الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 586 الرجوع إلى "الثقافة"

أنصاف الآلهة

Share

مضى على الإنسان حين من الدهر ظل فى حيرة عقلية إزاء ظواهر الطبيعة ، يغشاه الوجل والإشفاق تجاه معضلات الحياة وألغاز الوجود ، كل شئ يصعب فهمه نسبه إلى الآلهة والأرواح ، أو إلى المردة والشياطين . على أنه لم يعمد إلى هذا التعليل الخرافى فى ميدان الظواهر التى لا قبل له بالتحكم فيها فحسب ، بل إن أي عمل إنسانى باهر اجتاح بغرابته وجداته ، وصدم بإشاعه عواطفه صيغة بصيغة إلهية ،

وعد منتجه نصف إله فى حياته ثم إلها مخلدا بعد مماته . هو ما تدعوه عبقريا بلغة العصور التالية . وهكذا لم يقنع اليونان القدماء بعبادة آلهة تنسموا قمة الأولمب الشامخ ، وأخر استوطنوا أعماق المحيط ، وغير هؤلاء ، وأولئك آلهة امتطوا السحب والرياح السارية ؛ إذ بينا هؤلاء فى آفاق عاوية ، كان هنالك على الأرض أبطال بهروا الجموع بجمال أو قوة أو نغم أو شعر ، فأنزلوهم منزلة أسمى من البشر ، وعبدتهم الأجيال اللاحقة .

وهذا أخيل العداء اليونانى ، وفى مصر أمنحتب الطبيب المعبود ، وفى فارس زرادشت ، وفى الهند بوذا ، وغير هؤلاء كثير من عباقرة القرون الماضية ، أحالهم التاريخ أنصاف آلهة ، نسجت حولهم الأساطير ، وقدمت لهم القرابين . وما كانوا غير بشر يأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق . غير أن الخوف يستبد بالإنسان القديم ، وتعوزه الثقة بقدرته على الخلق والإبداع ، حتى إذا تفتق ذهنه الخلاق من فكر معجز ، أو قدمت يداه عملا مبدعا ، أو تمخضت إرادته عن بطولة رائعة ، استبعد أن تكون هذه المنتجات العظيمة الممعنة فى التفوق منتجاته هو ، إنما هى صنيع قوة خارقة ليس المرء إلا أداة لها ، ومحلا لوحها وتأثيرها .

وهذه كلمة " عبقرى " اشتقت من " عبقر " ذلك الوادى الذى تمرح فيه الجن والمردة ، وكلمة genius أصلها gen أى الروح خيرا كان أو خبيثا ، وشيطانة المشعر ، وإنهام الفن ، وغير ذلك من ألفاظ وتعبيرات تلوكها الألسنة ، إذ هى

بصدد الإنتاج البارع الخلاق ، وكلها بقايا التفكير الخرافى القديم ، لا تزال - برغم التقدم العلمى - متشبثة بقوانا الفكرية ، مفسدة لأحكامنا أحيانا من حيث لا ندرى ولا تحتسب .

وكان أول انتصار ظفر به الإنسان ، وأعظمه شأنا انتصار الإنسان على الآلهة ، ذلك الانتصار الذى احتفى به "لوكريتيوس " الشاعر اليونانى الثائر بعبارته الساخرة : " علي مرأى من الجميع ، رقدت الحياة الإنسانية على الأرض رقدة العار ، وقد أعينها تكاليف دين تبدى من أجواز القضاء برأس مخيف ، ينذر بوعيد معلق على رؤوس البشر الفانين . حينئذ قام الرجل اليونانى - وهو أحد الفانين - فكان أول من تجرأ على أن يرفع عينيه متحديا " .

صدق لوكريتيوس ، فقد كان الفكر اليونانى الذى أبدع الآلهة ، وخلق للعالم أروع الأخيلة وأمتع الأساطير ، هو أول من بدد الخرافات ؛ فهو حين أحرز النصر على الآلهة ، إنما أحرز فى نفس الوقت أروع انتصار على نفسه ، إنه لطرح أسلوب التفكير الخرافى السحرى وأحل محله أسلوب النظر العقلى والنطق الحر ، وهو إذ فعل ذلك قدم تضحية كبرى . وكف لا يكون عمله هذا تضحية وقد تخلى عن العيش فى رحاب الخيال ، وتنازل عن الأسطورة التى تمنع الحس والقلب ، وتسبغ على الناس أجواء الأمانى والأحلام .

تحدى اليونانى الآلهة وسخر منها ، ولكنه ظلل على وفائه لأنصاف الآلهة ، أعنى العباقرة الذين يتيحون للناس بروائعهم تغذية العقل والقلب والروح ، ويخفقون بذلك من غاواء الحياة ويلطفون من جفافها . وأبى الإنسان إلا أن يحتفظ للعبقرية بصفات الغموض القدسى ، فلا يجسر على تحليلها وتأملها تأمل الفاحص المفتش عن سرها ، إلا حين أسلمت الفلسفة النظرية مكانها للعلم . والعلم سلطان يطامن من كبرياء العقل ، ويحد من غاوائه ، إذ يفرض عليه قيودا فى البحث لا يتعداها ، تلك قواعد التجريب الذى

يبغى العلم بالعالم المحسوس الذى نعيش فيه ، ونضطرب بين جنياته . أما المجردات والماهيات ، وأما الجواهر والتعريفات ، فأمور لا تعنينا ، وما يعتبرنا غير ما نرى ونسمع ، ونحس ونلمس ، من ظواهر وأحداث ، ولا ضير علينا إن لم تتجاوز هذه الحدود إلى ما وراء الطبيعة من أسرار قد تمعن فى البعد عنها بقدر ما تمعن فى تأملها تأملا منطقيا حرا من القيود ، مطلقا من الحدود .

وعلى ذلك فلتنح " لغز العبقرية " جانبا ، ولا علينا أن تتعمق السر الخافى ، والكنه المستتر . فأمامنا العباقرة أناس نستطيع دراسة حياتهم وتعرف أحوالهم . وتحت أسماعنا وأبصارنا روائع وصفناها بالعبقرية ، نستطيع تذوقها وتفهمها ، فهى لا تستعصى على التحليل شعرا كانت أو صورا ، أو نغما ، أو علما ، أو بطولة . وهكذا رأينا كتابا أكثر كلفا بآثار العباقرة من العبقرية فى نجردها ! من هؤلاءSegond .J الفرنسى الذى كتب كتابه " مشكلة العبقرية " تناول فيه العبقرية بالتحليل النظرى والاستقصاء التاريخى . وأخيرا يطلع علينا "Terman". عالم النفس الأمريكى ببحث ضخم عرض فيه للمشكلة من زاوية تتفق مع الاتجاه العلمى الحديث ، اتجاه الدراسة التجريبية والاستقصاء الواقعى ، معرضا عن المناقشات النظرية ، وأرجو أن الخص نتائج بحوثه فى مقالات قادمة ، ويهمنى فى هذا المقال أن أقرب إلى الأذهان فكرة العبقرية بالحديث عن آثارها فينا ، وتحديد خصائص منتجاتها .

يتميز أى إنتاج تعده عبقريا بسموه على قدرات الناس سموا ملحوظا ، وغرابته بالنسبة إليهم . وإن غرابة الإنتاج وحدها غير كفيلة أن نسمه بالعبقرية ؛ فمن الأعمال النادرة الغريبة ما لا يستنير غير الأزدراء لتذوذه وانحرافه ولا يستدعى غير المقت لخلوه من الروح الإنسانية ، فى حين أن العبقرى منها يحتذب قلوبنا لسموه وأصالته ، ويحظى باحترامنا لإنسانيته . وبرغم أن الإنتاج العبقرى بعيد عن الناس غاية البعد ، إلا أن هذا البعد لا ينفرهم منه ، بل يزيدهم تعلقا به وتشبثا بأهدابه . فما السر فى ذلك التناقض الذى يشوب موقفنا منه ؟ .

إن الإنسان لا يعيش فى حاضره فحسب ، بل يعيش

فى نفس الوقت فى الماضى ، بذكرياته وعواطفه وتقاليده ويعيش فى المستقبل ، بآماله ومطامحه وأحلامه . ولذلك تخطئ إن نحن نظرنا إلى الفرد نظرتنا إلى الجسد بأبعاده المحدودة ، فهنالك الخيوط السحرية التى تقيده بالماضى بقيود محكمة ، وتشده إلى عجلة المستقبل شدا وثيقا . ليس الإنسان عبدا للحظة الراهنة ، ولا سجينا فى حيزه الذى لا يتجاوز حدود البدن ، طالما كان بوسعه أن ينطلق على أجنحة الخيال ، يطوف فى الآماد والأبعاد ، وطالما كان بمقدوره أن يمتعلى بساط الذاكرة السحرى ، الذى يعلق به فى أجواء الماضى الحالة ؛ وطالما كان يمكنه أن يتوغل فى ضمير المستقبل ، بفكره الذى يستنتج وبتنبأ بالمال ؟ وأخيرا طالما كان يستطيع التغلب على عجزه وقصوره ، فيتحدى الصعاب والعقاب ، ويحقق فى عالم الآمانى والأحلام ما عز تحقيقه فى دنيا الواقع ، وعالم السدود والقيود .

حين يدعو الشاعر قصيدة رائعة ، وحين يخرج المصور لوحة بارعة ، وحين يأتى القائد عملا معجزا ، وحين يكشف العالم عن سر طبيعى ، وحين يخرج النبى رسالة خالدة ، يحنى الناس هاماتهم خشوعا لما تنطوى عليه هذه الأعمال من سمو وإنجاز ، وبرغم هذا السمو والإنجاز . فهم يستشعرون وشيجة تربطهم بها ، وألفة تصلهم وإياها !

ذلك أن كل عمل من هذه الأعمال العبقرية ، إنما هو تحقيق فعلى لمثل أعلى طالما راود الأذهان ، واستكمال واقعى لنقائص كم ودوا القضاء عليها ، وإبداع لأمور لم تكن غير آمال وأحلام ، فأضحت حقائق واقعة . وهذا ما يجعلنى أومن أن تذوق الناس لإنتاج عبقرى هو غطة السمت التى تتحقق فيها الحرية الإنسانية : حرية العبقرى المنتج ، إذ انطلق من عقال الزمن والحيز ، ليخلق الجمال والكمال ، يرغم ما يوثق به من قبوه القبح والنقص ، وحرية الجموع التى تتذوق هذا الجمال والكمال فتتحرر - ولو إلى حين من هموم النقائص والشرور ، وتعلم - ساعة من زمان - بالكمال الذى طالما تطلعت إليه دون أن تحققه ؛ ثم تحقق على يد غيرها ، ورأى نور الحياة بفضل العباقرة .

وذلك يجعلني أخلص إلى نتيجة ثانية ، غير الحرية الإنسانية ، هى أن الإنتاج العبقرى برغم سموه وتعاليه ، ليس

صدعا فى كيان المجتمع البشرى يفصم بين جموع غافلة وفئة تايهة ؛ إنما هو على العكس من ذلك النقطة التى تتوحد عندها الإنسانية جمعاء . العبقرية فى جوهرها اتحاد ضمنى بين النفوس العاجزة ، الطامحة - برغم هذا العجز - إلى الحق والخير والجمال ، الجاهدة - برغم الأغلال الثقيلة - فى سبيل التحرر والانطلاق الروحى ، وبين العباقرة الذين هم فى حقيقة الأمر رسلنا الذين يحققون أحلام الجموع .

ويبددون مشاعر النفس بما يبدعون من آيات . العبقرية توحد فى إنتاجها - فكرا كان أو فنا أو عملا أو بطولة - بين ما هو كائن من قدراتنا المتواضعة ، وبين ما تحب وما ينبغى أن يكون من آمالنا ومطامحنا . وإن إعجاب الجموع الواعية بمنتجات العبقرية ليكشف عن الرباط المقدس الذى يربط بينها ( ملاشيا الفروق المزعومة ) فى نفس اللحظة التى يستشعرون فيها إعجابا مشتركا بعمل واحد .

ألا ترى معى بعد ذلك أن القدماء - إذ عبدوا العباقرة - إنما كانوا يعبدون فيهم الإنسانية الفائقة ، وأنهم عندما رفعوهم إلى مرتبة تدعو من مرتبة الآلهة ، إنما كانوا يسجلون بذلك - مدفوعين بمشاعر خفية غامضة - انتصار الإنسان على القدر الذى حكم عليهم بالنقص والعجز وألزمهم الحدود الضيفة والقواعد الصارمة ؟ أو لا نرى كذلك أن الإنسان إذ يبدع ، وانه إذ يتذوق الإبداع ، وإنما يعلن فى نفس الوقت تمرده على مأساة البشر ، ويجاهر بمبدأ يجرف الإنسانية جمعاء ، هو المقاومة ، أعنى مقاومة استبداد الطبيعة أو الإنسان على حد سواء بجموع الناس . بيد أن العمل العبقرى قد يحظى بتقديرى ، فى حين لا يلقى من إنسان بربرى غير النفور والازدراء . وما ذلك إلا لأن ذلك العمل لم يكن من قبل مثلا أعلى يتطلع إليه البربرى . ولا كان رغبة تهفو إليها نفسه .

وذلك ما يجعلنى أتخلى عن نظرتى إلى المشكلة نظرة الفيلسوف إليها ، وأحل محلها نظرة الاجتماعى الذى يطمع فى تحقيق التآلف بين الناس جميعا . فأقول إن العباقرة كثيرا ما طحنتهم الجموع الغافلة ، وكثيرا ما استبدوا بدورهم بتلك الجموع . وما هذه الفرقة غير عرض سطحى ما علينا إن أردنا القضاء عليه ، إلا أن نرفع المستوى الثقافى للجموع :

فتغذو عقولها فكرا ، وتملأ أفئدتها حبا للجمال ، وتعينها بشتى الوسائل - من وقت وعلم ومال - على أن تتجاوز حدود اهتماماتها اليومية التافهة ، وتتطلع إلى آفاق أوسع .

حينئذ أن تغفل عن قيمة العبقرية ، ولن تدع للعبقرى أن يزدريها ، ثم إن رفع المستوى الثقافى لجموع الناس أن يكون ترقية لهم فحسب ، بل سيكون فى نفس الوقت رفعا لمستوى العبقرية ذاتها . فطالما الإنتاج العبقرى كما أسلفنا لابد أن يتميز بالسمو والغرابة بالنسبة للتائهين من الناس فضلا عن أوساطهم ، فإن نحن ارتقينا بالنفوس التى تتذوق وتقدر فلن تقنع حينذاك بالتفوق العادى ، ولن ترفع إلى مصاف العبقرية إلا كل من سجل سموا حقا . ويؤيد ذلك أن كثيرا ممن اعتبروا فى عصور التدهور الفكرى عباقرة ، محا التقدم أسماءهم من قائمة العباقرة ؛ وكثيرا ممن سخر منهم الأقوام ، ورموهم بالخلط والسفاهة ، قدستهم الأجيال اللاحقة وخرطنهم فى سلك الخالدين ،

العمل العبقرى إذا لا يحظى بتقديس زمنه أو أهله فسب . بل وتقديس الأجيال البعيدة ، والأماد المترامية ، ذلك أنه تعبير عما يكمن فى أعماق النفس البشرية من عنصر إنسانى فريد مشترك ، يربط بين الناس جميعا ، أنى كان الزمان وأيا كان المكان .

اشترك في نشرتنا البريدية