أثار كتاب ويلز الجديد عن مصير الانسانية ( ١ ) ضجة عظيمة فى الأوساط الأدبية في العالم الغربى ، لما حواه
من آراء وأحكام خطيرة عن حالة الانسانية الراهنة ، وما ينتظر لها من مصير . فهو يتنبأ بوقوع كارثة تحطم هذا العالم ، وتقضى على حضارته فى وقت قريب ، قد لا يزيد عن عامين أو ثلاثة أعوام ، إن لم يتهيأ " العقل العالمى" الذى ينقذ البشرية من هذا الدمار .
ومن رأى ويلز أن الإنسان قد خطا خلال الأعوام الأخيرة خطوات جبارة في سبيل استثمار العلم ، فتمكن من تسهيل المواصلات ، وتحسين حالته الصحية ، وزيادة حيويته في ما يقرب من عشرة آلاف مرة ، ضعف إنسان القرن القاضى ولكنه إلى جانب ذلك فقد شيئا مهما هو التربية الى تتناسب مع هذا التقدم ، والتهذيب الذى يتمشى مع تشعب ألوان الحياة الجديدة التى بعثها العلم ، حتى أضحى الجزء الأكبر من الناس يعيشون في خوف دائم من خطر الحرب المفاجئة ، وحتى زادت نسبة حوادث الانتحار زيادة بشعة ، وزادت إلى جانبها نسبة حوادث الاضطهاد وتلفيق التهم والدسائس والتعدى ، كل هذه الظاهر التى
تدل على انحطاط المستوى الخلقى للبشرية ، فى الوقت الذى ارتفع فيه مستواها العلمى .
والحل الوحيد الذى يراء لهذه الحالة هو إعادة تهذيب العقل البشرى ، فتستبعد الحرب كوسيلة من وسائل الحياة من تقاليد البشرية ، ويكف عن استهلاك موارد الحياة الطبيعية بهذا الاسراف ، بإ نشاء اقتصاد عالى تكون وظيفته تنظيم إنتاج واستهلاك العالم بأسره ، ويقوم مقام الديكتاتوريات الجماعية المنتشرة فى العالم ديمقراطية منظمة على أساس علمى ، أو كما يسميها هو " اشتراكية في وضح النهار " .
ويصر ويلز أن الديمقراطية العالمية هى الحل الوحيد الباقى لانقاذ النوع الانسانى من الدمار ، تلك الديمقراطية التى لا يحققها إلا " العقل العالمى " الذى ينشده فلا يجد : إلا فى أمريكا وروسيا ، حيث يعمل الرئيسان روزفلت وستالين على ايجاد دولة عظيمة حديثة منظمة على أساس
ومن رأى ويلز أن ساسة العالم اليوم كلهم لا يصلحون للقيام برسالته فى الاصلاح المنشود ؛ فهتلر فى رأيه مريض يجب أن يوضع تحت المراقبة وموسولينى خطر على الإنسانية ، أما تشمبرلين فهو كما يعتقد لا يعمل للسلم بقدر ما يعمل لانقاذ النظام الفردى من مصيره المحتوم ، ذلك النظام الذى يقوم على ثلاث دعائم : هى التاج والكنيسة والأعيان ، وهو يصف تشمبرلين بأنه يحاول ضربا من العبث باتباعه سياسته الراهنة .
ومع ما فى آراء ويلز دائما من الغرابة والتطرف فان
مكانته العلمية وصدق نظرته في كثير من الآحابين يجعلان لآرائه أهمية وخطورة يلمح أثرهما في الجو الأدبي كلما ظهر له رأي جديد .
الدكتاتوريات في نظر أرسططاليس
كتب الأستاذ كارل شميدت المحاضر بجامعة كولومبيا بصف الفاشستية ، فقال إنها بكل نظمها وأسرارها وبنائها الضخم ليست سوى وسيلة لتوطيد سلطة فئة قليلة من الناس على مجموع الأمة ، وإن أول إنسان وصف النظام الدكتاتورى وصفا ينطبق على أحدث صورة تراها الآن هو أرسططاليس أبو الفلسفة إذ قال : " فى الدول التى يتكون الشعب فيها من طبقتين طبقة غنية وأخرى فقيرة ، تصبح وظيفة الطاغية لكى يصل إلى الحكم أن يدخل فى روع كل من الطبقتين أنهما بأمن من المخاطر ومن اعتداء أحدهما على الآخر ما دام له الحكم ، وما عليه إلا أن يضم إلي حكومته أفرادا من أقوى الفريقين .
ويرى الأستاذ شميدت أن هذا الوصف ينطبق تماما _ إذا تأملنا التاريخ _ على ديكتاتوريى هذا العصر ، ويضرب مثلا لذلك الطريقة التى وصل بها موسولينى إلي الحكم ، فإن الطبقات الممتازة فى إيطاليا أزعجها الاضراب الشامل الذى قامت به جماعات العمال عام ١٩٢٠ ، فراحت تبحث عن خنجر تصوبه إلى هذه الحركة يشترط أن يكون ذا حدين حتى لا يشك العمال ، وقد وجدت بغيتها هذه فى موسولينى ذلك الثائر " ذى الآمال البعيدة والشوق الملح إلى الحكم والسلطان " ، فسرعان ما مهدت له السبيل وشجعت الحركة الناشئة ، فى الوقت الذى رأت الجموع فى هذا الشاب الثائر الذى تتدفق من فمه الوعود والأمانى ، بغيتها التى سوف تحميها من أرباب الأعمال . وهكذا خطا موسولينى إلى الحكم ، بإقناع كل من الطبقتين ، على حد تعبير أبى الفلسفة ، بأنه سيحميها من الطبقة الآخرى .
