الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 387 الرجوع إلى "الثقافة"

أنت الأمير وكلهم . . . .

Share

أذكر أننى ذهبت يوما من الأيام منذ سنوات إلى مسرح " كشكش بك " لكى أروح عن نفسى فرأيت قطعة من تلك القطع التمثيلية ( الخفيفة الظل ) التى يمتاز بها مسرح " الريحانى " وفيها رجل شاعر يمدح رجلا آخر فى عبارة ظريفة عامية فيقول له : " أنت الأمير وكلهم ركش " الخ . وسمعت قرقعة الضحكات تتردد فى جوانب المكان ، فانطلقت كذلك أضحك من أعماق قلبى وأحسست بأننى لم أدفع نقودى عبثا ولكنى عند ما خرجت من الملهى عاودنى الفكر كما هى العادة عندى بعد كل ساعة أقضيها فى سرور . وكانت الكلمة التى يتردد صداها فى خيالى هى مطلع القصيدة التى مدح بها الشاعر صاحبه قائلا : " أنت الأمير وكلهم ركش "

فجعلت أعيدها وأجيلها وأبحث عن السر الذى جعلها تعلق بذهنى مع أنها كلمة عابرة صغيرة فى تمثيلية فكاهية لا يقصد منها سوى السرور . وأخيرا وجدت أنني قد بنيت حول تلك الكلمة فلسفة مشعبة النواحى ؛ فهذه الكلمة القصيرة تمثل فى إيجاز طريف ناحية من عاداتنا الأصيلة الموروثة من ثقافة أجيال طويلة . كان أجداد الكثير منا منذ عصور طويلة يضربون فى بلاد صحراوية ويعيشون فيها على الخيرات القليلة التى وهبها الله لأرضهم المجدية . فكانوا بالطبع ينافسون على تلك الخيرات القليلة تنافسا شديدا ويتقاتلون كلما وقفت جماعة منهم إزاء جماعة أخرى . كانت كل قبيلة تماسك فيما بينها لكى تستطيع أن تتعاون فى حرب القبيلة التى تجاورها ، حتى صارت الحرب مهنة لهم كما يتخذ الناس فى البلاد الأخرى مهنا يعيشون منها .

وقد كان هذا القتال المستمر سببا فى أنهم نظروا إلى الحياة نظرة صادقة لم تضلهم فيها الزخارف الباطنة ، ولهذا امتازوا بفضائل كثيرة لا محل لحصرها هنا . فقد كان أجدادنا

العرب بغير شك أشجع الناس فى القتال ، وكانت هذه الشجاعة تحملهم بالطبع على احتقار كل مادة هذه الدنيا ، فكانوا لا يضنون بالمال إذا هو أكسبهم المجد ، وكانوا من أرهف الشعوب إحساسا يطربون لكل جميل سواء فى الطبيعة أو فى المثل العليا . وهذا شأن الشعوب التى لاتهتم بمادة التراب وتصرف كل همها إلى علاقة الإنسان بالإنسان ، فأجدادنا العرب كانوا بغير شك من الناحية المعنوية من أقرب الشعوب إلى الكمال الإنسانى ، ولكنهم إلى جانب هذه الفضائل الكثيرة أصيبوا بعادة سيئة أو بعادتين نشير إليهما فى اختصار .

كانت القبيلة فى حاجة إلى زعيم لأنها محتاجة إلى أن تكون كلمتها موحدة فى حروبها التى لا غني لها عنها . وكان هذا الرئيس ملكا مطلق السلطة فى قبيلته ، فإذا غضب غضبت القبيلة ، وإذا رضى رضيت ، وإذا ضحك ضحكت ، وإذا بكى بكت ، وإذا أخطأ قالوا له نحن معك ، وإذا أصاب قالوا له : " المجد لك " وإذا خالفه أحد فى رأى قالوا لرعيمهم : " أنت الأمير وكلهم ركش " . وهذا شئ كله جميل جدا بالطبع عندما كانت القبيلة تعيش هناك فى الصحراء . ولكننا معشر أبناء هذه القبائل نعيش الآن فى بلاد غير صحراوية وقد نسينا أسماء القبائل التى انحدرنا من صلبها . ومع ذلك فقد احتفظنا بالطبع البدوى الأول . فإذا كان عندنا زعيم عاملناه كما كان أجدادنا يعاملون زعماءهم فى الصحراء ، فإذا غضب غضبنا ، وإذا رضى رضينا ، وإذا ضحك ضحكنا ، وإذا بكى بكينا ، وإذا أخطأ قلنا له نحن معك ، وإذا أصاب قلنا له : " المجد لك ! " ، وإذا خالفه أحد فى رأي قلنا له ( أنت الأمير وكلهم ركش ) . هذه هى العادة الأولى . وأما العادة الثانية فهى نتيجة للأولى .

كانت القبيلة فى حاجة إلى ( دعاية ) أو كما يسمونها هذه الأيام ( بروباجندا ) ، ولكن دعايتهم كانت من نوع خاص يناسب بلادهم الصحراوية البدوية . لم يكن عندهم

صحف ولا سنما ولا راديو ولا مطابع ولا كتب ، ولم يكونوا يعرفون شيئا من أساليب البروباجندا الحديثة التى اخترعها الإنسان فى العصور الحديثة فى الأمم المتقدمة . فكانت عدتهم الوحيدة فى الدعاية هى الشعر الذى يسهل حفظه على الناس ويسرعون إلى روايته والتغنى به . فكانت الألسنة تتناقله وتذيعه فى أطراف البلاد وبذلك يتحقق غرض الدعاية المقصود . ولهذا كان الشاعر شخصا عزيزا عندهم يتقرب إليه الجميع لأنه يقوم إلى جانب الفرسان ، فيحارب بشعره كما يحاربون بسيوفهم . وصارت وظيفة أكثر الشعراء أن يمدحوا قبائلهم ويذموا القبائل الأخرى وملخص هذا أنهم كانوا يقولون : " قبيلتنا هى القبيلة وأما القبائل الأخرى فكلها لا تستحق شيئا " .

وكانت القبيلة الواحدة فى بعض الاحيان تضم رجلين عظيمين من الفرسان الشجعان فكل واحد منهم يطمع أن يكون هو الشيخ المطاع . ولا شك فى أن الأمر كان ينتهى بينهما دائما بأن يقسما القبيلة إلى قسمين وكل قسم يحارب الآخر حتى يهزم أقواهما الأضعف ، فيهرب الضعيف فى وديان الصحراء ، ويترك المنتصر يتغنى بنصره فى شعر مرح ظريف . وكان للشعراء نصيب كبير فى مثل هذه المنافسات ، فكل من الفارسين المتنافسين كان يحرص على أن يكون له شاعر يقول له : " أنت الأمير وكلهم ركش " . ولا شك فى أن كلا من الشاعرين كان يحاول أن يبهر الناس ويجعلهم يصدقون أن أميره هو حقيقة الأمير الجدير بالسيادة ، وأن منافسه ما هو إلا المثل الأدنى فى الأخلاق ، وأنه لا يصلح مطلقا للسيادة . وكان الشاعر لا يتردد فى أن يخدم قضيته بكل حيلة ممكنة ، فكان لا يبالى إذا كان قوله صادقا أو كاذبا مادام قوله عذبا جميلا يحفظه الناس ويرددونه ويتغنون به وينقلونه على ألسنة الرواة إلى أطراف الصحراء . ومن هنا نشأت الخرافة التى تزعم أن أعذب الشعر أكذبه ، وأصبح الشعر العربى يحتوى على

أجمل القطع المعروفة فى الذم والمدح فى العالم كله بغير نزاع . وأظن أن شعر المدح والذم هو أكبر أبواب الأدب العربى .

وقد كان هذا مفهوما عند ما كان أجدادنا يعيشون في وديان الصحراء ، وينقسمون إلى قبائل وبطون وأفخاذ . ولكنا نحن أبناء هذه القبائل نعيش في هذه الأيام في بلاد أخرى ليست في الصحراء ، وبلادنا تنقسم إلى دول منظمة وإلى مديريات ومرا كز ، ومصالحنا تتحقق إذا استطعنا ان نبحث عنها بالعقل والحجة . فلا محل عندنا للتعصب ولا لالتماس الحيل والوسائل لنصر القضايا الباطلة .

ومع هذا فقد بقيت عندنا عادة المدح والذم كما كانت عند أجدادنا ، ولا زلنا إلي اليوم حريصين على أن نسمع المدح والذم بالأسلوب القديم الذي يمكن تلخيصه في كلمة واحدة وهي " أنت الأمير وكلهم ركش " . وقد بالغنا في هذا الاتجاه حتى اخترعنا صنوفا جديدة من التكريم ، فإذا ريح صديق في ( لوتريه ) أقمنا له حفل تكريم ، وإذا أحيل رجل إلي المعاش أقمنا له حفل تكريم ، وإذا عين رجل غيره أقمنا له حفل تكريم ، والعادة عندنا في مثل هذه الحالات أن نجلس زمرا في حلقات بهيجة زاهية بالأنوار والأزهار فننعم فيها حينا بأطايب الأطعمة من سنبوذج وقالوذج ولوبزينج وخشكانج ، وتتلذذ بالأشربة المختلفة من ساخنة ومثلجة وفاترة ، وقصدنا من كل ذلك أن نجعل نفوسنا في حالة ( انبساط ) ، ونستعد لسماع أقوال الشعراء وغير الشعراء ليرددوا معني واحدا في مدح الرجل الذي نكرمه ، وذلك المعنى هو " أنت الأمير وكلهم ركش " . ولست أدري ماذا كنا نفعل لو كان المستر ( تشرشل ) أو المستر ( ثرومان ) أو الرحوم المستر ( روزفلت ) من المصريين . وأستطيع أن أقسم أن هؤلاء لو كان أحدهم من المصريين لقام ألوف وألوف من الشعراء فألقوا عشرات الألوف من القصائد يقولون له فيها : " أنت الأمير

وكلهم ركش ولكنا نحمد الله على أن المستر ( نشرشل ) وزملاءه يعيشون في أمم أخرى لم تقل لأحد منهم سوى كلمة واحدة : ( لقد أديت واجبك ) .

إنني أعتقد أنه قد آن لنا أن نراجع أنفسنا في هذه التقاليد الظريفة التي كانت تليق لأجدادنا في العصور الغابرة ، وخير لنا أن نسرع في إيجاد تقاليد أخرى تناسب حياتنا الجديدة . فقد قاسينا الشئ الكثير من غرور الذين نكرمهم ، لأنهم يصدقون ما نقول في مجاملتهم ، مع أننا لا نريد سوى المجاملة خضوعا لتقاليدنا القديمة . وهم إذا صدقوا هذه المجاملة حملهم الغرور على الكبراء وقد يبلغ

بهم الأمر إلي الإفراط في الثقة بنفوسهم فيصبحون من الطغاة . والمسئول في طغيان الطغاة إنما هم الذين يملأون أدمغتهم غرورا ، ويجعلون الناس يطأطئون لهم الرؤوس خضوعا .

إن الضحابا هي التي علمت المعتدين الاعتداء . ولو عرف الناس أقدارهم الإنسانية لما استطاع مغرور أن يتكبر أو يطغى . ولله در كشكش بك إذ أوجز وصف العلة في كلمة واحدة .

اشترك في نشرتنا البريدية