دين ألمانيا :
لم يعلن بعد مقدار الدين الذي هو مقدر على المانية أن تدفعة للحلفاء من أثر حربها العالمية الأخيرة التي أثارتها . وكأن الحلفاء لا يزالون يتدبرون أمرهم أشد حذرا مما كانوا معها بعد الحرب العالمية الأولى ( ١٤-١٩١٨ ) ، وذلك أن دينها يومئذ قد فرغوا من تقديره سنة ١٩٢٠ فبلغ ٦,٦٠٠,٠٠٠,٠٠٠ جنيه تدفعه على ثلاثين عاما بمعدل ٢٢٠,٠٠٠,٠٠٠ جنيه كل عام . ولكن المانيا تعللت بأنها لا تستطيع دفع هذا المبلغ فخفضوه سنة ١٩٢٤ إلى ١٢٥,٠٠٠,٠٠٠ جنبه كل عام ، فتعللت بضخامة المبلغ أيضا فخفضوه سنة ١٩٢٩ إلى ١٠٠,٠٠٠,٠٠٠ جنيه كل عام . ورجعت المانيا تشكو عجزها وفقد مواردها عن الوفاء حتى لم تتجاوز دفعة ٣١-١٩٣٢ عن ٦٢,٠٠٠,٠٠٠ جنيه ، وظلت مع ذلك تشكو في عين الوقت الذي كانت تتأهب فيه بأضعاف دينها لأرهب حرب شهدها التاريخ ، هذه الحرب العالمية الأخيرة . فما عسي أن يبلغ من حذر الحلفاء بعد إذ كان ما كان ؟
مفارقات !
من طريف ما عرض لي - وانا اقرأ - بيان جاءت به إيطاليا كأنها ترجو وقد هزمت المانيا ألا بفرط الحلفاء في معاملتها بحسبان أنها إنما كانت مكرهة على أمرها مع الألمان . وإليك شيئا مما زعمته حيث تقول :
إنها فقدت ١٦٠٠٠ ضابط إيطالي صرعهم الألمان في كفالونيا وكورفو .
وفقدت ٥٤٠.٠٠٠ جندي إيطالي غرر بهم ضباطهم - ممن كانوا يميلون إلي النازية - ولما أن تبين الجند موقفهم عصوا أوامرهم فألقي بهم إلى المعسكرات الألمانية الرهيبة حيث مات منهم فيها ٣٣,٠٠٠من الجوع وسوء المعاملة ؟
ومنذ سبتمبر سنة ١٩٤٣ بلغ عدد الضحايا الإيطاليين من غشم الألمانيين ٢٠,٤٣٢ قتيلا و ١٩,١٧١ مفقودا و ١١.٦٢٨ جريحا ! .
و أن الأسطول الايطالي ساعد الأسطول الانجليزي في اكتساح الألغام الألمانية لأبعاد في البحر تبلغ في طولها ٤٠٠,٠٠٠ميل !
وكذلك الأسطول الجوي الإيطالي ألقى على الألمانيين قنابل تبلغ في مجموعها ٧٠٠٠ قنبلة ! .
و أن الضحايا من الإيطاليين المعارضين للحكم الدكتاتوري قد بلغ عددهم ١٧,٢٤٣ فيهم النساء والأطفال ممن قد " شحنوا " إلى العمل في المعسكرات الألمانية .!
و أن الإيطاليين أحسنوا إلى اكثر من ٥٠.٠٠٠ أسير من أسرى الحلفاء ، وهم إنما كانوا يجابهون بعملهم هذا الموت إذا وشى بهم واش إلى أولى الأمر من الفاشيين والنازيين ! .
النازية منذ ألفي عام !
لم تكن النازية نظاما مستحدثا وليد هذا القرن الذي نحن فيه ، وإنما هي فرع من أصل تطورت عنه منذ القرون الغابرة أيام إسبرطة في التاريخ الإغريقي القديم منذ مئات السنين قبل مولد المسيح .
وكان منشئ هذا النظام ليكورغوس واضع دستور إسبرطة ، والذي تلف شخصيته هاله من الأساطير القديمة الغامضة .
وكان الإسبرطي يخضع لهذا النظام الفريد منذ النسمة الاولى التى يستنشقها من نسمات الحياة . فإنه كان قد غلبت عليهم عقيدة نقاء الجنس ، واستمسكوا بها حتى لم يحجم أحدهم عما يراه يحفظ عليه نقاوة جنسه وأن يكون قويا قادرا صالحا للبقاء . من أجل ذلك عمدوا إلى لجنة فكونوها تفحص الأطفال بعد أسابيع من ولادتهم وكانت هذه اللجنة شديدة في أخذها بأسباب صلاحية الطفل للحياة . من ذلك أنهم يأخذون الطفل فيطرحونه الليل طوله فوق قمة جبل عال ، ثم ينظرونه من الغد ، فإن وجدوه حيا وقرروا صلاحيته رد إلى أمه وظل في حجرها حتى السابعة من عمره ؛ وإن كانت الأخرى فقد كفوا مؤنته واستبعدوا من وسطهم عضوا عاجزا .
وعندما يبلغ الطفل سنينة السبع يؤخذ من أمه ، ولعلها لا تراه بعد ذلك أبدا ؛ فتفقده من دنياها من يومئذ .
وينمو الطفل إسبرطيا بكل ما تحمله هذه الكلمة من اعتزاز عندهم . فيتعود الصبر على الجووع والعطش ، ويفرطون في أخذه بالضرب ويقسون عليه ، وإنما أرادوا أن يصوغوا منه رجلا للغد نبتا جلدا لا ينال منه الأذي إذا وقع به . وكان عليه أن يجابه الأخطار ، وأن يثبت للعقوبة التي تقع عليه غير متخاذل . وإياه وأن يجزع لشئ او فالعقاب يضاعف له .
وأما عيشه فأخشن عيش ، وقد يحرم منه ليلتمسه بالطريقة التي يراها ، بالسرقة او بالأغتصاب ، او فهو ينزل عن مرتبته التي لا يطمح إليها معتزا بها إلا الماضي على الهول والألم .
ثم هو في كل طور من أطوار حياته مراقب ، من غيره مثل ما فرض عليه أن يراقب غيره . فاذا هو بلغ العشرين ألحق بالجيش ، وتلك غاية عظمى ينشدها الإسبرطي . وأما مكانة المرأة منه فكانت لا تعدو ان تكون قد
خلقت لمتعته ؛ فإنها وقد تنبتت من طبيعتها كأمرأة عرفت موضعها الحق فلم تكن ثمة شكوي .!
وأما شئون الحياة المدنية فقد ترفع عنها إلى طبقة أقل من طبقته يقال لها : الهلوت .
وأما هو في الحرب فمثالي ، لا يعرف التسليم مهما غلا الثمن ، فلا يلقي بسلاحه حتى يلفظ نفسه الأخير . وهذا ممر ترموبيل يشهد في وقفتهم أمام الغزو الفارسي لهم ، أن الرجل منهم كان يؤثر الموت على ألا يتراجع خطوة واحدة . وقد تمكن هذا النظام منهم واعتزوا به ، حتى إنه من كانت تحدثه نفسه فيهم بمناهضته كان الموت جزاءه عبرة ينتصح بها غيره !
فذلك الذي كان منذ قرابة الآلفي عام ، فإن قلنا إنه أصل النازية تطورت عنه لم نبعد .
