الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 467الرجوع إلى "الثقافة"

أنباء واراء, روسو يصف أشراق النفس

Share

فى الجزء السادس من اعترافات روسو فقرة تعد من غير شك من أجمل ماجرى به  قلمه، تلك التى يصف فيها يقظة الإحساس الأدبى فى نفسه ، فقد كان يشعر بالموت شعورا متصلا ، فلما ضرب فى مضارب الرجال شعر بخوف متصل من أن يدركه الموت فجأة ، فجعل يسائل نفسه عن أحسن ما يستطيع أن ينفق فيه الفترة الباقية له على قيد الحياة . ولم يكن قبل ذلك منصرفا إلى الأدب ، ولكنه أحس أن الأدب هو خير ما تنفق فيه الفترة الباقية ، وقد أوحى له ذلك فواقير ، إذ انتشت نفسه وهو يطالع كلامه الحى الصافى ، فقال لنفسه مرة حسنا : كلنا محكوم عليه بالموت ، كما قال فكتور هيجو ، كلنا يرزح تحت حكم الإعدام هذا ، وأمامنا مهلة قصيرة غير محددة ، أمامنا مهلة نختفى بعدها ولا يصبح لنا بعدها مكان على وجه هذه الأرض . فأما بعض الناس فينفقون هذه المهلة فى كسل وتراخ ، وينفقها بعضهم فى الاستسلام لعواطف حادة . وأما أعتلى أبناء هذه الدنيا فينفقون هذه المهلة فى الغناء والفن ، لأن حظنا فى الحياة يتوقف على قدرتنا على

إطالة أمد هذه المهلة ، ومعنى الإطالة هو الحصول على أكبر قدر ممكن من الأحاسيس خلال المهلة المعطاة . والميول الحادة تجعل صاحبها يشعر أن الحياة تسرع فى خطوها . . . وليس بين الميول ما يكاد يعدل الميل إلى الحكمة أو الميل الشاعرى ، والتطلع نحو الجمال وحب الفن للفن ، لأن الفن يمنحك أجمل ما تستطيع أن تفوز به  فى الدنيا ، إنه يزيد فى نظرك قيمة اللحظات التى تعبر بك ، وهذه اللحظات التى تمر بك وأنت تشعر هذا الشعور الفنى وتحس أن مدى حياتك قد رحب خلالها هى التى توقد فى نفسك شعورا يضيء كأنه بريق لؤلؤة . وإذا استطعت أن تطيل مداها فقد كتب لك الفوز فى فترة الحياة . . .

اشترك في نشرتنا البريدية