حكى أنه كان بالكوفة فتى جميل الوجه شديد التعبد ، فنظر إلى جارية جميلة ، فهويها وهام بها عقله ، ونزل بها مانزل به ، فأرسل يخطبها ، فقال أبوها : هى مسماة على ابن عمها . فاشتد عليهما ألم الهوى ، فأرسلت إليه : " قد بلغنى شدة محبتك لى ، وقد اشتد بلائى بك ، فإن شئت زرتك أو تأتينى إلى منزلى ، فقال للرسول : " لا واحدة من هاتين الخصلتين ، إنى أخاف نارا لا يخبو سعيرها ولا يخمد لهبها " . فلما أخبرها الرسول بما قال ، قالت : " أراه مع ذلك زاهدا يخاف الله ، والله ما أجد أحداً أحق بهذا الامر منى" اثم انخلعت عن الدنيا ولبست المسوح ، وجعلت تتعبد ، وهى مع ذلك تذوب وتنتحل ، وتزداد حبا للفتى حتى
ماتت . وكان الفتى يأتى قبرها ، فرآها فى منامه ، وكأنها فى أحسن منظر ، فقال : " كيف أنت ؟ " . قالت : " نعم المحبة محبتك حبا يقود إلى خير " فقال لها : " إلى م صرت ؟" قالت : " إلى نعيم وعيش مقيم لا نفاد له فى جنة الخلد " . فقال لها : " اذكرينى هناك فإنى لست أنساك " فقالت : "وأنا والله لا أنساك ، وقد سألت ربى مولاى ومولاك ، فأعنى على ذلك بالاجتهاد " . ثم ولت مدبرة . قال : فقلت لها : متى أراك ؟ . قالت : " عن قريب " فلم يعش الفتى بعد الرؤيا إلا سبع ليال .
(عن نزهة الناظرين لعبد الله الضرير)
لا زال أهل فينا يحتفظون - برغم المحن التى عبرت بهم خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية - بابتسامهم وصرحهم الذين كانا روح جاذبيتهم خلال فترات إقبال سعودهم أيام الهو جتجرج وأعياد البرانز وحفلات يوهان
شتراوس الراقصة ، وكل ما يحيط بهم من خراب وبؤس يبدو لهم وكأنه ظاهرة عابرة غير عادية ؛ وإذا اشتدت على أحدهم المتاعب توجه إلى عراف يشترى منه بعض الأمل .
وهناك فى الشوارع الضيقة والحارات المظلمة المحيطة بدار البلدية وكنيسة الكابوشين يقف عدد لا حصر له من المهرجين والمشعبذين يؤكدون للناس أنهم يستطيعون إنباءهم بما ينتظرهم من سعود وحظوظ ، وهم يتنبأون للناس بكميات الفحم واللحم والتبغ التى ستكون من نصيبهم خلال الشتاء المقبل . ! أما أعظم ما يتوقعه القينى فهو الحب ، ولو أنه نقد العراف مبلغا محترما لقال الرجل على الفور : سيكون من نصيبك امرأة فاتنة ذات مال وفير خلال الشهرين المقبلين .
وقد أصدرت الحكومة قرارا يحرم هذه الشعبذات بحجة أنها تفسح للناس من مجال الآمال ما يحول بينهم وبين تصور الشقاء الذى يحيط بهم تصورا يحفزهم إلى علاجه .
( من الكاريفور ، باريس )
عاد الطفل من المدرسة بعد ان قضى أول يوم فى حياته الدراسية ، فسأله أبوه :
_ قل لى ... ماذا تعلمت اليوم ؟
فأجاب الطفل فى سذاجة :
- لم نتعلم شيئا كثيرا اليوم . . . لا بد أن أعود إلى المدرسة مرة أخرى . . .
( دبلن أوبيتيون )
لا تحتاج الراقصة إلا إلى أن ترقص مرة واحدة ليصفق لها الناس ويمطروها بوابل من الإعجاب . وتتحدث الصحف عن براعتها وعبقريتها ، وينهال عليها أصحاب المسارح بالعروض والأموال . أما العالم فلا بد أن يقضى عشرات السنين يدرس ويحقق ، ثم لا يحظى إلا بكلمة تقدير متواضعة فى الصحيفة التاسعة أو العاشرة من صحيفة لا تبيع إلا بضعة آلاف .
( الأستاذ ر . ا . خضر ، من إذاعة فى " البى إن سى " )
ليست الحكومة علما ولا فنا ، ولا يستطيع الإنسان تطبيق أساليب أيهما عليها ؛ فهى ليست علما لان مادتها الخامة أى الناس المراد حكمهم - ليست قابلة للقياس ، ولا يمكن كذلك إخضاعها لأصول الفن ، لأن مادتها تسير على أساليب فردية يختلف حكم الفن عليها من فرد لفرد ، وربما كان أصح الأوصاف لها أنها صناعة يمارسها أصحابها على قواعد يكتسبها أصحابها بالمران والخبرة ، وقد تبين لى بعد تأمل طويل ومشاركة فى أعمال الحكومة أن أهل هذه الحرفة - حرفة الحكم - ليسوا أمهر ولا أقدر ولا أعرف بها من غيرهم من الناس ، وإنما هم ناس فرغوا لها واحتملوا متاعبها وعرفوا كيف يجدون لذة فى احتمال هذه المتاعب والاستفادة منها .
( بن . و . ليفى ، عضو البرلمان الإنجليزى ، عن التربيون ، لندن )
اكتشف عالم أمريكى أن أعظم متاحف الفن والتاريخ الطبيعى فى الدنيا ليس متحف اللوفر فى باريس أو المتروبوليتان فى نيويورك ، وإنما هو متحف طبيعى يقع على سفوح جبال الأنديز على مقربة من مدينة نازكا القديمة فى بيرو . وهذا المتحف إن هو إلا صحراء واسعة مساحتها نحو مائة ميل مربع تضم رمالها أكبر وأغرب مجموعة من الطيور والعناكب والنباتات والحيات ، وعلى أرض هذا " المتحف " رسوم كبيرة وصغيرة لصورة الأرض وقبة الفلك ، كما تخيلها العلماء والفنانون فى ذلك الشعب البائد الذى كان يسكن هذه المدينة القديمة ، ويقدر عمرها بما يزيد على ألفى سنة .
وأغرب ما فى الموضوع أن سر هذا " المتحف " ما زال مغلقا ، لأنه لا يحتوى على كتابة واحدة تكشف هذا السر وتسفر عن حقائق هذه الرسوم التى يغطى بعضها بضعة أميال . ومهما يكن من أمرها فهى لا شك تمثل اكبر عمل فنى قام به الإنسان إلى يومنا هذا .
( إيماح دموند ، باريس )
