الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 456الرجوع إلى "الثقافة"

أنْبَاءِ وَارَاء، الكنز المسروق أو أندونيسيا

Share

يطلق اسم أندونيسيا علي جزر الهند الشرقية الواقعة في الجنوب الشرقي من آسيا. وهي تشمل جزءاً من شبه جزيرة الملايو ثم جزر سومطره وجاره وبورنيو وسلييز وبالي ولبوك، والعدد المديد من الحزر المنتشرة بينها.

* يبلغ تعدادها حوالى ٧٠ مليون نسمة، ٩٥ % من مجموعها مسلمون، والباقون يدينون بديانات مختلفة من البوذيين وأقلية قليلة من المسيحيين واللادينيين. وأما نسبة المتعلمين فقيام حوالى ١٠ % من مجموع السكان.

* يستمسك الأندونيسيون بالإسلام وتعاليمه أشد استمساك، ويكاد يكون عندهم على قوته التي عرفناها له في الماضي البعيد، حتى إن احدهم لا يحجم عن شئ في سبيل دينه الإسلامي؛ وذلك رغم ما يرهقه بهم الهولنديون

المستعمرون من دس وتشجيع الإرساليات الدينية العربية بكل وسيلة وعلى أي وجه، حتى إن الموظف غير المسلم يعطي اجراً (ماهية) هو ضعف الضف مما يعطاه الموظف الأندونيسي الوطني!

* أما التعليم فيتحتم ألا يتعدى برامج خاصة يحددها الهولنديون بحدود جامدة قاسية، منها انهم يحرمون دراسة تاريخ وحركات البلاد الوطنية! ومن فحشهم انهم يستذلون الشعب منذ النشأة، حتى إذا شب المواطن كان الرعب قد ملك عليه نفسه من الهولندي المستعمر فمن بعض تعاليمهم المفروضة أنه إذا سار الهولندي - أبا كانت مرتبتة - في الطريق وجب على من يعبر به " من الوطنيين أن يقف له وان يجيبه!

*والحكومة الهولندية لا تعترف هناك بغير الشهادات الهولندية في تولي الوظائف الحكومية، وأما الإجازات العلمية من الأقطار العربية الشقيقة فلا تدخل في حسابها أبدا!

*ومن لؤم الاستعمار الهولندي هناك أنهم يحتمون

احتفاظ كل أقليم بلغته ولهجته التي تبلغ حوالى ٧٣ لغة، لكي يصب التفاهم بين الأندونيسيين. ولقد باءت هذه السياسة الخبيثة بالفشل، إذ قامت جمعيات وطنية توحد اللغة بين الجميع!

* أما الثروة المعدنية فمنها البترول وهو مورد غزير فياض؛ ولعل أندونيسيا هي رابعة مناطق البترول في العالم إن لم تكن ثالثته. ومع إن الهولنديين عند فرارهم من وجه البابانيين قد خربوا آبار البترول ومصانع تكريره، فقد بقى بعد هذا من المخزون ما قدرت قيمته بحوالي ١٢ مليونا من الجنيهات!

* ثم الحديد والفحم والقصدير، ثم الذهب الذي تظهر عروقه احيانا في مجاري الانهار! وكذلك يوجد الماس واللؤلؤ. بل إن اهم المواد التي يحتاجون إليها في نهضتهم وعمرانهم توجد خاماتها عندهم! * أما الثروة النباتية فان الطبيعة الأدونيسية

كريمة سخية: فهي تنتج من المطاط أكثر من ٥٥٠ ألف طن في كل عام، اي ما يعادل ٩٥ % من المطاط العالمي . وحسبك كي تعرف غزارة محصوله ان المستعمرين حددوا نسبة معينة على مستخرجيه لا يمكن تعديها. ومن الظلم انه لا توجد مصانع له في الدونيسيا وإنما يصدر للخارج ثم يعاد مصنوعاً على هيئة إطارات مثلا ، فيباع في (مواطنه) بثمن غال ! مما أقرب وجه الشبه بين مطاطهم مع هولندا بقطننا مع الإنجليز !وهم يزرعون الذرة ولكنها ليست في مرتبة الارز الذي هو عندهم غذاء أساسي للسكان. وعندهم القطن ثم التوابل والبهارات والبن والشاي والسكر والطباق والكاكاو والكينا والموز وجوز الهند وزيوته، وكذلك خوص الطرابيش والخيزران. وكذلك يوجد نوع من "الفُل" الاخضر يستخدم طيبا في علاج (البري بري)  ويستخرجون أيضا مادة قيمة نافعة تستخدم في تثبيت كافة الألوان

واسمها باللغة الأندونيسية (جامبير) يرفع المستعمر من ثمنها كما يرفع ثمن نوع معين من أنواع الصمغ يقال له  (دامار) تتخذ منه قوالب صلبة لصياغة الذهب! وتوجد أنواع نادرة من الأزهار تستخلص منها روائح عطرية، وإنما يستخلص هذا العطر في هولندا إذ لا توجد معامل له في (موطنه)  أيضاً!

* وأما الثروة الغابية فعظيمة. فمنها شجر الآبنوس وشجر الكالبيتس، وكذلك نوع من الشجر يعرف عندهم بشجر الحديد لشدته وصلابته ويستخدم في عجلات العربات. * والثروة الحيوانية لا بأس بها . فيوجد العاج في جنوب سومطره حيث يوجد الفيل. وكذلك هي غنية بأسما كها وبطيورها؛ ثم البقر والجاموس، ولكن المنتجات الحيوانية من هذين محرمة إلا على المستعمر في ضياعه الواسعة دون الوطنيين من أصحاب البلاد! * وأما السموم فلها عندهم مورد دائم . * ويتمثل في الأندونيسيين الكرم الشرقي ، فإنهم

- رغم غشم المستعمر الهولندي - يرحبون بالنازح الشرفي الشقيق ويمهدون له أسباب رزقه. فهؤلاء الحضارمة قد لا يمضى على احدهم منذ يفد إليهم غير قليل من الزمان حتى يظهر أثر كرمهم له ملموسا ناطقاً عليه . * وأما الحياة الاقتصادية فاحتكارية، وأزمتها على الجملة في ايدى الغربيين، وبالطبع للهولنديين النصب الأوفر . ولا يتورع الهولنديون عن مناهضة أي مشروع وطني اقتصادي بأية وسيلة تخطر ببالهم. من ذلك انهم يحتكرون متى الملح الذي يستخرج من ماء البحر، فيرصدون مراقبين على الشواطئ خشية أن يأخذ الأهالي ماء البحر فيستخرجون منه الملح الذي اصبح استخراجه وقفاً على المستعمر!

والضرائب هناك متعددة ومركبة ، يخنق بها الهولنديون انفاس الناس من الوطنيين. وهل أتاك حديث

ضريبة الطيور ! إليك نبؤها: إذا عشش نوع خاص من الطبور وجب على الأهلين القريبين من العش أن يبلغوا السلطة عنه، ثم يعملون على حفظه ورعايته، ثم عليهم أن يدفعوا ضريبة له فوق ذلك!

* ولقد بلغ من ثراء الهولنديين من استعمارهم لأندونيسيا أن اصبح في مقدورهم ان يبنوا سورهم الذي يحمي وطنهم الأصلي هولندا من طغيان بحر الشمال من الفضة.

* ولا يألو الهولنديون جهدا في إفساد الشعب بما يعود على المستعمر بالنفع، فإنهم ينفثون داء "المقامرة" وقرض الديون، فإذا عجز المدين من سداد دينه للدائن - والدائن هولندي - وجب عليه ان يشتغل عنده وفاء للسداد. وعند ذلك لا يعدم الدائن حيلة يعجز بها المدين عن السداد فيبقى رهينة عنده أبد الدهر بدينه. وقد يؤدي الحال بالمواطن أن يعمل كأجير في الأرض التي كانت ملكا له من قبل! لا فرق في ذلك عما كان متبعا في القرون الوسطى وإن كنا في القرن العشرين!

* ويحرم الهولنديون تسليح الأهلين تحريما مطلقا حتى إنهم لياخذون الرجل بجريمة حمله السكين أو الخنجر! كما أنهم يحرمون حرية الخطابة بين الأندونيسيين وحرية الاجتماع. ولقد جاء يوم - قبل اندحارهم أمام اليابانيين - كانوا يحرمون فيه أن يسير ثلاثة أشخاص معا !

* ويقيم الحاكم الهولدي العام في جاه في عاصمة بنافيا، وإرادته النافذة هي من إرادة الملكة ولهلمينا ملكة هولندا!

* ويبلغ من ضآلة عدد الهولنديين هناك بالنسبة للأندونيسيين انه في كل بلد أو إقليم لا يشغلون فيه إلا المناصب الرئيسية!

* ويستعين الهولنديون في أعمال البوليس والمحافظة

على الأمن بعناصر غير وطنية؛ فإن الوطنيين يكرهون أنفسهم عن هذا العمل لشدته على مواطنيهم، أما إذا عمل بعضهم فهو مكره عليه !

* على أن هولندا لم تكن لتقوي أن تظل في استعمارها لأندونيسيا يوماً واحدا لولا مؤازرة الإنجليز والفرنسيين والأمريكان لها. وللإنجليز هناك نفوذ هائل ومتشعب. ومن طريف ما سمعته من صديق لي من الأندونيسيين أنه قال: لولا هؤلاء المساعدون من إنجليز وفرنسيين وأمريكيين فانه يكون في مقدورنا " ان نغزو هولندا في داراها"!

...وبعد فما عسى أن يذهب إليه ظنك بعدد الهولنديين المستعمرين يعملون على فرض استعبادهم لهذا القطر الشرقي الإسلامي الكبير بملاينه السبعين ؟ أنا مسجل لك الجواب. لقد كان تعدادهم في بلدهم هولندا قبل الحرب حوالى ٦ مليون نسمة ، فاعجب لذلك الاستعمار!

اشترك في نشرتنا البريدية