فى الجزء السادس من اعترافات روسو فقرة تعد من غير شك من أجمل ماجرى به قلمه، تلك التى يصف فيها يقظة الإحساس الأدبى فى نفسه ، فقد كان يشعر بالموت شعورا متصلا ، فلما ضرب فى مضارب الرجال شعر بخوف متصل من أن يدركه الموت فجأة ، فجعل يسائل نفسه عن أحسن ما يستطيع أن ينفق فيه الفترة الباقية له على قيد الحياة . ولم يكن قبل ذلك منصرفا إلى الأدب ، ولكنه أحس أن الأدب هو خير ما تنفق فيه الفترة الباقية ، وقد أوحى له ذلك فواقير ، إذ انتشت نفسه وهو يطالع كلامه الحى الصافى ، فقال لنفسه مرة حسنا : كلنا محكوم عليه بالموت ، كما قال فكتور هيجو ، كلنا يرزح تحت حكم الإعدام هذا ، وأمامنا مهلة قصيرة غير محددة ، أمامنا مهلة نختفى بعدها ولا يصبح لنا بعدها مكان على وجه هذه الأرض . فأما بعض الناس فينفقون هذه المهلة فى كسل وتراخ ، وينفقها بعضهم فى الاستسلام لعواطف حادة . وأما أعتلى أبناء هذه الدنيا فينفقون هذه المهلة فى الغناء والفن ، لأن حظنا فى الحياة يتوقف على قدرتنا على
إطالة أمد هذه المهلة ، ومعنى الإطالة هو الحصول على أكبر قدر ممكن من الأحاسيس خلال المهلة المعطاة . والميول الحادة تجعل صاحبها يشعر أن الحياة تسرع فى خطوها . . . وليس بين الميول ما يكاد يعدل الميل إلى الحكمة أو الميل الشاعرى ، والتطلع نحو الجمال وحب الفن للفن ، لأن الفن يمنحك أجمل ما تستطيع أن تفوز به فى الدنيا ، إنه يزيد فى نظرك قيمة اللحظات التى تعبر بك ، وهذه اللحظات التى تمر بك وأنت تشعر هذا الشعور الفنى وتحس أن مدى حياتك قد رحب خلالها هى التى توقد فى نفسك شعورا يضيء كأنه بريق لؤلؤة . وإذا استطعت أن تطيل مداها فقد كتب لك الفوز فى فترة الحياة . . .

