أمريكا بين الحياد والحرب
السؤال الذى يتردد الآن دائما هو : هل يكون من مفاجآت الحرب المنتظرة أن تدخل أمريكا الحرب لسبب من الأسباب ؟
أقوى ما يثير هذا السؤال فى النفس هو الميل إلى تأييد الديقراطيات الذى يبدو من أقوال الصحف الأمريكية ، ذلك الميل الذى تكشف عنه مظاهر الاستياء والنفور من الاعتداء الألمانى والاستعداد الحربى الهائل الذى تقابل به أمريكا تطورات الحالة فى هذه الأيام .
على أن هذا الميل وهذا الشعور يقابله قوة معارضة لا يستنهان بها تطلب دائما تنفيذ الحياد الدقيق ، قوة لا تقل عن قوة الداعين لنصرة الديمقراطيات وإدخال أمريكا فى مشاكل أوربا وسياستها .
ويتزعم حركة مناصرة الديمقراطيات الرئيس روزفلت ويقف إلى جانبه من السياسيين مستر كوردل هل وسومر ويلز وكى بتمان. ويتزعم حركة الحياد الدقيق مستر هربرت هوفر الرئيس السابق للجمهورية الأمريكية ؛ ويقف إلى جانبه من رجال السياسة أكبر معارض للحرب السناتور بوراء وهرمان جونسون وروبرت رينولدز . ولا تقف المعارك بين الحزبين عند حدود البرلمان الأمريكى ، بل إنها تتخذ الصحف والاجتماعات مجالا لنشاطها ؛ وقد كان آخر هذه
المعارك المعركة التى أثارها مستر هوفر بمقاله فى « الأميركان ماجازين » بعنوان (( هل ندفع بأبنائنا إلى الحرب ؟ )) ، فقد أتهم أنصار تأييد الديمقراطيات بأنهم يجازفون بزج أمريكا فى أوربا وسياستها قائلا : (( إن الديمقراطيات بخير ولا تحتاج بالمرة لأن تدفع بملايين من أبنائنا لكى يموتوا فى
سبيلها لأنها قادرة وحدها على أن تثبت حقها فى البقاء )) .
ويشترك مستر روزفلت فى هذه المعارك بالكتابة طورا وبالخطابة طورا آخر . وإن كان التأييد الذى يمنحه الديمقراطية لا يتعدى العطف ، فان ذلك لا يضعف من شأن السؤال الذى يتلمس الناس الاجابة عليه فى المستقبل القريب ، لأن أمريكا دخلت الحرب الماضية فى آخر لحظة وبعد أن ظلت على الحياد وقتا طويلا . فلا يبعد ، برغم حياد أمريكا ، أن تجد مثل الأسباب الماضية وتتكرر المفاجأة وتضيع أصوات أنصار « الحياد الدقيق » فى غمرة دوى المدافع .
الذهب الروسى
تعد روسيا اليوم من أكثر دول العالم انتاجا للذهب ، إذ أن إنتاجها يزداد زيادة مطردة
من عام إلى عام ، مما لا يدع مجالا للشك ، إذا استمرت هذه الزيادة ، أنها توشك أن تكون أكبر منتج للذهب فى العالم ؛ فقد بلغ إنتاجها فى عام ١٩٣٠ مليونا ونصف مليون أوقية ، وفى عام ١٩٣٣ زاد إلي مليونين ، ووصل في عام ١٩٣٦ إلي خمسة ملايين أوقية ، وفي عام ١٩٣٧ قدر فى إحصاء الاتحاد البريطانى لإنتاج الذهب بمقدار ٧,٣٥٠,٠٠٠ أوقية ولاستخراج الذهب فى روسيا قصة لا تخلو من طرافة ، فقد بدأت حكومة السوفيت توجه عنايتها نحو إنتاج الذهب منذ خمسة عشر عاما ، وكانت أول خطوة فى
هذا السبيل مصادرة مناجم لينا فى شمالى سيبريا ، وكانت تديرها شركة بريطانية ، ثم وكلت إلى أحد نوابغ المهندسين وهو الرفيق «سير بيروفسكى» أمر إدارة المناجم والكشف عن مناجم أخرى ، وفوضت له من السلطة ماجعله يستخدم مئات الآلاف من العمال ،
كلهم خاضعون له فى جميع أحكامه ، حتى لقد أصبح حكومة داخل حكومة الروسيا لا تخضع حتى لأوامر ستالين نفسه . وقد استعان هذا المهندس بمهندس أمريكى آخر ، وسرعان ما كشفوا فى قاع الأنهار وفى المناطق الجليدية فى شمالى
سيبريا الأقصى موارد لا تنضب من الذهب ، وقد سار العمل بعد ذلك حتى أصبح عدد من يشتغلون من العمال فى المناجم لا يقل عن مليون عامل ، مما أدى إلى إنتاج كميات هائلة من السبائك الذهبية ، وضاعف فى قوة حكومة ستالين .
ولكن الرفيق " سيريبروفسكى " قال مكافأته المنتظرة قبل الأوان ، ففى أواخر عام ١٩٣٨ سافر إلى موسكو فى رحلة للراحة ، ولكنه لم يعد بعد ذلك إلى العمل ، وتفقده كثيرون فى موسكو فلم يجدوه . ولعل السر فى تناقص نسبة المستخرج من الذهب هذا العام هو اختفاء هذا المهندس النابغة الذى كان يراقب جيدا سياسة العمل فى المناجم ، وخشية غيره من أن ينالوا نفس المكافأة !!

