبات والطلبة .
أما المنادون بالعالمية فكان أولهم الطالب عبد الرحمن صادق بكلية الآداب ، فقد استنجد بالدين والتاريخ لمناصرته ، فقال إن الدين دعا إلى التآلف ، وإن التاريخ قد أثبت انه ما تررعت فكرة القومية بين الشعوب حتى اشتعلت الحروب ، فهى - أى القومية - تقيم الحدود وتضع القيود علي الناس .
وكان الثانى الأستاذ العميد أحمد أمين بك ، فقد تكلم بعد الآنسة زينب البشرى التى لم تر في التاريخ يوما تحققت فيه العالمية إلا فى الطوفان ٤ فكان أول ما فعل أن صوب رأى الآنسة ، فقال إن الطوفان المعروف لم يكن إلا حربا
على القوميات ، وإن العالم ليشهد قصة الطوفان كلما اشتدت نزعة القومية ، فى الحروب آنا وفى كوارث الطبيعة آنا آخر ، فيفيق على دعوة العالمية تنبعث من أعماقه ، تلك الدعوة التى سيؤمن بها الناس يوما من الآيام .
ونستطيع أن نلخص حجج الأستاذ العميد فى ثلاث نقطة رئيسية :
١ - أن العالمية تقيس الأعمال بمقياس العدالة العامة ، على حين تقيس القومية الأعمال بمقياس مصاحبة طائفة محدودة من الناس ، وضرب المثل بالاستعمار والفتح وكيف تنظر إليه كلتا العقيدتين .
٢ - أن التطور الطبيعي للانسانية يسير نحو العالمية . إذ يتطور الانسان من الحياة الفردية إلى الحياة للأسرة إلى الحياة إلى القبيلة . ولا بد أن يصل يوما إلى دائرة العالمية فيسير المجتمع سيرا طبيعيا .
٣ - أن تقدم العالم واتصاله بوسائل النقل الحديثة لم يدع مجالا للقومية التى كانت تستساغ حين كانت هناك حدود ومسافات تفصل الأمم بعضها عن بعض ، فالعالم اليوم فى الواقع وحدة تربطها المدنية بشبكة من المواصلات كالطائرات والسكك الحديدية والأسلاك البرقية .
وأضاف ثالث المؤيدين للعالمية الأديب عباس عمار حجة جديدة تؤيد أنصارها ، هى ما تفرضه القومية على الشعوب من قيود ؛ فهى تحد من الحرية وتدفع إلى الإسراف فى التسلح ، وتؤدى إلى نشوب الحروب .
وكانت نهاية حديثه تلك الاحصائيات التى أوردها عن ضحايا الحروب ، ثم إحصائيا الانتاج العالمى التى بين بها أن العالم ينتج ما يفيض عن حاجة شعوبه ، ومع ذلك فهناك شعوب تعانى المجاعات كل عام .
ولم تعدم القومية أنصارها ، فقد قام الشيخ المحترم أنطون بك الجميل يذود عنها في عذب بيانه ولطيف حجته ، فكان الأديب فى دفاعه والمحامى الموفق فى حججه . فالقومية فى نظره ليست الأنانية والأثرة . وإنما هى عاطفة وغريزة ومصلحة ، فقومية الطفل فرحته بأهله واحتفاله بهم ، وقومية الشاب فى اطمئنانه لاخوانه ، وقومية الرجل احتفاله بوطنه وقومه أجمعين .
ولم يعدم الكاتب الكبير حجة يرد بها علي دعاة العالمية فى نقطة المصلحة ، فالمصلحة فى نظره عند القومية هى الدفاع المشترك بين أبناء القومية الواحدة .
وكم كان جميلا حين خرج الأستاذ من حججه وأدلته إلى نصيحته الحارة للشباب ، وما أحوجهم إلى مثل هذا النصح ، بأن برهوا حرمة الوطن ومقومات القومية من لغة وتاريخ وتقاليد وعقائد ، وأن يحتفظوا بذلك التراث الخالد من العزة القومية التى تقوم عليها حياة الامم فى العصر الحاضر .
وكان ختام المناظرة فى يد آخر المؤيدين للقومية
الأستاذ توفيق الطويل ، وقد كان - كعهده - المؤرخ الذى يلمس فى التاريخ حجته الدامغة ، ولقد أعانه التاريخ حين قدم له قصة الحرب بين روما وقرطاجنه ، وهى قصة الدفاع عن القومية ، بل لعلها أروع قصصه ، ففيها أخلد
آيات التضحية فى سبيل الوطن بحدوده الطبيعية ، وفيها أنبل صور البطولة ، التى تقوم على حب الوطن والقومية وكانت العالمية أخيرا هى التى فازت ، فقد أخذ الرأى فى نهاية المناظرة فأيدها أكثر الحاضرين . ( ص )

